الرئيسية / احدث التدوينات / دکان ود العمدة

دکان ود العمدة

1774839-Khartoum_Omdurman_Khartoum
دکان ود العمدة کان الحکایة الدائمة لأهل القریة حتى بعد أن سقط علی الأرض، أسقطه ود الجعفري بعد أن قضی أسابیعًا من الاحتجاج والمطالبة بحق والده في الدکان، ولم یکن لوالده حق فیه بالضبط .. إنما کان بائع خضار، فسمح له عبد الرحیم صاحب الدکان بفرش خضرواته والبیع أمام الدکان مباشرة، ثم مات بائع الخضار قبل شهر من الآن لیأتي ولده ود الجعفري ویفرش أمام الدکان أیضًا .. فیرفض عبد الرحیم رفضًا باتًا ویقول له: “لقد سمحت لأبوک فقط والسماح لا یورث!” .. لکن للحق وبرأي الکثیر من الناس فإن ود الجعفري لیس الملام وحده علی إسقاط الدکان، فهو علی رأي أهل القریة مجرد معول أستخدم في الهدم، وأن الملام الحقيقي هو شیخ الجامع الذي ختم خطبة الجمعة السابقة بدعاء غلیظ ردده ثلاث مرات وهو “اللهم دمر أوکار الفساد تدمیرًا”! .. وجمیع أهل القریة یعرفون من یقصد بأوکار الفساد هذه .. خصوصًا أن الجالسين في الصف الأول أکدوا أنهم سمعوه یقول “دکان ود العمدة” بعد تکرار الدعاء للمرة الثالثة! .. لذلک بعض المصلین قالوا “آمین” وبعضهم لم یقلها ! .. ود الزاکي کان من الذين قالوا آمین فلکزه أحمد ود قسیمة قائلا: “یا لک من منافق ! .. النهار کلو قاعد في الدکان وهسة تجي تقول آمین!” .. لکن ود الزاکي لم يكن وحده .. فهذا الدکان کان بؤرة للکثیر من نفاق أهل القریة.

فالدکان یقع جغرافیًا في منطقة ممیزة تحسده علیها الدکاکین الأخرى .. فهو یتوسط الشق الغربي من القریة ویطل علی شارع العربات الرئیسي وبعده میدان کرة القدم، شماله یقع نادي القریة المتواضع سوی من الکشتینة والضمنة، أما جنوبه فیقع بیت ود النعمان الذي ینقلب في المساءات إلی نادي قمار کبیر! .. فیزدهر سوق دکان ود العمدة وتمتلئ خزائنه في مثل هذه اللیالي، لذلک یعتقد أهل القریة أن کره شیخ الجامع للدکان هو في الأصل حسد من مبیعاته وأرباحه بعد فشل الدکان الذي فتحه الشیخ قبل سنة ثم أغلقته الخسارة بعد أربعة أشهر فقط، فشیخ الجامع حین یفتح فمه للانتقاد فأنه لا ینتقد قمار بیت ود النعمان، ولا حتى الخمارة ولا دش القنوات الفضائیة في بیت الأفندي علي، وإنما فقط ینتقد دکان ود العمدة وصاحبه الفاسق عبد الرحیم وملاکه في البندر ویقول أنهم جمیعًا حزب من الشیاطین ! .

والحقیقة أن کلمة شیاطین هذه قد اقترنت بالدکان منذ بنائه قبل خمس سنوات، فقد أنشئ في ظروف غریبة ومستحیلة .. فکما یحکي إبراهیم ود عیسی:

“المخروب دا شغلة شیاطین بس .. یاخي دا اتبنی في عز الخریف .. الطوب إتعمل الصباح والمطرة صبت المسا .. شوف عیني دي الطوب الصباح البعدو صبح ناشف .. مشیت التحتانیة وجیت الظهر لقیت الدکان مبني كلو .. الحيطان واقفات لحد السقف .. إستغفرت الله ورجمت الشیطان وسألت ولدا فوق الشارع .. أنت دیل حیطان بالصح ولا عیوني طشاشا زاد .. الولد قال لي فعلا دیل حیطان!! طوالي لکزت الحمار وجریت أهلي!!”.

