الرئيسية / احدث التدوينات / ذهنية الكاتب: أن تكتب من القلب “غابريل غارسيا ماركيز- نموذجًا وحالة مستثناة “

ذهنية الكاتب: أن تكتب من القلب “غابريل غارسيا ماركيز- نموذجًا وحالة مستثناة “

45-3078

“إن الخرافة لا تتعب

إن الحقيقة لا تغيب

إن القلب لا ينبض إلا ليرغب..” 

ما الذي يؤثر على ذهنية الكاتب ويدفعه ليكتب؟

 “من عرفوني وأنا في الرّابعة من عمري، يقولون أنني كنت شاحبًا ومستغرقًا في التأمل، وأنني لم أكن أتكلم إلا لأروي هذيانات ولكن حكاياتي، في معظمها، كانت أحداثًا بسيطة من الحياة اليومية، أجعلها أنا أكثر جاذبية بتفاصيل متخيلة، لكي يصغي إليّ الكبار. وكانت أفضل مصادر إلهامي هي الأحاديث التي يتبادلها الكبار أمامي لأنهم يظنون أنني لا أفهمها أو التي يشفّرونها عمدًا، كيلا أفهمها، لكن الأمر كان خلاف ذلك؛ فقد كنت امتصها مثل إسفنجة، وأفككها إلى أجزاء، وأقلبها لكي أخفي الأصل؛ وعندما أرويها للأشخاص أنفسهم الذين رووها تتملكهم الحيرة للتوافق الغريب بين ما أقوله، وما يفكرون فيه” (غابرييل غارسيا ماركيز Living to Tell the Tale.)

الكاتب هو وطن الحداثة والقدم، مخلوق الوصف و التصاوير العميقة والمشاهد الحية، هو من يسكن في باطن بهو الثناءات على مغالق الحسن والجمال، ونضار الكتابة هو ما يخطه الكاتب حين لا تجود الروح إلا بها، الذهنية تأسرها الصورة وما حولها، الروح تماثلها أثرًا وتأثرًا بما يغشاها طوال مسيرة النشأة والتكوين.

في خريطة الكتابة لا يوجد مسمى حقيقي للمنطوق أو الموجز، ويعتمد الكاتب على ذهنيته ومخزونه الأوحد فيها، لنقل محتوى الذاكرة إلى أوراقه، وبذا ما كان غير متاحًا لغيره، غدا عبر سطوره مقروءًا لغيره من المتابعين.

ولذا لابد من حدوث سعادة ما جراء فعل الكتابة، فالذهن مرتبط بكل ما يحقق السعادة ويصدر الغبطة، ولاشيء أجمل من فعل الكتابة لجلب السعادة.

على نقيض ما يدار استحداثه من المفردة غير المشاعة، تكون الكتابة للكاتب بالنسبة لكاتبنا ماركيز بمثابة تفريغ الحس الذاتي كنتاج لدوافع الذهنية الثائرة بداخله، عقليته الكاتبة لا تنفصل عن جدارية الشعور بما يؤثر فيه ويتأثر به، هنالك كتابٌ بارعون يعترفون بوقوعهم في عقاب الذهنية فيتآمرون على المعنى الحقيقي لمغزى ما يكتبونه، آخرون أكثر خجلًا من أن يعترفون بها، تلك الذهنية الكاسرة التي تدفعهم للنهوض ليلًا للكتابة ولا استحياء لدى القليل منهم في ذكر متاعبه الذاتية مع ذهنيته المترددة.

كأن تكتب ما تراه ليس كما يقال هو الحق، وإنما أن تتقن نقل ما تتلقاه إلى مفردات تصور بها الحدث بعيدًا عن ساعة وقوعه، وأن ترسم ذاك الصوت الداخلي بكل تفاصيله فهو لعمريّ البراعة الحقة.

ماهية الذهنية لديه؟

الذهنية الكاتبة عند غابريل هي قالب إبداعي يعزل كيانه الخاص عما عداه من المحيط به، ولا يقوم الكاتب صاحب هذه الذهنية فحسب بانتحال قالبه الخاص به، كأن يكن قالبًا محددًا ليكسر به وعبره مداخل الشخوص التي يكتب عنها، وإنما هو من يصنع تلك الشخصيات ويفتت تكوينها إلى ما يمكن استيعابه وفهمه، فالذهنية الجيدة هي ليست مستعصية الفهم ولا هي بالغريبة عن القارئ المتابع اليقظ، إذ له أن يتابعها ويتخيلها وليكن مسايرًا لها في أفعالها داخل نطاق الصفحات،والكاتب قد يتقمص شخصياته ويعيشها وبشكل تام وواضح حتى يغدو ماهرًا في خلقها وتصويرها داخل سطوره، والذي يكتب عن ذهنية ساحرة هو الكاتب المتوالي في إبداعه كحال كاتبنا هنا.

