الرئيسية / احدث التدوينات / دور المسلم في القرن الواحد و عشرين

دور المسلم في القرن الواحد و عشرين

Menghafal-Al-Quran

لم يبقى مهتم بالأمة و إلا و تساءل السؤال الذي طرحه الأمير شكيب أرسلان : لماذا تأخر المسلمون و تقدم غيرهم ؟ … و في هذا الشأن تضاربت الأمواج ، بين داع للتقليد و داع للرجعية أو بكلمة أصح : الأصولية ، و داع للمزج بينهما ، و داع للتجديد … و بالرغم من اختلافاتهم إلا أن ما يوحدهم هو الاهتمام بشأن الأمة

و من البديهي أن يكون أصل التخالف فيما بينهم هو اختلافهم في التشخيص ، إذ إن بنية المسألة لا يمكن الفصل فيها بين التشخيص و العلاج ، فنحن نتحدث عن مشكلة تاريخية متعلقة تعلقا لازما بالتصور الوجودي …

فمن المعروف أن الحضارات تتداول بين الناس ، فبنظرة تاريخية على تاريخ البشرية نجد أن أمر ثبوت أمر الحضارة في أي قوم هو ممتنع تاريخيا ، فالحضارة تنتقل من أرض إلى أرض ، كأن شمسها تشرق من أرض في نفس الوقت الذي تغرب فيها عن أرض أخرى كما وصفها مفكرنا مالك بن نبي رحمه الله

و لعل هذا الوصف الذي يجيب عن سؤال شكيب أرسلان مبدئيا ، فالحضارة قد غربت شمسها من أرضنا في نفس الوقت الذي أشرقت فيها على الغرب ، و مع ذك يبقى السؤال الذي يطرح نفسه بنفسه ، و مفاده : لماذا وجب أن تشرق الحضارة شمسها في أرض في نفس الوقت الذي تغرب فيه في أرض أخرى ؟ بمعنى آخر : هل هذا الانتقال حتمي الحدوث ؟

إنه لا ينفع أن نأول الآية الكريمة : “تلك الأيام نداولها بين الناس” ، تأويلا يبرر المنطق الحتمي التاريخي ، الذي يتوافق مع جوهر القرآن ، فجوهر الفكر الإسلامي الأصيل : هو حاكمية الإرادة الإلهية على كل موجود ، بينما منطق الحتمية التاريخية تجعل التاريخ منفصل عن الإرادة الإلهية ، يقتضي عن هذا الانفصال حتمية غروب الشمس الحضارة و شروقها في أرض أخرى … و على هذا فإن الفكر الإسلامي الأصيل يؤول الآية السابق ذكرها في السياق الحضاري ، بأن الحضارة شأن تاريخي يشرقها الله في أرض و يغربها في أرض

إن هذا الجواب يتجلى في القصة الشهيرة لابنة جنكيز خان حينما احتلت قواته بغداد ، فوجدت شيخا مسلما فسألته : إن كان دينكم هو دين الحق ، فلماذا يسمح لنا نحن المغول بهزمكم و غزوا أرضكم ؟ فما كان جوابه إلا أن قال : حينما ابتعدنا نحن عن ديننا نصركم علينا !

إن هذا الجواب يجيب جوابا أرقى بعض الشيء من الجواب التاريخاني ، الذي يرد الأمر إلى محض بروز الفكرة الدينية اللاحقة في تاريخ البشرية مكان الفكرة الدينية السابقة ، فترتفع ببروز الأولى حضارة جديدة و تنهار بخروج الثانية من التاريخ البشري الحضارة الآفلة … فيصوغ هذا التشخيص التاريخاني ، بأن البشرية كلما ظهرت فيها فكرة دينية أقرب إلى التوحيد ، كان ذلك إيذانا لبزوغ حضارة جديدة ما لم تبتعد عن التوحيد ، إذ القرب من التوحيد يورث قدرة أكبر على التجريد ، تلك القدرة التي تمكن من العوامل التاريخية الأولى للتحضر ، كما وصفها مالك بن نبي رحمه الله : التراب – الإنسان – الوقت ، فإذا ابتعدت عنه ، كان ذلك موجبا لسقوطها ، و هكذا تتبادل الأراضي مشعل الحضارة ، في مشهد يصوره التفسير التاريخاني بأنه مشهد تدافعي ، تدفع فيه الفكرة اللاحقة الأقرب إلى التوحيد …

و أما ما حدث مع تاريخنا الإسلامي و التاريخ الغربي ، فهو تبادل عنيف ، استنادا على القاعدة المذكورة آنفا ، فالحضارة الإسلامية لما كانت فكرتها الدينية أكمل فكرة توحيدية ، فإن أفولها لا يمكن أن يتم إلا إذا ابتعد المسلمون عن دينهم البعد الذي يوجب عليهم عقوبة تليق ببعدهم عن فكرتهم الدينية الأصيلة ، فتكون الفكرة الدينية اللاحقة و حضارتها بمثابة عقوبة للمسلمين أكثر منه عزة لأهلها …

و بهذا يمكننا أن نفسر تسلط الغرب على المسلمين بشكل وحشي أكثر من غيرهم ، و حتى نعيد تفسير الأمر بصيغة أكثر عقلانية ، نقول بأن الحضارة الغربية ذات الفكرة الدينية العلمانية ، أو بمعنى أصح و أدق : ذات الفكرة الدينية الهيومانية ، قد أسقطت على أعتابها الحضارة الإسلامية ذات الفكرة الدينية التوحيدية … و حتى نكون دقيقين في تشخيصنا أكثر ، نقول بأن الفكرة الهيومانية في حقيقة الأمر قد تشكلت في رحم الحضارة الإسلامية ، أو بمعنى أصح : قد أسقطت الحضارة الإسلامية

فالفكرة الهيومانية هي فكرة حلولية أحلت القداسة في الإنسان ، بفلسفة حلولية غنوصية ، دأب على التنظير لها فلاسفة مسلمون من أمثال ابن رشد ، بعد اطلاعهم على الموروث اليوناني ، و هي اللبنات الأساسية للفكرة الهيومانية ، التي ورثها الغرب من المسلمون من نقاط الالتقاء الحضاري مع المسلمين ، في الأندلس و تركيا (فلا عجب أن نجد التوافق بين الصوفية ذات المنشأ التركي تاريخيا و العلمانية) ، فكانت معينا لهم للثورة على محاكم التفتيش الكنسية ، و ثورتهم هذه تجسدت في شكل توسيع حلول القداسة الإلهية من شخص المسيح عليه السلام و القسيسين و الرهبان من بعده –كما يحلوا لهم الادعاء في دينهم- ، إلى كل مسيحي ، و على وجه التحديد : مسيحي غربي ، أو بمعنى أصح : كل متنور غربي

ففلسفة التنوير ، هي الفلسفة التي جعلت العلم العلماني المتشكل من الرؤية العرضية للحلولية ، سندا في تحكم الغربي على الطبيعة … و لما كان أن المسلمون قد ابتعدوا عن دينهم بتبنيهم مثل هذه الرؤية العرضية ، التي أسقطت حضارتهم و أقامت حضارة غيرهم من الغربيين ، فقد كان هذا داعيا لأن يتمكن الغرب من الطبيعة ، لكي يسلطهم الله على المسلمين كعقوبة لهم على ابتعادهم عن فكرتهم التوحيدية الخالصة ، و اقترابهم من الفكرة الهيومانية

و رغم هذا الابتعاد عن الفكرة التوحيدية الخالصة ، إلا أن هذا الابتعاد لا يصنف ضمن الانقطاع عنا ، بل لا زالت و إلى اليوم تلك الفكرة التوحيدية قائمة و تنازع ، رغم أننا اليوم نقف تاريخيا على أعتاب سقوط الحضارة الغربية ، يتجلى ذلك في ظهور النزعة الطبيعية في جنبات الحضارة الغربية ، و هي الفكرة التي تعارض الفكرة الهيومانية ، في مشهد درامي يجسد فراش موت حضارة ، و من عوارض هذه التخبطات ، ازدياد هيجان ثور الحضارة الغربية حينما أصح بقرب أجله ، على المسلمين الذين إلى اليوم لا يزالون متمسكون بفكرتهم التوحيدية رغب ترسبات التاريخ ، بعد أن أذعن كل العالم للمنطق الطبيعي الذي هو في حقيقة الأمر يقتل الحضارة الغربية ، بل و يقتل معنى الحضارة بالكلية !

فلما كان أن الحضارة الغربية انتهت إلى المنطق الطبيعي الذي تجلى في تأصيلهم للمنطق الدارويني التصارعي ، فإن الحضارة الغربية لن ترضى إلا أن تجر كل العالم إلى الهلاك ، يتجلى ذلك في ابتداعها فلسفات “المابعد” و أدبيات “الموت” و تفشي ظاهرة الإلحاد الديني ، أو بمعنى أصح و أدق : الإنكار الكلي للألولهية ، و من ذلك تصنيف الدين ضمن خانة الأساطير و الخرافات

و عليه فإن الخطر لم يعد يهدد المسلمين فحسب ، بل أصبح يهدد كل العالم ، ليس في عقائدهم الدينية فحسب ، بل حتى في ثقافتهم (و إن كانت الثقافة على حسب نظرية الحضارة هي فيض من الفكرة الدينية ، أو بمعنى أصح و أدق : نتيجة تفاعل الفكرة الدينية و التاريخ لأمة من الأمم)

و على هذا ، و لما كانت أمة الإسلام هي الأمة الوحيدة الباقية مقاومة لعدمية المنطق الطبيعي ، و على مقتضى أن المسلمين يحملون رسالة ربهم للعالمين و مكلفون بأدائها ، إذ إن المسلمين لما تخلوا عن ورهم الرسالي ، سلط عليهم الأعداء … فإن دور المسلم في القرن الواحد و العشرين هو تبليغ الرسالة للعالمين

لا بمنطق نظري فحسب ، بل بمنطق عملي ، و أول ما يجب عليه في هذا السياق ، هو الثورة على الرؤية الحلولية العدمية ، التي لا تفصل بين غيب و عيني ، و من نتائج ذلك : أن تنعدم إنسانية الإنسان …

إن على المسلم اليوم ، أن يثور على الرؤية العرضية الحلولية للوجود ، معليا راية التوحيد ، فعلا فوق القول ، يجعلها رسالة متجسدة فيهم قبل غيرهم ، مصلحا لأحوال البشرية ، منقذا لها من عبودية الأنا و عبودية الآخر ، فضلا عن أكبر عبودية وصل إليها الإنسان اليوم : عبودية الطبيعة ، مخرج لها إلى نور التوحيد … فبهذا الشكل تبزغ شمس حضارة المسلمين الرسالية ، و إلا فإن البشرية ستقع في مستنقع حضارة قادمة لن تكون إلا حضارة فكرتها الدينية : عبادة الطبيعة ، و يمكن أن نصفها بأنها “اللاحضارة” ! … و على مقتضى حملنا للرسالة ، فإن أوضاعنا في ظلها ستزداد سوءا عن ما نحن عليه اليوم ، إن لم نؤدها حق أدائها …

 

و الله أعلم

عن فوزي بسام

mm
كاتب جزائري ، مهتم بالفكر و الفلسفة ... و التفكر بهما في خلق الله ، يبحث عن الحق و الحقيقة ، ﻷنه لا يستقيم حال إلا بالحق ، و ﻷن عز اﻷمة لا يستعاد إلا بالحق .