وکما قال إبراهیم ود عیسی .. صباح الیوم التالي تم سقف الدکان، ثم في الیوم الذي تلاه أتت الرفوف والبضاعة وفتح الدکان للزبائن بعد أن علقت لافتة کبیرة علیها إسم “دکان ود العمدة” .. علم العمدة بالأمر فأتی ومعه ثلاث خرفان إحتفالًا بهذا التسمیة ! .. فکان شواء وولیمة عظیمة تحاکى بها أهل القریة لشهر کامل قبل أن ینسوها لصالح واقعة شهیرة أخری، وهي حین اعترف عبد الرحیم وهو سکران في الخمارة بأنه لم یسمي الدکان علی ود العمدة هذا .. إنما عمدة آخر تمامًا!! .. وصل الخبر للعمدة فأتی متأبطًا الشر لتراه الشلة الجالسة أمام الدکان ویلمحون عکازه وغضبه فیقومون ویفرون بعیدًا ! .. إلا أحمد ود قسیمة الذي قرر منذ زمن بعید أنه لا یخاف إلا من الله وزوجته!، لکن العمدة لم ینفذ الشر الذي نواه، بل اکتفی فقط بسب عبد الرحیم وتهديده، فقد خاف أن تمس سمعته وتصير عیبة في حقه إذ سیقول الناس أن العمدة ضرب الرجل لأنه لم یسمي الدکان علیه. ثم منذ ذلک الیوم إنضم العمدة لحزب کارهین الدکان الذي کان یضم بعض أصحاب الدکاکین الأخرى وشیخ الجامع وود البکري تاجر البهایم والصول محمد ود أمين الذي کان یتمنی دائمًا تحریک إجراء قانوني ضد الدکان، لکن المشکلة أن الضابط قاسم یحب الدکان جدًا؛ فهو المکان الذي شاهد فیه محبوبته لأول مرة .. _والتي هي الآن زوجته_ ! .. وهذه نقطة مهمة لم أذکرها حول الدکان؛ فشباکه الذي یطل علی الجهة الجنوبیة مغطی بحائط حتى تستطیع الفتیات أن یأتین عبره ویشترین دون أن یراهن الرجال الذین عادة ما یکونون کثر أمام الدکان، لکن بعض الفتیات أحیاناً لا یأتین من الشباک، بل یتعمدن الظهور للرجال فتتکاثر الابتسامات وبعدها الأعراس، لذلک مع مرور الزمن صار الولد حین یقول لأمه “دایر أعرس” تقول له فورًا ودون تفکیر “أمشی دکان ود العمدة” .. “والبمشي دکان ود العمدة ما برجع خایب، أکان ما لقی فول بلقی عروس!”، ثم صار الدکان محطة ومرحلة أساسية لکل الزیجات الجدیدة في القریة بل صار مصطلحًا توسم به هذه الزیجات .. إذ یسمی الزواج الذي ابتدأ عند الدکان “زواج دکان ود العمدة”! .. لدرجة أنها مرة قیلت في الجامع أمام الشیخ بینما کانوا علی وشک إتمام العقد، فقام الشیخ غاضبًا وقال: “خلو ود العمدة یعقد لیکم!!”.

بعد هذه الواقعة خصوصًا جن جنون شیخ الجامع، بل وصار یجتمع مع بقية الكارهين .. العمدة و ود أمين تاجر البهایم للتفاکر حول دحر هذا الدکان اللعین، لینضم لهم بعد ذلک الدکتور سعید والذي قال أن الکثیر من بضائع دکان ود العمدة بضائع منتهیة الصلاحیة وسبب لکثیر من أمراض أهل القریة .. دق عبد الرحیم الترزي الأرض بیده وقال: “أي والله صدقت یا دکتور! .. أول أمس أکلت لي منو بسکویت طوالي بطني وجعتني، والعجب الجلسرین؛ تتمسح بیهو طوالي تقوم علیک الحساسیة .. والشغل الإسمو إسکریم دا .. ببعیو بارد شدید خلاص عشان یجیب لینا اللوز!! کل ما أقولو أدیني لیهو حار یقول لي لالا!”..