رخامٌ يرصف الممر : ما قبل البدء

“لم أكن يومًا من المؤمنين بالتوجـه إلى ما يـُسـمى بـ “النخبـة”Crème de la Crème   إن الكاتب الحقيقي، في رأيي المتواضع، هـو الذي يقدم إبداعـًا صادقًا ينبغي أن يكون متصلًا بحياة شعـبه وبطبيعة بلده اتصالًا عميقًا ووثيقًا، وينبغي أن يعـبر عن علاقـته هذه بأشكال يبدعها هو من خلال معاناته، ودراسته لتفاصيل تراث بلاده، وأساليب معيشة شعبه، وطرائق حواره مع أشياء الكون، دون إسقاط لحياة أي شعب آخر على حياة شـعبـه، أو انبهار بعادات وتقاليد شعوب أخرى”. (الـدكتور عـبد القـادر حسـين ياسـين)

 

“أثناء عملية كتابة حكايات من الماضي، وتذكر المشاعر والآلام التي رافقت قدري، وسرد جزء من تاريخ بلدي، وجدت أن الحياة أصبحت مفهومة أكثر والعالم أصبح متسامحًا أكثر، شعرت بأن جذوري قد تم استعادتها، ومن خلال تلك العملية الدءوبة من الكتابة اليومية كانت روحي قد تعافت أيضًا، شعرت في ذلك الوقت أن الكتابة كانت أمرًا لا مفر منه – وأني لا أستطيع الابتعاد عنها، الكتابة هي شيء كأنه لذة أو متعة، هي خلق العالم وإعادة خلقه وفقًا لقوانيني الخاصة، في تلك الصفحات أحقق كل أحلامي، كل ما عندي من الأحلام وأطرد بعضًا من أرواحي الشريرة”.(إيزابيل الليندي)

 

“حتى الآن، في تجربتي القصيرة، في كتابة القصة والرواية، لم أستخدم الراوي الذاتي إلا بشكل محدود، لا أميل له ولا يشعرني بحرية السرد مثل الراوي العليم، ربما أفعل ذلك لأني مهووسٌ بالحكايا، الراوي العليم يشعرك – بشكل ما – أنك عجوز يمضغ التبغ، يجلس متكئًا على عصاه، ويحكي لمن حوله الحكايات، يحكي من الخارج، من أعلى، كل شخوص الحكايا وأحداثها مفرودة أمامه على قماشة السرد، يحركها كيفما يشاء، ويدفع بها لمركز اهتمام المستمع/ القارئ، أو يداريها على هامش القماشة”.  (حمور زيادة)

ما بعد البدء في طريق الكتابة : أن تكتب من القلب.

 تتأثر الذهنية الكاتبة بالبيئة المحيطة للكاتب، عزلة الأحداث المشار إليها و الخيال المحض والتحريض الجاذب للكتابة وألوان الحياة والسحنة العامة لنمط تلقي الكاتب للمعلومة قبل معالجتها في النصوص، نهج التفكير الإبداعي للكاتب هي جميعها ما يؤثر بالضرورة على حال الكاتب النفسي وكيفية انغماسه وتعاطيه للمعلومة ثم تحويرها لكلمة/مفردة/عبارة/ جملة أو نص غارق في التمعن. الذهنية هي المحرك الخفي لكل ما يكتبه الكاتب. كاتبنا هنا هو ملك الذهنية الإبداعية وسيد السلطة المعبرة بالحبر والورق. هذه المرة نتجه جنوبًا إلى كولومبيا بقارة أمريكا الجنوبية، إلى الروائي الكاتب غابريل غارسيا ماركيز.

 

“هتف: كنت تعلمين إذن!

فأكدت بأنها لم تكن تعلم فقط، وإنما ساعدته أيضًا على تجاوز الاحتضار بنفس الحب الذي ساعدته به على اكتشاف السعادة، لأن الشهور الأحد عشر الأخيرة في حياته كانت احتضارًا قاسيًا”. (غابريل غارسيا ماركيز – من الفصل الأول – الحب في زمن الكوليرا)

 

الذهنية هنا لا تضع حواجز أو معاجن قاسية لهرس المعاني المحشوة عميقًا في أغلفة العبارات، ذهنية ماركيز تمنع المتاريس ولا تتسع لطرق جانبية غير مسموح بها، غابريل لا يضع أبوابًا أخرى مخالفة لنسق ما يكتبه، بل إن ذهنيته تعزز قدرته الممتازة في تقديم ما يرغب في تصويره من أحداث، هو ككاتب لا يتراجع إلا ليلتقط بعضًا من أنفاسه الحبرية، وكالمتسابق المشارك في ماراثون طويل يشق الأودية والمدن، فإن على القارئ أن يتابعه بذات الذهنية والإيقاع حتى لا يضيع في محطة ما أو يتوه وسط ثنايا سطر ما، لما لهذا الكاتب من ذهنية متسارعة ومندفعة وبشكل مطلق.

