ذاكرة الشبح

071b08a3305bf6dd476b911f4786ef69

لطالما خفت من الموت،لكن الآن أنا لا استطيع أن أفلت منه لقد جاء الموت جميلًا وسيمًا بهيئة ملاك من الضباب الأسود وأمسك بيدي وكأنه يصافحني قائلًا: مرحبًا بك في العالم الجديد .

وجدت نفسي روحًا شفيفة ولطيفة أنهض من جسدي وأشعر بالراحة وكأني قلب يتخلص من هموم أثقلته،لقد تحولت إلى ما يشبه شبح والتقيت بالأشباح الآخرين،ضحك ملاك الموت عندما أخبرته عن تصوري لما وراء الموت .

وضع يده فوق كتفي وقال لي: اسمع سأكون رفيقك لعدة ساعات وبعدها سأتركك تعيش وحدك .

هززت راسي بمعنى نعم. قبل أن أذهب معه ألقيت نظرة أخيرة على جسدي لقد مت بواسطة حادثة سيارة ورأيت أن رأسي تهشم لعدة شظايا عظمية وسال دماغي فوق الإسفلت وكأنه شيء لا قيمة له، وانكسرت سلسلتي الفقرية بعد أن صعد فوقها إطار السيارة .

كان منظرًا مروعًا إلا أني لم أكن اشعر بالألم وهذا كل ما يهمني، السماء كانت شديدة الزرقة ومليئة بأجنحة طيور خرافية كانت لها ظلال هائلة تنزلق فوق الأرض .

مشيت خلف ملاك الموت والذي كان يبدو مرحًا وسعيدًا وكأنه يرافق رفيقًا قديمًا،كنت اصطدم ببقية الأشباح وأما الناس الأحياء فكنت أعبر من خلالهم بلا أدنى تعب، بالصدفة رأيت جدي كان يجلس مع امرأة ويحتسي كوبًا من القهوة فناديته: جدي !

إلا انه لم يلتفت وحتى عندما رآني بدا أنه لم يعرفني، اخبرني ملاك الموت أن كل شخص يموت ويتحول إلى روح كما ترى ينسى كل شيء بعد أيام ليبدأ من الصفر حياة جديدة.

معه حق كان جدي قبل أن يتوفى لا يرتدي مثل هذه الملابس ولا حتى يحلق شعره بالطريقة التي رأيته فيها. شعرت أن هذا أهم ما كنت سأعرفه أني سأنسى كل شيء عشته في حياتي السابقة وصدقوني لم أكن أريد أن يحدث لي هذا، فأنا لا أريد أن أفقد كل تلك الذكريات إنها أنا بطريقة أو بأخرى فلو فقدتها سأصبح شخصا آخر .

أخبرني ملاك الموت ونحن نتجول في مدينة مبانيها أنوار ونوافذها أحجار خضراء: لو تشبثت بذاكرتك بما يكفي فقد تحتفظ بها لأطول فترة ممكنة لكن مصيرها أن تتلاشى كما يذوب الثلج تحت أنفاس الربيع .

رافقني الملاك لعدة ساعات كما وعد وودعني بوضع يده بلطف فوق كتفي قائلًا: الآن سأتركك، ولو أردت أن تعرف أكثر اقرأ وتذكر كلما انغمست بمباهج هذا العالم نسيت بسرعة من تكون .

كنت أستطيع أن أقف بالقرب من المرآة من غير أن أرى نفسي،وكنت أهرول أمام الحمام من غير أن يحس بوجودي ويطير،لم أكن أشعر بالنعاس وفي الليل لا أشعر بالبرد ولا بالجوع ولكني لو أردت أن أتذوق الطعام فسأفعل لكن ثمن ذلك أن أفقد جزء من ذكرياتي فقطعة خبز من هذا العالم كفيلة بأن تنسيني وجها أو شخصًا أو رحلة ترفيهية كاملة ..