أسکت شیخ الجامع عبد الرحیم لیرتفع صوت سائق القلاب ود الخیر قائلا: “کمان اللعبات واللغاویث البجیبا للشفع وبضیع بیها زمنهم وقروشنا دي، دا غیر المجلات الببیعا!، فيها صور کدي أستغفر الله العظیم!!” .. فالتفت له شیخ الجامع وقال: “مجلات شنو دي کمان؟!” .. فقال ود الخیر: “مجلات ما کویسة أبدا .. عندي تلاتة في البیت ! .. أجیبیهم لیکم تشوفوهم؟!!” .. عم الصمت علی الجمیع لیقشعه صوت تاجر البهایم ود امین قائلا: “لکن الزول دول محمي بالشیاطین أعوذ بالله .. یاخي دکاکین الحلة کلهن إنسرقن إلا دکانو دا .. المرة الوحیدة اللقوهو مفتوح فیها الصباح لقو ناقصات تلاتة علب سجائر، ولقو حقهن مدفوع وقاعد في الطربیزة!!” .. إنتفض العمدة قائلا: “یا زول شیاطین شنو قول بسم الله .. دی حرکة عملا هو عشان یحبب الناس فیهو .. ما شفتهم من الیوم داک أتلمو فیهو کیف! .. زي التقول ولي صالح!”.

بعد ذلک الاجتماع اتفقوا أن یذهبوا له جماعة ویسائلوه عن هذه الأشیاء، ترکوا الکوش المنتشرة في القریة، والمیاه الراکضة والمرکز الصحي المهمل الفارغ من الأدوات والطابونة منتفخة العیش، لیذهبوا ویسائلوا عبد الرحیم عن تاریخ صلاحیة أکیاس الحلوی!، ترکو المدرسة المهملة وسورها الساقط والأساتذة الناقصین لیسائلوا عبد الرحیم عن أنه یضیع زمن الأولاد في ألعاب تافهة، ویضیع صحتهم بهذه اللغاویث، ترکو الخمارة، وبیت ود النعمان الذي ینقلب في المساءات لبیت قمار، ودش الأفندي، الذي یلتف شباب القریة حول قنواته الفضائیة لیسائلو عبد الرحیم عن أن دکانه یشجع علی الفحشاء و المنکر !

لکن عبد الرحیم کان یعرف کیف یتصدی لمحاولاتهم الدائمة في إیقاف الدکان، بکل مهل وعقلانیة ورحابة صدر، فالحلوی التي یشکون في خلاص مدتها یأکل قطعة منها أمامهم، والألعاب التي یرفضون بیعها لأولادهم یخبرهم بشهادة المهندس أحمد أنها ألعابا تنمي الذكاء، أما المجلات فهي أصلًا للفتیات والموضة والأزیاء ولیست لیراها الرجال، فأحبط معشر الکارهین، وقلت حيلتهم، ولم یجدوا ثغرة لیهاجموه منها إلا وانقلبت علیهم، إذ تکاثر داعموه ومؤیدوه ومحبوه في القریة مع کل محاولة لإیقافه، وتضاعف رواد وجلاس الدکان وکذلک بضائعه وازدهر کثیرًا ليغدو صعبًا بل ومستحیلًا علی أحد إيقافه، حتی صار الناس یتحدثون أن سلطة عبد الرحیم ودکان ود العمدة صارت أقوی من سلطة العمدة نفسه، فقد صار عبد الرحیم مهابًا ومحترمًا من قبل الناس أکثر من العمدة وبقية الأعيان .. شیخ الجامع وحتى الدکتور والمهندس والضابط قاسم، خصوصًا بعد أن سمح للجعفري بائع الخضار أن یفرش بضاعته أمام الدکان، ثم صار یبیع دكوة رقية وتسالي أم حقين و طعمیة بت المنی في دکانه فازدهرت مبيعاتها لتردد بت المنی قائلة: “دي برکات دکان ود العمدة، وعبد الرحیم سید الرجال والباقي بطال!” .. وأیضًا بعد أن فاز فریق القریة في دورة المنطقة، وکانت المباراة في المیدان أمام الدکان، فوزع علی الفریق والمشجعین والناس زجاجات البارد مجانًا .. فکان یومًا مشهودًا لعبد الرحیم إذ رفع علی الأکتاف وقدروه واحتفلوا به أكثر حتى من کابتن الفریق ومدیره وحتى أكثر من العمدة نفسه.. وشيئًا فشيئًا بات عبد الرحیم الزعیم الخفي ورجل القریة الأول لتنسج الأساطیر حوله .. فهو الرجل الذي رزق حب الناس وولاء الشیاطین وخوف الحرامیة، وهو الرجل الذي یأتیهم بعجائب وغرائب البندر کأنه هو الذي اخترعها، ففي قریتنا .. الرجل الذي ینقل لک المعجزة یکون هو ذاته المعجزة !