 

يباغتنا ماركيز بكتابة من القلب تفيض عذوبة وبساطة، كأنه يضع أمامنا صورة فاتنة محسوسة عن معالجة الاحتضار بالحب، إذ يمكن أن يؤدي ذلك لاكتشاف السعادة، ولا يهم ما يستغرقه الأمر من الزمن والوقت ليغرق المرء في غياهب العادة التي تحيل الرغبة المرة بالاحتضار إلى تجاوز الموت البطيء إلى اكتساب الحب والشعور بملذاته العميقة الرقيقة والحياة بما يتبع ذلك تحت مظلته كما لم يختبر القلب ذلك من قبل، لعل ما يدفعنا للاستغراق في هذه الصورة الفذة هو تصوير الحياة بلا حبٌ كأنها الاحتضار، وأن غياب الحب والسعادة هو الاحتضار القاسي بشتى معانيه.

المهارة الوصفية الفذة : أن تكتب كأنك ترى ما تتخيل.

 “في الباحة التالية، وخلف سياج مشبك، كانت توجد أشجار الورد المعفّرة بغبار قمريّ حيث كان البرصى ينامون تحت ظلالها في أيام عظمة القصر، ولقد تكاثرت وهي مهجورة  من دون اعتناء، حتى كادت تنعدم أية فجوة خالية من الرائحة، في ذلك الهواء الممزوج بنتونة كانت تصلنا من الحديقة، مع عفونة قن دجاج ونتانة الروث وتخمر بول الأبقار  وجنود البلاط الاستعماري الذي حوّل إلى إسطبل لحلب البقر، شاهدنا ونحن نشق طريقنا عبر الدغل الخانق، الرّواق بشرفاته المقوسة المزدانة بأصص القرنفل وأوراق (الاستروميلياس) والنباتات المعرشة التي كانت تغطي أكواخ المحظيات”. (غابريل غارسيا مركيز – من الفصل الأول – خريف البطريرك)

فعل الوصف غالب على هذه الجزئية من الرواية، يحاول الروائي الفذ أن يسترجع بذهنيته مشاهد بصرية متداخلة، مرت على عينيه وهي متماسكة  ومعقدة وشديدة التداخل، كفعله أن يصف أشجار الورد مغطاة بغبار قمري، وبدلًا عن التغطية كحدث واقع، يستخدم كلمة التعفير لوصف تناثر الغبار على الأشجار.

يترجم ماركيز نقلًا عن مواقع خفية بذهنيته، مشهد نوم المرضى تحت ظلالها بأثوابهم المتسخة وغيابهم عنها فيما بعد، وما صاحبهم لاحقًا من كارثة مصيرية، وهذه البقعة التي نقلها كما هي عن حقيقة مرت في ماضي أيامه، وباعترافه هي من سجلاته الذاتية بذاكرته البصرية إذ كما أشار لها في مذكراته أنه يلجأ لها لاستعادة العديد من الأحداث في فترة ما أثناء حياته.

وقناعتي أن القدرة على امتلاك التفكير الإبداعي بداخلكَ شيء لا يلازمك طوال الوقت، وحين تكتب فإنك تعيد بث التفكير المبدع بجوف روحك،  وكذلك المقدرة على تشكيل الحياة في السطور والكلمات على غرار ما يفعل أديبنا الكبير (غارسيا)، فالذهنية لديه أقل ما يقال عنها هو أن سمتها العبقرية والبساطة.

يكتب غابريل المشاهد كأنه يراها لحظة شروعه في الكتابة، هو رسول التصوير والكاتب الصامت حقًا، لم يكن جيدًا مع الصحفيين، وكان يتجنبهم كثيرًا.

يعكس ماركيز هنا خليط التداخل مابين رائحة المرضى ونتانة ما ينبعث في الحديقة وبقايا روث البقر وفضلات غذاء الدجاج، ولنا أن نتخيل ونقرأ كل ذلك مصحوبًا برائحة ماء البقر (بول) ووصفه لهذا المشهد الذي لا ينسى وكيف تحول بعد استعادته له إلى مجرد إسطبل فارغ من الحياة ولا روائح تصدر منه، والصورة لديه لا تكتمل إلا بدخول وانخراط النباتات وهي تغطي جدران المكان (القصر) وشرفاته والأسقف المهترئة وأبواب هذه الأكواخ المنعدمة الحياة.