كنت أتمنى لو كنت ذلك البطل الذي ليس له أي شخص يهتم به لكن عندي حبيبة أهتم بها ولكنها لا تحبني، وعندما شعرت أن ذاكرتي بدأت تتلاشى أخذت أراقبها . أستلقي بجوارها عندما تكون نائمة، وأراقبها وهي تستيقظ وهي تستحم وهي ترتدي ملابسها وهي تتحدث عبر الواتساب وهي تصلي وتستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وعندها أتلفت حولي عسى أن أرى شيطانًا رجيمًا ولكني لم أر واحدًا حتى الآن .

كنت أراقبها وهي تعانق صديقها وأحيانًا وهي تغرق شفتيها في فمه، ولم أكن أشعر بالانزعاج وكأن طبيعتي الجديدة كشبح أثرت على هويتي النفسية والشعورية،  لم أكن استطيع تصفح الكتب العادية لأن أصابعي تمر من خلالها ولهذا ضحيت بثلاثة في المائة من ذكريات الطفولة المحرجة حتى أقرأ كتب عالم الأشباح وجدت رواية رائعة لشكسبير كتبها بعد وفاته وكذلك رواية أخرى لماركيز كتبها بعد أن جاء إلى هذا العالم .

كنت أقرأ وأنا أراقب الفتاة التي كنت أعشقها عندما كنت حيًا، وانوه أن فقداني لذكرياتي في الطفولة غير جزء من شخصيتي الأمر أشبه بأن تنزع من جدار بضع طوبات الأمر مؤثر لكن الجدار سيظل واقفًا صلبًا .

الآن أستمع لحوار تبدي فيه حبيبتي استعدادها لمنح عذريتها لمن تحب، رغم أني شبح شعرت بأن في جوفي قلب يدق بعنف بقوة، لقد شعرت بالغيظ منهما فهما حيان وسيجربان معًا وبحبور هذه اللذة وأنا ميت مثير للشفقة، وكدت أبكي عندما تذكرت أن ثمن ممارسة الجنس في عالم الأشباح مع شريكة مثلي أن أفقد تسعين في المائة من ذكرياتي، والسر في الاحتفاظ بذاكرتي كشبح هو أن لا أستمتع بخدمات هذا العالم وإحاطة الذاكرة بالكثير من الحب والخيال .

شعرت أنها لو مارست الجنس سأكف عن حبها ولعلي سأذهب إلى أقرب حانة وأشرب كأسًا وراء كأس حتى أفقد ذاكرتي كلها، وكل شيء مجاني في هذا العالم وتستطيع أن تطلب وتطلب إلى ما لا نهاية وسيلبي هذا العالم طلباتك ولكن الثمن أن تصبح شخصًا آخر بفقدان ذاكرتك القديمة وبناء أخرى جديدة، انه مثلًا مضحك أن تسمع شبحًا ينكر أنه كان في يوم من الأيام إنسانًا من لحم ودم وأنه قابل ذات مرة ملك الموت نفسه، بالنسبة لهذه الأشباح الفاقدة للذاكرة لا وجود أصلاً للموت فكل ما في العالم هو حياة تندفع بلا نهاية لمزيد من الحياة ومزيد من اللذة .

الأشباح أمثالي الذين لا يشربون الخمر ويتسكعون في الشوارع ولا يأكلون ولا يستمتعون بالجنس وليس لديهم أصدقاء ينادونهم” بالشواذ “ويعاملون معاملة سيئة، لكني صابر على العنصرية التي توجه ضدي لا زلت احتفظ بملابسي التي تمزقت عند الحادث لأني لو بدلتها سيكون الثمن ما أخبرتكم به جزء من ذاكرتي الغالية، والملابس الرثة والممزقة صفة تميز الشواذ أمثالي ولو كونا صداقات مع بعضنا سيكون ذلك بثمن أيضًا لهذا نحن وحيدون متفرقون نعيش في عزلة بل نحب أن نتشاجر مع بعضنا ولهذا نحن مزعجون جدا بالنسبة للأشباح الفاقدة للذاكرة فنحن الوحيدون الذين يعكرون صفو هذا العالم الغامر بالجمال والمتعة .

