الرئيسية / احدث التدوينات / دَفقٌ من حَنين

دَفقٌ من حَنين

هاشم

      هناك .. يا أنتِ، يا بيوت وبرندات ممتدة، ردهات غرف خشبية، شارع مكتظ بالمتعبين، كلات الموانئ، عتالي السفن؛ تسكنين بحة أصواتهم. هسيس ريح، صخب شاحنات ومركبات ثقيلة “الرنق رود”، ومخازن ممتدة إلى حافة الرصيف، هامات الفنار، إشارات الوصول، يا عباب الوقت وأجنحة نوارس حلقت تواً، نعيق غربان لا تجيد التحليق بعيداً، حمام يجول حول المرابط، يا شُعب مرجانية وصدف، وجوه صلبة وأشياء متكالبة. ياصيف مسلول علي خاصرة المكان، بسموم لافح. العطش، العطش، والماء الذي لا نُدرك له طعماً، المُر منه للغرباء، متى ما ثقل لِسان أحد ما فهو إذن غريب، أو طال غيابه.

      حتي أجنحة ذباب يلتقط في الموسم الرطب قوته، وديسمبر الممطر بدفء، الطقس الوديع، كذلك الأزرق، السفن الراسية، المراكب التي تتمنينْ لو تمسها يداك. نعم أذكر كل ما جلسنا قبالة الشط ومشهد الميناء أمامنا بكل ما فيه من هيبة، كنتِ تشيرين بيدكِ، وتقولين: “أمنيتي أن تطأ قدماي المراكب”، وكنت أُردد لنفسي: “المراكب كتب عليها قدر الرحيل، ابتلاع نصف وترك النصف الآخر، وأحشو فمي ابتسامة ثم اتكئ عليك قائلاً: “يوم ما سنقترب منها ونصعد درجاتها ونتجول فيها.” نحن الذين تغرينا حكايات الربان وأساطيرهم، دون أن ندرك كم حسرة داهمتهم كعتمة الموج، جراء الانتظار والترقب، ما أشقى الاكتشاف؛ إذ كلما مضينا قدماً فتحنا أعيُننا علي المزيد من الحقائق.

      يا أنتِ؛ يا جزء بتر من جسدي، يا أرض مبللة بالعشم الأبيض، يا صافرة قطار قادم من كل الجهات وأنا المسافة، يا تلال رمادية، تتوسدها شمس اعتقدنا انها تدور ما بين البحر والجبل. يا ضجيج موقف الباصات، طقطقة “اليافتات”، الأشجار اليابسة، الوديان الجافة، المسكيت الزاحف، الشاطئ الرخو، المد والجذر، الضحكات الفاترة، الأعين المرتبكة، حتى النساء اللائي يتدثرن ألواناً زاهية؛ ملثمات، متصابيات، مقيدات، وعناقيد الذهب تتدلى من على وجوههن.

     أنا مرتاب، مرتبك، مزاجي عكر  كقهوة مسائية باردة، كسحاب صيفي لا يعي لا ينطق. يا أنتِ همِ بي بالخروج من تلك الدائرة، من فلك القلوب الواجمة، من الحفل التنكري، انتشلي رهقي الراكض في الزحام، من وسط المباني الشاهقة والاعتياد المقيت.

     يا انتِ، أيتها الحاويات المتكدسة، الفرص الضائعة، الاتفاقيات الهشة، الرماد الذي تسكنه قبائل وحكايات قديمة، وحكاوي الجدات، جلباب سواكني وسديري اغبش وسروال يحاكي الأرض، رنين ربابة ،إلتفات ونشوة فرح  بر قصات البيب بوب، السيوف المرصعة بالفضة، وطول البال، من عيدان الأراك الخضراء، ونداءات المحطات الغبراء، يا أرياف قاحلة، يا صلادة الرجال وصبر النساء، يا أحلام محدودة، يا زفة أم وليد، وعناقيد وَدِع وسكسك وزغاريد.

     يا الله على هذا الحزن، ياه من هذا الليل الحالـِك، من النجوم التي تهم بالخروج لصفحات الكتابة، للشروق المدلل، للموج، لأصوات وشعارات سوكرتا، الملاعب والمصاطب، من حماس المحبين، إلتفاف العشاق المقاهي الوثيرة بالهدوء، وأحيانا الجدل الرياضي. من اللبن المُر، من من الذاكرة خربة.

     يا انتِ، ياكنتين يمني يتثاءب، يا اقمشة وبضائع باكستانية، يا عطراً هندياً؛ يفوح في أزقة السوق الكبير، يا مليون بليد، وباعة متجولين. يا طريق مرصوف، يا عِشَش وبيوت في أطرافي، يا أحياء شعبية، شوارع وازقة وثكنات، إعلانات وواجهات وغياب وهجر واغتراب. يا أنينا، وسفلال، وعناق وبعاد قسري، إن الوجوه الغائبة لها أشباح تحوم هنا، تدور بلا هوداة، كما رحى عجوز تدور خالية، لا تنتهج شيء سوى  طحن الفراغ بالحنين والغناء ودوبيت، وموويل بجاوية.

     يا انتِ، آسرة لقلوب لم تألف مكان غيرك.

عن هاشم صالح

mm
قاص وشاعر من السودان