“استطعت أن أقرأ قصتي الأولى مطبوعة بحروف المطبعة وبرسوم هيرنان ميرنو (الرسام الرسمي للصحيفة)، قرأتها مختبئًا في غرفتي، وبقلب يدق بعنفٌ وفي نفس واحد، كنت أكتشف في كل سطر سلطة الحرف المطبوع المدمرة، فما بنيته بكل الحب والألم كسخرية قانعة لعبقري عالمي، اكتشفت أنها مونولوج معقد وهش، يعتمد على ثلاث أو أربع جمل مسلية. انتظرت عشرين عامًا لأتجرأ على قراءتها للمرة الثانية” (من الفصل الخامس – عشت لأروي – غابريل غارسيا ماركيز).

 

الصورة التخيلية عن كتابة قصة ما أو ما ينتج عن محاكاة مشهد ما كان واقعيًا وقويًا، هي أن هذا المشهد حين يخرج بعباءته من الذهنية للكاتب (طبعًا بعد رؤيته وتخزينه جيدًا داخل قماقم الذاكرة)، لا تنتعله الكلمات بمعنى أنها ترتديه وإنما يقوم الكاتب باستلاف بعض الأحرف الذاتية من عمق عقليته الحالمة بذاك المشهد، أو من حقائب مخبوءة بداخله وقد لا يعلم أصلًا بوجودها داخله، أو من بين ثنايا فضائله فلا يتوقف ولا يتباطأ في معالجتها بالسرعة ذاتها التي قامت ذاكرته بتسجيل المشهد من قبل ساعة وقوعه أو لحظة مشاهدته له، حينها لا يكون الكاتب قد امتهن التصوير وإنما قد شارك في فعل اللحظة لهذا المشهد كجزء حي ولا ينفصل ولا يتجزأ عنه.

ذهنية الكاتب تجيد تصوير الأشياء الواقعة من حولها، والكتاب بوعيه الباطني يتمسك بمحاولاته المستميتة في تصويرها خارجيًا على بقاع سطوره وسريان أحباره حين يكتب عنها، الذهنية الحقة ككيان مبدع نشط ومغامر لا تفصل الأحداث عن الأشياء (الفرق أن الثانية هي سببًا هامًا في وقوع الأولى)، والكاتب حين يكتب لا ينقل إلا ما يراه مناسبًا أو مطابقًا لذلك المشهد، فقد يكون النص المكتوب خالدًا ولا يتكرر ولا يتشابه في تركيبته، لكن النص الوصفي الداخلي لذهن الكاتب هو العدسة التي التقطت جميع تفاصيل المشهد الحقيقي وهو المكتوب ولو لمرة واحدة وعن صورة واحدة، وحينها فإن الكاتب قد يستهلك مجمل طاقته الإبداعية في خلق هذا البعد غير المرئي في تخيلاته لذاك المشهد لينقله إلى كلماته وحروفه ومفرداته، وهو غلبة على علة وتعب على تمدد وعناءٌ يأتي بعده رهقٌ وتصالبٌ متكدس، قد يفشل نصه المكتوب ولا يتوقف وقد ينجح في تصوير المشهد بالنص القادم وبالوصف المطلوب، وهو ما يتقنه و ينقله بلا مستحقات ذهنية حتى بذهنيته المتعبة الصامتة إلى فراغ الأوراق والسطور العطشى والجائعة لقلمه وسرعة تدفق حبره.

خاتمة وإشارة ما عن ما سبق….

لم أخض في بحر ماركيز إلا إعجابًا وحبًا لعطائه وتفانيه وإخلاصه لما يؤمن به وظل يدافع عنه حتى لحظة رحيله. هي إضاءة متواضعة عن كاتب عملاق وفذ.

عن محمد حامد محمد

mm
كاتب من السودان

4 تعليقات

  1. Great new watch Guide Presents Approach To Dominate The watch Scene

  2. This blog is obviously awesome and besides informative. I have discovered a bunch of helpful tips out of it. I’d love to go back over and over again. Thanks!

  3. Its like you read my mind! You appear to know so much about this, like you wrote the book in it or something. I think that you can do with some pics to drive the message home a bit, but instead of that, this is great blog. A great read. I will definitely be back.

  4. I’m not sure where you’re getting your info, but great topic. I needs to spend some time learning more or understanding more. Thanks for great information I was looking for this info for my mission.

أضف تعليقاً