الرئيسية / احدث التدوينات / رأيت ندوباً على جسد رياحك (2)

رأيت ندوباً على جسد رياحك (2)

دهب

مسألةُ الجبلِ

      كيف أكتبك؛ كيف أنشدك؛ بل كيف أشدو بك! في هذا المساء المعبأ بالرهق، والامنيات الشفيفة، فالسماء بدلت جلدها الداكن منذ أن رحلت مزنك، والليل أبيّض من فرط السهاد، ليترك المجال براحاً للظى الأرق الذي شوى المحاجر والقلوب، ففي ذات الشوارع التي رتقنا جاداتها بالخطى تشتت خطوات العساكر/ الملايش/ المرابين الملاعين بشهادة سيدنا المسيح، تمددت تلك الخطى اللعينة بينما أنت تتقرفص داخل زنزانة رطبة، يا للفساء!

      بالأمس قبضت شيئاً مما تبقى من حتل الذكريات، كانت لحظة دافئة بمقياس بؤس الحرمان والزنازين المخفية. عندما برز فجأة تجهم وجهك من تحت شجرة النيم الراسخة في انقاض قشلاق سجون المقرن، في ذلك الجزء الأسخن من ظهيرة يوم الأحد الكئيبة، والخالة مريم كأنها تجاري صهد الشمس بلهب موقدها الصغير عندما تحثه على الاشتعال بـ”هبابة” سعف جميلة، لم تكن تلك اللحظة تحوي شيئاً مهماً يشفع لها عند الخلود، ولكن هو جحيم غيابك المستعر الذي يمنح كل لحظة مما مضى من مجالس بريق جاذب، حتى وإن كانت مثل هذه الذكرى الماسخة.

      سعاد – كعادتها – تتحدث على الموبايل، وعلي أبو جلحة منهمك في تنظيف جلباب الحركة الإسلامية المهترئ من دنس الدكتاتور، بينما أنت تتحدث عن ثورة وشيكة تكاد تعصف بسياج السجن الكبير، أذكر أنك استشهدت بأبيات شعر مغمورة، أوردها محمد نقد الله في مرافعته عن النعمة بت ود الفكي، بذات التجهم توقفت عندما وصلت مبتغاك: “يا نعمة الوطن ضيق كما الزنزانة.” ثم استقرت صينية القهوة بكامل زنجبيلها أمامنا.

      لم ينسدل ستار تلك الذكرى الدافئة – بمقياس بؤس الحرمان والزنازين المخفية – ولكني ترجلت عندما أحسست بضيق المفارقة. فحتى في ذلك الوطن الضيق استطاعوا إيجاد مضيق لعزلك. تركت اجترار الذكريات وغصت في متاهات غيابك، في “غلوتية” وجودك، في الجبل الذي خطفك، في عسكره وشوارع الشتاء الخالية حولي متسائلاً: “لِمَ لا تغيب كل هذه المتاهات وتحضر أنت، بسيطاً مهيباً مرقعاً بالعيوب والحكايات! ربما حينها يكف الخرابُ عن سرقة احلامنا.”

     ها هي الامنيات يا صديقي مرة أخرى تحتل المشهد، فعندما يعجز العقل عن مطاردة جنادب المنطق المتغلغلة في جحور الواقع، يركب سراب التمني “الرقراق” كحيلة لمراوغة فاشلة، تمنيت حيث لا يفيد التمني أن تكون معنا بالأمس عندما كنت والصديق محمود ود الزاكي “نَشُرْ” على حبل الماسنجر ثياب الأنس وطواقي الضحكات الجافة، أن تشاركنا محنة الطرفة المضحكة -المبكية في ذات الوقت – والتي لازالت أحداثها طازجة بشوارع ضاحية “رهيد ضُرين” نيالا؛ بعد أن فقد ضُرين رهده، ليفقد الرهد ماءه بعد جائحة انتنوف المحرقة، ولكن ما علينا، يقول ود الزاكي إن احدهم بعد أن عاد محملاً بريالات العمالة والارتزاق من اليمن البئيس، أقام مأدبة رغيدة، ودعا لها الجماهير بجميع فئاتهم، وكان طقس غسل الايادي عجيباً؛ حيث أعد مغسلة خاصة بأعيان الحي وشيوخه، فيها يغسل المرء يده وبعد أن “يقش قدومه” يناوله المضيف الواقف بكامل هندامه خمسين جنيهاً. بعدها خرج امام المسجد على الناس في خطبة الجمعة صائحاَ: “يا ناس اولادكم ودوهم الدعم عشان كلنا نندعم.” “شفت يا فردة إبليسنا وصل لي وين!” على كلٍ سيبك من دين إبليسنا؛ لنرتل الآن:

وبينما يغيب الآتي في شِفاه اللحظةِ اللدنة،

تغيب المتاهاتُ في المتاهاتِ.

