الرئيسية / احدث التدوينات / دهشة التأمل: تَمظهُرات الوعي لدى عبد الغني كرم الله

دهشة التأمل: تَمظهُرات الوعي لدى عبد الغني كرم الله

محمد

بقلم: محمد النوراني

1

      يميز خبراء الفنون في المزادات والمتاحف اللوحات الأصلية من الأعمال المقلدة شديدة التقليد عن طريق التدقيق في حدود الالوان والأشكال، وامتزاجها في الفرشاة، وتشبع خيوط القماش باللون، تفاوت الضوء، وتغيير درجات الحرارة والرطوبة عبر السنين تصنع تأثيراً يزيد من تمازج الألوان فتبهت الحواف حتى لا تكاد تعرف أين انتهى الظل، وأين يبدأ الجدار، أو الوردة، أو أين كانت الضربات بحافة الفرشاة الدقيقة. فاثر الزمن والفرشاة لا يمكن تزييفه أو اختلافه، وكذلك قلم الأديب الإنسان، الذي تعرض لعدد ضخم من الأفكار والتجارب وعبرَ مدارس متباينة، وهذا بالضبط الأثر الذي لا يمكن تجاوزه في كتاب الاستاذ عبد الغني كرم الله “العنبة التي تحجب الشمس والجبل معا”، وهو في مجمله عشرة مقالات، طوف فيها الكاتب على مدارس مختلفة وأفكار متباينة، ولكن يمكن فك رموز الارتباط فيها عندما تقرأ في سياق عموم سرديات الأستاذ كرم الله ومحاضراته ومؤانساته، خصوصاً مع قراء الخرطوم في الأعوام القليلة التي شكل فيها الأستاذ حضوراً لا تخطئه العين. وهو حضور في اعتقادي من أجل إعادة دفع عجلة التاريخ لتجاوز صخرة الواقع الثقافي البائس في الخرطوم. 

2

     نحاول أن نفهم في هذه العجالة أسلوب تيار الوعي لدى الأستاذ كرم الله من خلال مقاله الموسوم بنفس عنوان الكتاب “العنبة التي تحجب الشمس والجبل معاً” والمقال كان يفترض أن يكون إجابة عن سؤال من أنت؟ لتقديمه في فعالية ثقافية قبل بضعة أعوام، موجودة في الرابط هنا 

http://sudaneseonline.com/board/490/msg/

     فنجد تلاحقا للصور و الأفكار يشبه ما يراه الساقط من أعلى الشلال نحو البحيرة، فالقدرة على القراءة بمناظير فلسفية ودينيّة متعددة ومجتمعة كان من أبرز سمات الكاتب، ويكون التداعي اوضح في محاضراته، أذكر ورشة عمل نظمتها جمعية الاء الثقافية في مركز الفصيل الثقافي في العام 2015 عن القصة القصيرة لدى تشيخوف، وقد جاء الاستاذ وفي يده مفكرة دون عليها عدة نقاط، لكنه، وطوال المحاضرة لم يقرأ منها شيء، بل كانت هناك لوحات على كراس رسم لمشاهد من القصص رسمت بأسلوب أقرب ما يكون إلى رسومات الأطفال، بيت، نهر، شمس، ولد.. ألخ، ثم أنطلق يروي عن تشيخوف باعتباره الإنسان الذي تجلت فيه صفات الرحمة من الذات القديمة الذكية، والتي استطاع تتبعها بسلاسة لدى بوذا ومارس ومحمود محمد طه…الخ، كشفت الندوة عن بصيرة حادة ترى اللون الأبيض في ألوان الطيف المجتمعة، وترى ألوان الطيف المجتمعة في الأبيض، بحيث لا تغيب الأسئلة الكبرى عن ذهن وروح الأستاذ في أكثر المواقف بساطة وتجريداً، وهو فعل يذكرنا ب “تشيخوف” نفسه حين قال بعض تلاميذه أنهم لا يجدون موضوعا يصلح للكتابة فكتب لهم قصة مدهشة عن كرسي خشبي بسيط كان امامه. 