ماذا أفعل لأمنعهما من فعل هذا؟ فكرت لوهلة أن أتركها لشأنها وأذهب إلى حانة وأحتسي الخمر حتى أنسى من كنت أصلًا وأبدأ حياة جديدة لكن كان الأمر أشبه بالإقدام على الانتحار .بينما كنت أراقبهما يتعانقان تحت الجسر وهو يهصر جسدها إليه وهي تهاجم وجهه بالقبلات اقترب مني شبح شاذ يرتدي بنطال جينز مهترئ وقميص أحمر كاروهات طويل الأكمام يكفكفه إلى منتصف ذراعيه قال لي: أحب مثل هذه المناظر إنها تذكرني بالحياة .

التفت إليه ولم أكترث به،كان يضع في فمه سيجارة بيضاء غير مشتعلة أخبرني لاحقًا أنه مات بطلق ناري في رأسه خلال تظاهرة وهي في فمه . بصمت كنا نراقبهما يتعانقان ويعريان بعضهما وعندما نجح في تعرية نصفها التحتي بدا أنه شعر بالدهشة لرؤية تلك القبة البيضاء لذلك وعندما اقترب ليلجها أبعدته عنها قائلة وهي تتنفس بسرعة: انتظر ..انتظر …أشعر بأن أحد ما يراقبنا .

التفت هو حوله لكنه لم يجد إلا حطام أشجار تحت جسر قديم معتم وقال وهو يحاول أن يمسك بفخذها: لا لا حبيبتي لا أحد هنا ..

لكنها نهضت وبدا أنها فكرت أنها غير مستعدة لهذا: لا لا أحس أن المكان غير مناسب .

ثم رفعت فستانها وبدأت ترتب شعرها قائلة: لنؤجل الأمر أنا متوترة .

هو كان لطيفًا رفع بنطاله واستلقى على ظهره على دعامة الجسر الإسمنتية قائلًا: حسنا براحتك، أنا أيضًا أريد أن تكون مرتي الأولى مميزة .

ارتمت هي في حضنه قائلة: أحبك .

حينها التفت نحوي الشبح صاحب السيجارة المطفأة وقال: لابد أن تعترف أنهما عاشقين حقيقيين، لقد أعجبت بهما، أتعلم أظن أن علاقتهما الجنسية الأولى ستكون ملحمية .

-ابتعد عنهما .

التفت لي وهو يمسك بالسيجارة بإصبعين ويبتسم ساخرًا:

– بل أنت ابتعد .

اقتربت منه حتى ألكمه لكنه تفادها بسرعة البرق وركلني أسفل فكي وأطاح بي بعيد شعرت بالألم وكأن ركلته ضربة مطرقة حديدية .

هاجمته مرارًا وتكرارًا وفي كل مرة كان ينجح بالإطاحة بي كنت أشعر بالألم وهذا الأمر نوعًا ما كان يقوي ذاكرتي لاحقًا علمت لماذا الشواذ كانوا يحبون أن يتشاجروا بعنف فيما بينهم لأن ذلك كان يقوي ذاكرتهم وبل يجعلهم يستعيدون ذكرياتهم الأخرى .

ضحك هو قائلاً بنبرة تخلو من الحقد: أيها الوغد لقد علمت ذلك الآن؛ أن القتال يقوي الذاكرة، في العالم الحقيقي كان التاريخ تاريخ المعارك والحروب الكبرى .

تشاجرنا حتى غروب الشمس حتى أننا لم نكترث لرحيل العاشقين،وقد انهرت باكيًا في منتصف الليل عندما انتبهت أن الفتاة التي أحبها غارقة تمامًا في حب شخص آخر . قال لي: تبا لك. تبكي لهذا السبب التافه، أي وهم يجعلك تظن أن فتاة واحدة هي كل الدنيا والعالم، اسمي جعفر بالمناسبة .