حين يلف الخرابُ جنائن الأودية الهشة برُدنِ عباءته؛

تتطاير دعابات أطفالها مع صيحات الوغى.

قبيل هبوط قذيفة الـ أر بي جي على خاصرة القرية بحريقٍ.

تنز البشاعة من منديل الوجوه المتحرّقة.

ينز الموت الصافي

يترقرق؛

كما يترقرق شعاعٍ مهزومٍ من ضحى المكيدة.

إذ لا يبين للغيب وجهٌ.

في خضم التزاحم الوجل؛

داخل مرجل الأحداث،

هُنا تَرَوِيّ السلامة؛

حيث حصن المدينة.

حيث الخيال.

هُنا الفضيحة،

ولا غرو؛

مقر مهرجان الذعر؛

والليالي الخائفة من تكة عابرة لزناد متخم بالرصاص،

خائفةٌ من هشاشة الرمال.

      “يا للحبس يا جبل؛ يا منفى من لم يبع أحداً؛ يا وتد الأرض المائل، غُصْ في جمر قلبك، مُدَّ المعاولَ؛ أصابعَ ديناميت ووطاويط العماء السرمديَّة وسعال الرِّئة المثقوبة بضغط الأكسيد؛ عروقُك الماسِّية وفحم حجرك الذي يتَفَتَّت بخاراً وقضبانَ حديد تَهُزُّ التاريخَ المثقوبَ، وتنسجُ خرطَ الجغرافيا الغبيَّة. تَمَايَلِ الآنَ وانفلِقْ أخدوداً ليَمُرَّ موسى من جديد، ويثقبَ السامريُّ بطنَ الفُلْكِ وينتزعُ روحَ الغريبِ؛ اندَكّ يا جبل حتى ينصعقَ الكليمُ ويخرُّ مؤمناً. تمايل الآن كي يتجشَّأَ الحوتُ عنبرَهُ، ويحلِّقَ الهدهدُ حزيناً على ساقيّ الملكة. يا جبلَ الأطيارِ الإلهيَّةِ، انحَتْ آلهتَكَ الحَجَرَّمْلِيَّةَ، وشكَّل من حديدِك الصدئ فأسَ مأتمهم الأخير، رتِّب درجك المثلومَ ووَسِّدْ عليه النبوَّةَ حتى تتقافز خرافُكَ الشهيدةُ جَذْلَى بمطاردة فَرَاشَات الجِّنان؛ يا جبل: سااااااااااارية، يا جبل على خاصرتك تنمضغ أكباد؛ تنهزم ملائكة ويتمدَّدُ شيطان، على سفحك الرملي تنغرس رماح وتتكسَّر سهام، فمُدَّ الدِّرْعَ يا جبل؛ درعَكَ الثلجيَّ المطعَّمَ بنيرانِ كسرى وياقوتاتِ قيصر القتيل. يا جبل؛ بأحشائك النَّارُ، فَقَلِّبْ وَدَّانَ الكَوْنِيِّ على جمرِها، وقَدِّمْه عشاءً لنيامِ كهفك الجوعى، سُرَاةِ الدنانير الآبِقَةِ وحُرَّاسِ الأزل. يا جبل، رِيقُكَ عسلُ المليكات السماوية، عَرَقُكَ ترياقُ المفاصل الذائبة، ورِيحُكَ عِطْرُ فردوسٍ. فَضُمَّ ديانا ولا تبعث ديدانَ أديمك الدَّبِقِ، ولا ثعابينَ نارك الأبدية، ولا كنيفَك الفائر؛ ضُمَّها فقط، يا جبل.” (*)

أما بعد:

     أيها الجبل؛ يا ذي الكينونة الواحدة، يا عديد العناصر، أنتِ أيتها الأشجار الكبيرة والشجيرات، الأحجار، الحصى، الرمل الملبد في احشاء الطوب، الحشائش الجحور، الفئران والثعابين، يا كل الجبل، هل من أحد يقوى على كشف حجاب المشهد، هل من جسور يطلعنا على ما كان وراء جثتك أيها الجبل العتيق؟ هل كنت في كامل وعيك عندما حدثت المهزلة؟ أعني هل كانت جنادبك تصر، أشجارك تحف، وطيورك تزغزغ، عندما مر الأسد الهصور من على جنبك الايسر، أو قل الأيمن، لا يهم، فإن ما يهم هو دلوك، أنطق ايها الحجر الجامع، فغيابه يحتاج لمعجزة تليق بك، هجرانه أقسى من جزعك يا طودي العتيد، فجعته مهلكة أيها الطور البعيد، فلتخبر ولو عن رياحه، رياح حسن فضل الله تلك المنسية في أقدارها، الذابلة بين طيات تقارير صلاح قوش “المضروبة”، لقد طال حبسها ياصديقي. لقد حان هياجها.

على جنبه الأيسر يتكئ حسن، ينام فيحلم بمدن غارقة في أحلام العدالة، مشبعة بالحرية وأغنيات أبو العركي البخيت، مدن بهيجة، متطاولة في الأخلاق لا البنايات. إنها المدن المستحيلة يا طودي الصامت، المدن التي لم تُخلق بعد، وسوف لن تُخلق في عصر بتفاهة عصور بلادنا الراهنة. إذاً كان حسن يهزئ يا جبل، لم يكن دقيقاً في حلمه مثل “كمرد” محمد بوش، فالأحلام لا تتحمل الشطح، وحده الفيس بوك هو ما يستطيع ذلك، لذلك ظل ود بوش يكتب احلامه على صفحات الفيس ولا يحصد شيئاً غير اللايكات، خمس سنيناً هزلى من التدوين الصادق، بلا كلل أو حتى بوادر ملل، ترى متى سيمل محمد بوش من الحلم بالسير على الصراط المستقيم! كلا؛ ما مل من سار على خطى دكتور جون. ثم عَمَّ ترانا ننقب وراءك أيها الجبل، نسألك، ونستجوب حشائشك والشجيرات، نسأل الكل، كل شيء له ضمير لم يصل مرحلة ضمائر عسكر السفاح أو ملايشه الهمل؟ ننقب فقط لنيقظ حسن فضل الله من أحلامه المُهلكة.

      بينما أنت – يا مهيب – سابحاً في تيار رياحك، سادر في غي أصوات ذاتك، في عزتك والتراب، تطارد صرير جنادبك الممسوسة، وتدحرج ما فاض من الحصى، تُرى هل يمكننا اعتبار كل هذا الصمت تروي في الاجابة؟

“انا شايف لي حمامة بتتحاوت بالتُكل

بتحجج بالعطش لامن دخلت الضل

بجيب ليكوا أمثالها كِنْ بتلزموا الصبر

نحايل المادي ريح قاطعي صباح بلبل

***

الضراع الما حماها اريته بالعُضر

والمهر الما سلاها اريته بالبُرُل

امانة يا مياقنة ما ضيعت عمر”

      لا زال ود الفكي يسجع معلناً امكانية العيش بسلام في هذه الأرض الجريحة، صوته قوي مثلما تركته على شريط الكاست ياصديقي، فقط كل ما حدث هو أنه ترقى قليلاً ليصل إلى أحشاء “الايفون” الثمينة.

     قبل أسبوعين كنت في حضرة إدريس عسولة، أنفقنا ساعتين في الورق ومطاردة حمائم ود الفكي النافرة أبداً، وكأن تربص اساطين راس المال بنا لم يكن؛ ماهي نار الغابة إلا تكتلها الحريقة؛ بعدها ذكرناك، زعم عسولة بأنه رءاك والسهاد المشبع بالأرق ينخر خاصرة فكرك، يتسلقه مثل نبتة قرع سمجة، مثل شبح لجوج أستطاع شراء ذمة الظلام، ثم ذكر أدريس بأنك كلمته، ألقيت عليه كلمتك، بريق طلتك، والحنين إلى صوت أبو العركي، بعدها زفر دخان سجائره بقوة وصرّح: “هي حاجات حسن دي كمان بتقدر عليها الحراسات.” ثم ذكر فيض من أشياءك الخاصة، مخلاتك الذاتية المعبأة بالحاجات السمحة، حبك، عطفك وحنانك الطاغي الذي ما أصبح يوماً سهل المنال كسنبلة دخن مهملة وسط جلبة طيور الدرت، فرأيت على جبينه شموخ وجهك الشاحب.

     أعلم أن الذي بينك وبين العابرين خيط رقيق، خط فاصل، خيط دقيق مثل ذلك الذي يفصل الملايين من الجوعى واهل القبور ولكن قلبك، فكرك، همومك وهيامك، في تمام الحفظ ما فاز جلاد منخوب بشيء منها، منذ أن عاهدت العابرين الذين تخطفتهم بنادق الغزاة وهوج الانتنوف، منذ أن آمنت بحقوق الهالكين بين أرجل الخيول ولهيب نيران القطاطي وتعهدت بردها كاملة دون نقص، ولأنك من الذين لن يفقدهم أحد – وإليهم -؛ ظللت ادهماً هكذا في زمن يحترق فيه الناس كالفراشات، من أجل بريق الملذات، أتفهم مبدأك فـ”لأنك عاهدتهم لن تخسر الرهان لمجرد ارتعاد جلاد رخيص!” هنيئاً لرياحك المندوبة وهي تصعد للعلا وتهبط دون رجم أو صد، تخبر الفائزين في رغائد رحمته بتلهفك، غير عابئةً بمسائل الجبال.

__________________________

(*) جبل – منصور الصويم : المصدر صفحة (موقاي) بالفيسبوك

عن دهب تلبو

mm
قاص وشاعر من السودان