3

     تقول الاقصوصة: “إن رجلاً كان يقف تحت عمود الإنارة يفتش عن مفتاح بيته الذي سقطه منه، فشاهده رجل ثم رجلان ثم اجتمع نفر وبعد أن أضناهم التعب سأله أحدهم أين أضاع المفتاح، فقال أنه أضاعه أمام الباب، قيل له ولماذا تبحث هنا وليس امام الباب؟ فقال ببساطة لأن امام الباب مظلم وهنا مضئ!” وكذلك فان الإنسان الذي يعيش مكبلاً بخوفه لا يذهب إلى الظلمة أبداً لينقب، بل يكتفي بما ألفه، ولكن الكاتب مطالب بألا يبحث إلا في الظلام، حيث أن الإبداع ابن الدهشة وليس أبن الرتابة والتكرار، ويمكن أن نرى سلسلة المفاتيح التي يجمعها سرد الأستاذ كرم الله في مقالاته، حيث تخرج أكثر الأفكار تعقيداً من أبسط المشاهد، حيث لا أحد يعيرها اهتماماً كما هي طبيعة العصر المتعجل الذي يؤمن أهله أن كل الافكار قد قيلت، وكل الدهشات قد أصبحت فاقدة للصلاحية.

4

     حين تضع أمام وجهك عنبة قريبة جداً من بؤبؤ العين فإنها تكبر وتعظم حتى تكاد تغطي العالم، ويمكنها بسهولة أن تغطي جبل البركل العظيم، هكذا يعرف الأستاذ الأنا البشرية، ومنها يحاول أن يكون المرآة الكروية التي ترى كل شيء، يقول مستطرداً: “لكن (في حكاية العنبة العملاقة، المتوهمة، والتي تضاري جبل البركل) أليس في ذلك شاعرية؟ أن ترى الأشياء الصغيرة، كبيرة، كبيرة؟ وفاء لتجربتها في الحياة، ولو كانت عنبة، أو نملة «أليس تجربتها، أي النملة» سر؟ وهي تحبو، وتحب، وتتمرغ سعيدة في الجنس، والتراب، وتمور بعاطفة أعظم من الجبل الأشم فوقها. ثم سؤال صادق هل كانت في بطن آدم سرة؟ إذن حواء هي الأولى؟ ومن صنعهما معا؟ بتلكم الرقة، والغموض، والاشتهاء؟ ومسرات الجنس؟ والضلال؟ والألم، ودغدغه العناق؟ هناك خارطة طريقة باسلة، تقتفيها الحياة، برسن الخيال، والحلم، ما أعجب ذلك، وتلك هي القضية الأم لي، في طفولتي ومراهقتي، ما هو الله؟” 

إذاً نحن أما سيل الافكار تماماً كما صكه الفيلسوف الامريكي ويلم جيمس stream of consciousness

https://en.wikipedia.org/wiki/William_James

5

     وأنا أحرر هذا المقال يكمل الأستاذ عبد الغني كرم الله شهره الثاني في زنازين المعتقل في سجن شالا بغرب السودان، حيث من المؤكد أن سيل أفكاره الدافق لم يجف ولم ينضب، بل إختمر سلافه وازداد ايغالاً نحو ذاته، محقاً شرط مهمة عسيرة تجب على كل مشتغل بالفن، وهي أن تخطو من خلال فنك خطوات نحوك.

     ما يجهله سدنة المعتقل أن خروج الأستاذ عبد الغني كرم الله في مظاهرة هو أقل أفعاله ثورية، ما يجهله كل الجلادين مصادري الاقلام ومكممي الأفواه أن السارد مسيح صلب نفسه منذ أول حرف ليخلص البشرية من شرورها و آثامها. إن مصادرة كل الأناجيل من العالم لن تطفئ السلام ولا الحب.

     ترى حين يسأله ضباط جهاز الأمن في التحقيق عن من الذي دعاك للتظاهر، ويحدثهم عن ذكاء صوت النوبة الذي كان يسمعه وهو في بطن أمه، عن ذكاء الجسد البشري، عن المومس التي ترمي الحواريين بالأحجار، ترى هل سيحررهم أم سيسجنهم؟

     إن مشروع عبدالغني كرم الله – ولا أجدني إلا أحد حوارييه – هو مشروع يحرر الإنسان من خوفه ومن نفسه. مشروع يحكي للسجين عن كل العوالم الممكنة وغير الممكنة فيحطم قيد ذاته.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة