الرئيسية / احدث التدوينات / دور المثقف المسلم

دور المثقف المسلم

5526744_mouseover75

إذا أردنا أن نشخص مشكلتنا الحضارية ، فإننا سندرك بأن محركنا الحضاري معطل ، لهذا نحن اليوم في حالة انحدار مستمر ، إذ ليس لدينا القدرة على الارتقاء ، هذا في الوقت الذي نرى فيه جيراننا الأوروبيون يصنعون تاريخهم ، بينما نحن ضللنا عالقين ، لا نحن استمررنا في تاريخنا ، و لا نحن انضممنا إلى التاريخ الأوروبي !

إن الأمة التي تفقد ارتباطها بتاريخها ، هي الأمة التي تفارق جوهر تاريخها ، أي تفل فكرتها الدينية عن التاريخ ، و لهذا تتعطل ، و مع بزوغ فكرة دينية أخرى ، لتأخذ دورة الريادة في التاريخ البشري ، تظل الأمة التي انقطعت عن فكرتها الدينية عالقة ، بين التبعية للفكرة الدينية الغريبة عنها و التي تأخذ الريادة في العصر ، و بين فكرتها الدينية الخاصة

إن هذا ما حصل بالضبط مع المسلمين اليوم –كغيرهم من الأمم الغير الأوروبية- ، فالمسلمون اليوم لا هم أبقوا ارتباطهم الوثيق بالتوحيد ، و لا هم انضموا إلى حضارة “الناسوت” !

فهل على المسلم أن يعيد إحياء فكرته الدينية ؟ أم يتبع الفكرة الدينية الغربية الغريبة ؟ أم يبتدع أخرى ؟

أما عن الفكرة “الناسوتية” –الغربية- ، و التي تفترض بأن الإنسان هو المركز المطلق للكون ، و بالتالي تفترض أن الوجود كله غايته هو إسعاد الإنسان … و يصح هذا لو كان الوجود كله تاريخي محض ، من حيث ارتباط الإنسان بالزمن ، و بهذا الشكل يتحول الأمر إلى أن الإنسان مرتبط وجوده بالزمان ، و الزمان مرتبط وجوده بالإنسان ! و هنا يصبح كل من الزمن و الإنسان مرتبط كل منهما بالآخر ، و بالتالي يضيع المركز و يتحول التاريخ إلى محض عبث ، لافتقاده إلى المركز

سيقول قائل أن ارتباط الزمن بالإنسان هو ارتباط الوسيلة بالغاية ، و نقول : إن الغاية لا يصح أن ترتبط بالوسيلة برباط الحاجة ، و إلا لم تكن غاية ، بل الفاعل هو من يجب أن يرتبط بالوسيلة ارتباط توسل لتحقيق الغاية أو الوصول إليها … و الفاعل الوحيد القادر على الأخذ بهذا الأمر هو الإنسان … فهل يصح أن يكون الفاعل المتوسل بالزمن هو نفسه الغاية ؟

و إذا صح بأنه لا يصح للمسلم أن يأخذ الفكرة الدينية الناسوتية كجوهر لدخوله إلى التاريخ ، خاصة أن الما بعد حداثة أثبتت فشلها ، جاز لنا أن نتساءل : هل يجب على المسلم أن يبتدع فكرة دينية جديدة ؟ !

لقد توصلنا إلى أن الإنسان لا يجوز أن يكون الغاية ، لأنه متوسل بالضرورة ! …

كما لا يخفى على أحد أن الما بعد حداثة قد أفرزت توجهًا دينيًا جديدًا ، أو بمعنى أصح : أحيت توجهًا دينيًا قديمًا ، بعد أن قتلته ، هو التوجه الصوفي ، الذي يفترض التناغم و التجانس المطلقين مع التاريخ ، أو بمعنى أصح : عبادة الزمن ! … هنا يتحول السؤال الوجودي إلى الصياغة التالية : هل يجوز للإنسان أن يتوسل بالغاية للوصول إلى الغاية ؟ !

هذا التساؤل يحيلنا إلى تساؤل آخر لازم عنه ، مقتض لجوابه : ما هو الزمن ؟ … إن الزمن ليس مساحة وجودية أو كوزمولوجية ! إن سر الزمن ، رغم دلالته على تقيد الإنسان و غيره من المخلوقات بعالم علوي ، إلا أنه يظل مدرك إنساني وهمي محض ، بيانه : أنه انتقال من وجود إلى وجود عن طريق عدم ! … أي أنه تجدد فرصة في الوجود ، و لا يخفى هذه الحقيقة الوجودية إلا غفلة الإنسان المدفوعة برغبته المنعتقة من الخلق في التسيد و التسلط ، فضلًا عن الرغبة في البقاء –و إن كانتا الرغبتين ليستا إلا وجهين لعملة واحدة- ، فتجعل الزمن يبدوا كأنه عنصر وجودي مستقل بذاته ، و يسعى إليه الإنسان بالتقرب إليه بالعبادة !

فالعبادة إذا هي فلسفة الإنسان الناقصة لكي يصل إلى العنصر المتعالي ، الغاية التي على الإنسان أن يصل إليها بالتوسل بالزمن ، و بهذا التوسل يصنع تاريخه الحقيقي ، الغاية التي يتوجب أن تكون فوق الزمان و المكان ، فوق التاريخ ، إذ لا يعقل أن يكون التاريخ هو غاية التاريخ حتى نصنعه من أجله !

على هذا ، يتضح بأن على المسلم أن يعيد إحياء عقيدته التوحيدية ، لا لكي يصنع تاريخه فحسب ، بل لكي يخرج الإنسان من عبادة الإنسان أو عبادة التاريخ ، و بالتالي : تبليغ الرسالة التي كلف بتبليغها عن طريق معجزة الوحي المحمدي –صلى الله عليه و سلم- !

و لأجل تحقيق هذه الغاية ، عليه أن يدخل في عملية صناعة التاريخ ، الخاص بالتوحيد ، أي عليه بناء حضارة رسالية ، عن طريق تصحيحه جملة المفاهيم القابعة اليوم ، استنادًا على رؤيته الوجودية المبنية على أخبار الغيب من الوحي … و معلوم أن تبليغ المفاهيم الجديدة لا يتم حتى تهيئة المساحة النفسية القابلة لتقبل هذه المفاهيم ، و هنا يأتي دور التزكية النفسية المكملة للتزكية العقلية

و حتى لا تظل تلك المفاهيم مجرد نظريات فلسفية ليس لها أثر واقعي ، و بالتالي تعيدنا إلى عتبة التصوف ، على المسلم أن يدخل في القضايا التي تواجه الإنسان المعاصر ، ناقدًا و موجهًا ، وفق المبادئ الوجودية الإسلامية ، حتى تعاد صياغة جملة المفاهيم الاجتماعية ، أي حتى تعاد بناء الخطوط الحضارية العريضة ، لبناء حضارة رسالية إسلامية …

حضارة ، تجعل عبادة الله الواحد الأحد غاية وجودها ، أي تعيد الغاية أو المعنى للوجودين : الحضاري و الإنساني ، فضلًا عن إعادة المعنى لجملة الوجود الذي هو فيه …

و الله أعلم

عن فوزي بسام

mm
كاتب جزائري ، مهتم بالفكر و الفلسفة ... و التفكر بهما في خلق الله ، يبحث عن الحق و الحقيقة ، ﻷنه لا يستقيم حال إلا بالحق ، و ﻷن عز اﻷمة لا يستعاد إلا بالحق .