كان جعفر أكثر الأشباح الشواذ صمودًا وأطولهم عمرًا في هذا العالم وأهم ما تعلمت منه كيف أمسك الأشياء المادية رغم أني شبح، وكان لهذه المهارة ثمن إذ علي أن أخسر سبعين في المائة من الذاكرة لمجرد أن أستخدمها لدقيقة، ولهذا تعلمت منه القتال ليس من أجل أن أفوز بل حتى أتجنب الكثير من الألم . قاتلت بشراسة وبشراهة أحيانا لعدة أيام متواصلة من أجل أن أجمع أكبر قدر من الذكريات وخصوصًا الذكريات التافهة مثل ذاكرة وجوه الناس في المواصلات تلك الذاكرة التي تسمى بالذاكرة قصيرة المدى هي التي يفترض أن أجعلها ذاكرة طويلة المدى لكن مختلفة .كان لدي دافع لم أطلعه على أحد، وعندما أفكر في هذا الهدف أشعر بأني عاشق أسطوري .

لم نصبح أنا وجعفر أصدقاء لا زلنا نتقاتل فيما بيننا وكان هو يجد سببًا واضحًا لكرهي بأني كنت أريد أن أحرمه من رؤية عاشقين سيمارسان الجنس لأول مرة .

هذه المرة اجتمعا في شقة اشتركا معًا في تأجيرها لا أريد أن أهدر الوقت في التفاصيل لكنهما كانا يخططان لممارسة الجنس فيها متى ما رغبا في ذلك،عراها وقبل فخذيها أولًا ثم وضع الكاندوم حينها قال لي جعفر: أنا لا أحب الكاندوم أحب أن أشعر بدفء المهبل .

عندها أسرعت نحو المطبخ وأمسكت بالسكين ولو ظللت ممسكًا بها لدقيقة سأفقد سبعين في المائة من ذكرياتي ولكني حرصت أن تكون الذكريات التافهة هي الثمن.

في تلك اللحظة كان يشغل نفسه بتقبيل نهديها كأنه قرر أن ينتظر أكثر، هي توقفت عن التأوه بلذة وصرخت بقوة عندما رأت سكينا تطفو في الهواء قبل أن أغرزها إلى مقبضها في منتصف وجهها ثم نزعتها بقوة وبدأت أذبحها من الوريد إلى الوريد .

حبيبها كان يراقب هذا المشهد بذهول ما بعده ذهول وقد لوث دمه وجهه وفخذيه العاريين وأمسك بالسكين ورماها بعيدًا وبعدها احتضنها وهو يهذي: ما الذي فعلته؟أنا لم أفعل شيئا أليس كذلك .؟

حينها التفت نحو جعفر ورأيته يقفز عبر النافذة ليهرب وقبل أن يفعل ذلك قال لي: أنت في ورطة حقيقية .

رأيت ملك الموت يأخذ بذراع الفتاة وقد خرجت عارية من جسدها عندما رأت نفسها وحبيبها يبكي صرخت بفزع لكن ملاك الموت أخذها بين ذراعيه ووضع يده فوق فمها وهي نظرت بفزع نحوه قال لي: سيكون عقابك أن أجعلها تنساك، هل تعلم كانت تتذكرك أحيانًا لكنها لن تتذكرك بعد الآن.

لم تمر أيام قليلة حتى فقدت هي ذاكرتها بالكامل أصبحت ترتدي أحلى الثياب وتسكن أفخم القصور ولها عشاق وأصدقاء كثر وعندما تراني أحس بها تشفق علي؛ لأني شبح شاذ يحرم نفسه من متع هذا العالم بسبب ترهات لا تعني لها شيئًا، لقد أخطأ ملاك الموت كان العقاب أن أنساها أنا ولكني لا زلت أنتشي برؤية وجهها من حين إلى آخر .

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .