ربما (01)

557497_01270996460

تغريد علي :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

الليل لا يغير عادته ، هو طويل دائماً فقط نحن نفقد الصبر أحياناً ، أو نستأنس به فينقضي سريعاً كما كل شيء جميل .

الوضع مختلف بالنسبة ل (جين) ذات السبعة عشر ربيعاً ، مسألة الوقت لها تقديرات مختلفة حين تكون وحدك ، في محطة خالية إلا من الشحاذين و المتشردين و المخمورين ، و حين يكون موظف الأمن البدين يغط في نوم عميق .

يمر الوقت بصعوبة بالنسبة لفتاة وحيدة هاربة من جريمة قتل ، تحكم شد معطفها حول جسدها النحيل لشدة البرد .. بانتظار قطار الفجر ، ليقلها حيث تقطن عمتها (التي لا تحب جين كثيراً) في إحدى المدن الصغيرة في الجوار !

أسنانها البيضاء تصطك من البرد ، و عقلها الصغير يرتجف من هول ما حدث ، تعبث الريح بخصلات شعرها السوداء ، و ضوء القمر الباهت يسدل على وجهها ظلال رمادية تزيده شحوباً .

هل رأى أحد سكان البلدة ما حدث ؟؟

هل سيمسك بها رجال البوليس و شريف البلدة و يقدمونها للمحاكمة !!

هل ستشنق علناً عند الصباح الباكر أمام الأهالي في باحة البلدة الرئيسية ؟

أم سيطلقون على جسدها عشر رصاصات ليتأكدوا من موتها ؟

أو على أفضل تقدير ستشيخ و تموت في حجرة عفنة تسكنها الجرذان في أحد السجون الرهيبة !!

كاد رأسها ينفجر ، فوضعت كلتا يديها عليه بحركة لا إرادية كي تثبته .إقتربت منها سيدة عجوز ، جعلها الجوع و الفقر بملامح قبيحة و مخيفة ، سألتها بصوت مبحوح :

لماذا أنت وحدك يا صغيرتي ؟

نظرت إليها جين بفزع منكمشة على نفسها دون أن تجيب .أضافت العجوز :

إذن هل لديك ما آكله ؟

إستمرت جين في صمتها ، مما جعل الأخرى تقول :

نحن في هذا المكان نشقى ولا نموت أبدآ .. نشقى ولا نموت أبدآ ..

ظلت الريح تجلب فحيح همسها من بعيد ، و هي تبتعد و تبتعد إلى أن أصبحت ذهبية بالكامل حتى شعراتها الفضية القليلة توهجت تحت عمود الإنارة للحظات ثم اختفت في بقعة دامسة .

الوقت يمر ببطء … عبرتها مجموعة من الكلاب الضالة ، كأنها لم تلمح وجودها أصلاً ، رفع أحدها قدمه اليمنى و تبول قرب مقعدها قبل أن يلحق بالبقية و يختفوا حيث إختفت العجوز !

كانت جين قد إرتدت معطفها و إلتقطت الفكة التي كانت بحوزة “زوج أمها” أو “العم مارك” كما تناديه ، تاركة الباب مفتوحاً على مصراعيه ، بينما أمها”السيدة كاثرين” و “العم مارك” مضرجين بالدماء على أرضية البهو الصغير .

هربت بعد أن تأكدت بأن أمها قد فارقت الحياة ، فقد وضعت أذنها على صدرها ، و هذا ما لم تجرؤ على فعله لمارك .. !

كان بشعاً تفوح منه نتانة النبيذ الرديء الذي يتناوله كالعادة في الحانة الرخيصة التي توجد في نهاية زقاق ما ، من أزقة المدينة التي تحيط بمنزلهم .

منزلهم الذي تعود ملكيته لوالدها المتوفى منذ سنوات نتيجة “علة بالقلب” ، فوهبه في وصيته لكاثرين كي تحتضن الصغيرة جين فيه .

و الذي لم يتوان “مارك المقامر” على دفع كاثرين لتوقيع ورقة تفضي بتنازلها عن المنزل لصالحه ، تحت التهديد و الضرب المبرح كي يرهنه للمقامرة به ، بعد أن نفدت جميع أملاكه بسبب خسارتها في رهانات قمار خاسرة .

كان مارك مرعباً حتى في موته و الخنجر بيده عليه آثار دماء”كاثرين المسكينة”،هربت جين دون أن تدري أمات مارك أم فقد وعيه فقط ؟

كان من الشائك أن تسرد هذه الأحداث لعمتها “لويز” ، كانت لويز غاضبة كل هذا الوقت بسبب زواج كاثرين من مارك بعد ثلاث سنوات “”فقط””  من وفاة شقيقها “بيل” ما عنى لها أن كاثرين نسته و تنكرت لحبه و ذكراه ، لذا قاطعت “لويز” “كاثرين” كل هذه السنوات و كانت تنعتها دائماً (بالخائنة) !

كانت الشمس البعيدة تتثاءب و تشد أصابع أشعتها في كسل شديد ، فبدأت الأرض تتلون بين البنفسجي الهادئ و الأحمر المتمرد ، دون أن تضيف شيئاً بخصوص البرودة .

لمحت “جين” كل هذا بعين متعبة ، فكرت في سرها أنها منذ زمن لم تشهد صباحاً كهذا ، مذ منعها مارك من الذهاب للمدرسة ، كان سيبدو إحساسها بهذا الصباح رائعاً لولا الكوارث المجهولة التي تختبئ فيه .

كانت لا تقوى على البكاء من شدة رعبها ، كما لم تقو على الابتسام ، حين ارتفع بخار القطار من بعيد ليمتزج بذاك اللون الوردي ، كأنه قطار الأحلام الذي سيقلها لبر الأمان ..

لم تنتبه مع شرودها لتوافد بعض العمال و موظفي السكة حديد و منظفي المداخن و المعلمات و بائعي الحلوى .. ليكتظ المكان نسبياً بهم ، أغلبهم متوجهون لأعمالهم ، وحدها “الهاربة” على الأرجح أو فلنقل على وجه التأكيد !!

ابتاعت تذكرة بحذر و هي تظن أن الجميع يقرؤون أفكارها ، أو يشتمون رائحة الموت التي تفوح من يديها .

اتخذت مقعد بجوار النافذة و أطبقت جفنيها لتغفو قليلاً ، بدأت صفوف الأشجار الباسقة كأنها وحدة جنود المشاة ، تركض خلف نافذتها .. بعدها بدت بعض المروج الخضراء و الأبقار و المزارع الصغيرة ، مصانع الجبن و الزبدة المتواضعة تلوح من بعيد بوداعة تامة ..

كانت نائمة و لم تر كل هذا ، كانت مشغولة البال .. تفكر بأن الأماكن هي المسافرة  .. هي الهاربة منها ، بينما هي محتجزة هناك مع الدماء و الأرواح التي ما زالت عالقة (تصفي حساباتها) قبل أن تصعد للسماء، حيث المصباح المكسور كما قلبها  مهشمان جنباً إلى  جنب مع الحقيقة !!

عن تغريد علي

mm
كاتبة من السودان

أضف تعليقاً