لذلک کبرت أسطورة دکان ود العمدة وملأت شهرتها الآفاق، وصار عبد الرحیم الضیف الشرفي الأول في أي مناسبة، وذابح الذبائح ومفتي المشاکل وصاحب الآراء المسموعة، فسمي به الموالید و بورک به الجدید، و صار مضربًا للأمثال واسمه یقترن مع سیرة کل عظیم ومدهش. أما دکان ود العمدة فقد صار مزارًا للبعیدین کما الضروح، یأتیه الناس للبضائع والونسة والتفرج علی عجائب البندر وبحثًا عن عروس أو عریس ولمعرفة أخبار القریة أو حتى العالم.

لذلک یئس معشر الکارهین تمامًا وأحبطوا أمام نجاحات الدکان الخرافیة، خصوصًا شیخ الجامع الذي أیقن بهزیمته أمام الدکان، وکاد أن یستسلم لولا أن بارقة أمل ظهرت أمامه حینما نادی المنادي معلنًا وفاة الجعفري بائع الخضار، مرت ثلاث أيام وانفض العزاء لیجلس الشیخ والعمدة مع ولد الجعفري البکر ویعبران له عن حزنهما العظیم للفقد، ثم یخبرانه أنه لابد أن یحذو حذو والده ویخلفه في تجارته الرابحة في بیع الخضار أمام دکان ود العمدة، وأن هذا حق من حقوقه. ذهب ود الجعفري لعبد الرحیم وطلب منه أن یخلف أباه في بیع الخضار أمام الدکان، لکن عبد الرحیم رفض وقال أنه فقط سمح لوالده بالبیع هنا لأنه کبیر ومریض، ولکن السماح لا یورث! .. علا صوت الولد وسخنت نبرة کلامه وقال أن لوالده حق في هذا المکان، وأنه الآن صار وريثه ولن یتخلی عنه ! .. علا صوت عبد الرحیم أیضًا وطالب الولد بالابتعاد من هنا ثم علا صوتیهما فحجزهما الناس ليبتعد ود الجعفري غاضبًا، لکنه کرر مجیئه في الأیام التالیة مطالبًا بحق والده، خصوصًا أن شیخ الجامع والعمدة استمرا في تحریضه علی عبد الرحیم ودکانه، حتى قنع ود الجعفري من أي خیر في عبد الرحیم فقرر تحت تأثیر الغضب والتحریض أن یفعل شیئًا عظیمًا؛ وهو أن یهدم الدکان! .. اختار وقًتا دقیقًا لهذه المهمة؛ وهو لیلة الجمعة فالنادي یغلق فیها مبکرًا، ولا تقام فیها جلسات قمار في بیت ود النعمان، وحتى عبد الرحیم تعود أن یفتح دکانه متأخرًا في صباح الجمعة، لذلک حسم أمره وأخذ مالًا من العمدة واشتری به معولًا وطوریة، ثم حین دقت ساعة الصفر تسلق فوق سقف الدکان ثم سن معوله وبدأ في الهدم .. ثم حین شقشق الفجر وانتشر الضوء وصحت القریة .. لم تصحو مثلما اعتادت في الأیام السابقات .. بل صحت علی حدث جلل وأمر عظیم سیقلبها رأسًا علی عقب، وینقلها إلی عهد لا شک مختلف، إذ استیقظ الناس مفزوعين علی صوت المنادي وهو یجری بین الحلال ویصیح بأعلى صوته:

                         
ألحقو آناس الدکان وقع .. دکان ود العمدة إنقشع !

ألحقو آناس الدکان إتهدم .. ما فضل شي واقف فیهو عدم!

ألحقو آناس دکان ود العمدة أتقصم .. بإید ود الجعفري إتقسم

فهرع الناس فورًا من سرائرهم إلی موقع الحدث، فرادى وجماعات، شیبًا وشبابًا، أطفالًا ونساءً، کلهم جاءوا لیشهدوا العجب العجاب! .. دکان ود العمدة وقد صار حطامًا .. “إنا لله وإنا إليه راجعون” .. هذا الذي کان صرحًا شامخًا بالأمس، صار الآن مجرد خرابًا وطوبًا وترابًا ورفوفاً ساقطة وبضاعة متناثرة، لم یحاولوا حتى أن یمدوا لها أیدیهم من هول الصدمة، شوالات الدقیق والسکر مبعجة، بضاعة مختلطة ببعضها وبالتراب، ثلاجة مقلوبة علی ظهرها وباقات الزيت منكفئة .. وکما قال إبراهیم ود عیسی: “کان مشهدًا یحرضک علی الاستغفار .. ویعلمک أن الدنیا زائلة زائلة!” ..ثم یستمر في الحکي قائلاً:

“لا أعرف أن کان ذلک شیئًا جیدًا أم سیئًا .. ولکني أحمد الله علی جعلي أشهد بنایة هذه المخروبة ثم أشهد الیوم أیضًا دمارها .. فإن کان هناک عجب عجاب أکثر من کیف بنیت هو کیف تدمرت الیوم .. رجل واحد یسقط دکان کهذا في ظرف ساعات قلیلة فقط .. لابد أنه جني .. لقد ابتليت قریتنا بالشیاطین من يومها .. فلنرجو أن یغفر الله لنا .. جئت الصباح أهش حمارتي نحو التحتانیة وفجأة لا أری الدکان ! .. أتساءل في الظلام المتفتح “أین هو” فأجد صوتًا یجاوبني “الدکان خلاص .. بح” فأقول “الشیطان منو” فیجاوب “الشیطان ود الجعفري”..

ومثلما قال إبراهیم ود عیسی .. فود الجعفري لم ینکر أبدًا أنه الفاعل، بل وقف أمام الدکان المهدم ومعوله في یده حتى عم الضوء وأشرقت الشمس وامتلأت الساحة بالناس وضاقت بهم. إنصدم عبد الرحیم بما رآه، وضع یدیه علی رأسه هولًا ثم دق بهما الأرض حتى أقسم البعض أنها اهتزت! .. کان عاریًا سوی من سروال أتى جاریًا به من البیت حین سمع صوتًا ینادیه “ألحق دکانک آعبد الرحیم! دکانک وقع آعبدالرحیم!!” .. أحس عبد الرحیم حينها بالشیطان یمسک تلابیب رقبته، فقام کأنه مس ثم جری بأقصى ما یستطیع .. وصف إبراهیم ود عیسی جریه کأنه وعل بري یود أن یطیر ! لکنه ظل فقط یشبح شبحات طویلات حتى الدکان .. وجد کل الحلة هناک یضجون کقطعان الخراف الضائعة، لیصمتوا صمتًا واحدًا حین صاح صوت “أتی عبد الرحیم” فجوا له الطریق نحو خرابته الساقطة، نحو مجده الغابر، مملکته التي غربت شمسها الآن وهنا، راقبه الناس بحرص وهو یقترب من الدکان، علت همهماتهم وهو یخوض بین الدراب والبضائع، عیونه المصدومة، عروقه المنتصبة، عضلات جسده البارزة مع کل حرکة من حرکاته، دق الأرض بيديه ثم التفت لود الجعفري حامل المعول .. رمقه بنظرة من عيونه المحمرة أقسم ود الکوام أنه لو أدرکت امرأة لأجهضتها! .. ولو أدرکت رجلاً غیر ود الجعفري لأسقطته أرضًا .. لکن ود الجعفري أظهر بسالة في ذلك الیوم لم یدرى أنها موجودة في أحد من رجال القریة، أن یدمر الدکان وحده في الظلام الحالک وفي ظرف ساعات قلیلة، ثم یقف حاملاً معوله بجوار الأنقاض حتى شروق الشمس ومجيء عبد الرحیم، فهذا لیس إلا فعل الشیاطین، الشیاطین التي کانت مقترنة فقط بدکان ود العمدة .. الآن تقاسمها معه ود الجعفري وهو أمام حطام الدکان شاحذًا معوله مستعدًا لکل مطاحن .. اندفع نحوه عبد الرحیم کجبل قام عن مکانه،، لکن سیلًا من الناس لحقه، خمسة ثم سبعة ثم عشرة رجال حتى استطاعوا أن یکفوه عن ود الجعفري، تملص منهم ثم رجع إلی بیته، لبس العراقي ومرکوب جلد النمر، درع السكين في ذراعه وشنق الطاقية الحمراء علی رأسه ثم لف علیها الشال، حمل عکازه و فأسه ثم خرج والشر یفر من عینیه .. رآه أهل القریة یأت من بعید، تهامسوا في هلع وترقب، اقترب شیئًا فشیئًا دون أن یستطیع أحد اعتراض طریقه، لا الحجازین ولا الأعیان ولا الأجاوید استطاعوا أن یرموا نفسهم أمام غضبه، فقط تنحوا عن طریقه وهو یسیر إلى مرکز الحشد .. أثناء ذلک ضج الجميع وتقلبوا وهاجوا وماجوا .. التفتوا لبعضهم في قلق سرعان ما استشرى کعدوی بین جمیع الحاضرین، بحثوا عن منقذ، عن رأي، عن ضوء .. لکن الشر فقط ما کان یحیط بهذه المساحة بین بیت عبد القیوم ودکان ود العمدة الساقط وبین الجزارة وبیت وود الجعفري .. کثرت التدافعات والاضطرابات حین التقت عينا عبد الرحیم وود الجعفري .. عبد الرحیم أعجوبة دکان ود العمدة، وود الجعفري الذي دمر بمعوله أعجوبة الدکان، تصایح الناس بحثًا عن سلام و حجازین لیقفوا بین هذین الأعجوبتین الغاضبتین، تدافع البعض في اضطراب علهم یوقفوا ما ستسیل من دماء، علت الصیحات والإستنجادات ثم الکلمات السیئة والقبیحة والشتم والغبن، صاح البعض ضد ود الجعفري لیرد أنصار ود الجعفري بالمثل علی عبد الرحیم لیصیر شتمًا جماعیًا بین الناس علا بین کل شخص وجاره .. وعبد الرحیم وود الجعفري یتبادلان النظرة الغاضبة، بینما یتبادل الناس الشتائم والوعید .. اختفى صوت العقلاء.. وتنبأ المتنبئون بالشر العظیم .. استغفر المستغفرون .. تراجع المحایدون .. وشمر الحذرون عن أیدیهم وعکاکيزهم و سکاکینهم و فؤوسهم !! .. ثم حدث أمر عظیم وجلل .. فبینما کان البعض ینتظر الحجازین ورجال الخیر والأعیان لیتوسطوا بین الرجلین ویحجزوا ویکفوا الشر .. لم یحدث أیا من ذلک .. بل انقسم الجمع إلی حزبین کبیرین کل یتوعد الآخر، حزب ناصر ود الجعفري بکامل الولاء والعهد، وأبرزهم کان شیخ الجامع والعمدة وود بابکر تاجر البهایم وحضره الصول هاشم، والکثیر من أصحاب الدکاکین وکارهي دکان ود العمدة، والکثیرین الذي ناصروا ود الجعفري الیوم لاعتقادهم بنصرة الشیاطین له في تدمیر الدکان، لیصیر أعجوبة القریة الجدیدة .. أما الحزب الآخر فهو حزب دکان ود العمدة وصاحبه عبد الرحیم المتکون من عادل سواق اللوري، و أحمد ود قسیمة ود النعمان صاحب بیت القمار، وود الزاکي والمهندس عادل والضابط قاسم، و العشرات من الموالین والأنصار والمحبین ورواد الدكان والغاضبین لإسقاطه .. کلا الحزبین توعد الآخر .. کلا الحزبین صاروا علی قلب رجلهم یساندوه بنفس الغضب ونفس الاندفاع، کلا الحزبین شمروا عن سواعدهم وسکاکینهم وعصیهم وغضبهم .. الأرض کانت تحتهم جهنم تغلي .. السماء فوقهم تعکرت من غبار أرجلهم القلقة .. القلوب کلها اسودت کما النوایا .. وصار الجنون سید الموقف .. و کما یصف ابراهیم ود عیسی:

“الرجال جنو .. الکانو أهل وأحباب هسه أتقسمو إتنین ووقفو قصاد بعض زي قطعان الکلاب .. یتوعدو بعض بالغضب والناب .. الشمس السطعت قبل شویة غربت من نوایاهم .. والصقور اتکومت فوق سماهم .. ولما الناس جرو علی بعض بالعکاکیز والسکاکین !! .. قدر البصر الکان في عیوني طش ! .. وعمیت تب .. لکن ما عمیت براي؛ القریه کلها عمت في الصباح داک! “.

عن وقاص الصادق

mm
قاص من السودان صدرت له مجموعة قصصية سنة 2015 بعنوان " حضور بلون الماء" .