ربما (02)

557497_01270996460

تغريد علي :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا

**

طبعت قبلة على جبين صغيرها “توني” ذو الأعوام الثلاث ، بعد أن تأكدت من أنه غرق في نوم عميق ، قامت بتغطيته جيداً ، إنها إحدى ليالي “كانون الثاني” .. حبات الثلج تتساقط بنعومة خارج النافذة ، ألقت نظرة للطريق الذي يخلو تقريباً من المارة .. أطفأت المصباح و أوصدت الباب بهدوء خلفها .

كان “كارل” منحنياً ليحرك بعض الأعواد في المدفأة ، بينما صديقه “ثوماس” يسكب المزيد من القهوة ولا يزال يثرثر بلا إنقطاع .، جلست بهدوء مبتسمة و هي ترمق زوجها بإعجاب ، فقد كان دائماً ذا صدر واسع ، دمث الأخلاق  ، و ينصت باهتمام ..

إنه “رجل نبيل” ..اعتدل لينضم إلى الجلوس بجانبها و هو يتناول بعض “الكوكيز” الذي صنعته “جين” هامساً لها بأنه لذيذ جداً .

ثوماس دائم القلق ، و عقله مثقل بالكثير من المشكلات.. و التي غالباً ما تكون من نسج أوهامه !، فقد تجاوز الأربعين دون أن يحظى بزوجة و أبناء ، كانت جميعها تجارب فاشلة جعلته يتنكر للحب ، و يفقد إيمانه بوجوده ، أحياناً يثقل في الشرب فيفقد صوابه و ينعتهن جملة” (بالساقطات) .. لكنه يتراجع عندما ينظر إلى “كارل” و “جين” فيقول بصوت مبتهج : أنتما هنا .. أمامي و لستما خرافة .. إذن هناك حب …فيضحك ثلاثتهم ..

كانت الساعة تشير إلى العاشرة حينما قرر ثوماس المغادرة فعانق صديقه و طبع قبلة على خد جين قبل أن يتمنى لهما أمسية سعيدة و ينصرف ، ليخرج و يسير وحيداً تحت الثلج ، وضع كارل يده على كتف جين و ضمها إليه قليلاً قبل أن يتوجها إلى المطبخ ،ليساعدها في غسل آنية القهوة .. أعادا كل شيء إلي مكانه ، أطفأ كارل المصابيح و لحق ب جين في غرفة نومهما .. همس لها : ج..ي..ن لكنها لم تجب ، كانت قد غرقت في النوم فور وضعت رأسها على الوسادة ، فقد لاقت يوماً مجهداً بحق !، أزاح بعض الخصلات عن وجهها ، طبع قبلة صغيرة على خدها ، و همس مجدداً: نامي يا فاتنتي الصغيرة ..شد الغطاء على جسدها ، ثم أطفأ المصباح الصغير .. إحتضنها و نام .

في ذاك الفجر ..عندما كانت جين بصدد زيارة عمتها “لويز” كي تختبئ أو تحتمي عندها، غفت في القطار من شدة الرهق ، و راودتها كل الخيالات المرعبة و التي كانت كفيلة بأن تجعلها تستيقظ مفزوعة ، لتدرك أنها قد بلغت العاصمة ، كل الظروف جعلتها بأي حال تغير من خطتها و وجهتها ، فالبوليس سيبحث بلا شك عنها عند أقاربها ، و لن تساعدها العمة لويز عندئذ فهي تضمر الكره لأمها ، و تشملها بالكراهية من باب الضمنة لا أكثر .

كانت (لندن) تعج بالكثير من النازحين من الأرياف و الضواحي ، بغية الحصول على وظائف في المصانع التي ازدهرت في بدايات القرن التاسع عشر ، و جين من المحظوظات اللواتي حصلن على وظائف صغيرة في مصنع النسيج ، و قد حالفها الحظ أكثر إذ وجدت سكن في إحدى الأديرة التابعة للكنيسة الكاثوليكية ، بعد أن تحدثت مع الأم “ماريا” بذاك الخصوص و التي تعاطفت بشكل كبير مع قصتها ، واعدةً إياها و مقسمة بالرب أن تحفظ سرها .

كانت جين قد بدأت فعلاً تتعلم العمل و تستطيع توفير بعض المال بغية أن تستأنف دراستها ،التحقت بصفوف المساء بأحد المدارس التابعة للكنيسة ، و كانت تعود لغرفتها فتنكفئ على دراستها ، و تحرص على النوم باكراً كي تستيقظ في الموعد المحدد للعمل ، تسرب الخوف من نفسها شيئاً فشيئاً عندما إنقضى العام الأول على وقوع تلك الحادثة ، وفكرت بأنها لن تدخل السجن بعد الآن..

أدركت بعد أن تخطت خوفها ، بأن القانون لن يدينها في قتل “العم مارك” ، فقد قتل مارك والدتها بالسكين الحاد بعد أن ضبطته يتحرش ب جين بوحشية أثناء تغيبها في العمل !، حاولت “كاثرين” إنقاذ إبنتها و لكن مارك باغتها بطعنة في صدرها أردتها قتيلة ، لم تجد جين أمامها سوى المصباح الذي سددت به ضربة قوية في رأس مارك ، ترنح إثرها قليلاً و سقط مغشياً عليه غارقاً في دمه .

هربت جين يومها إلى المجهول ..فاستقبلتها السعادة بالأحضان ، رغم بشاعة ما حدث ، فقد صارت إنسانة أفضل … أقوى …وأجمل .. ناضلت لأجل مستقبل جميل يغطي قبح الماضي .

في إحدى الصباحات المشرقة ، و بينما كانت منهمكة في العمل ..اقترب منها المشرف على “وحدة العمل” و قال لها مبتسماً : تبلين جيداً، رفعت رأسها ببطء و هي ترد بصوت خفيض : أنا أبذل قصار ما بوسعي .

هذا جيد .. قالها و انصرف ..

كانت آنذاك في التاسعة عشر من عمرها ، بينما كان هو شاب فارع الطول يبدو في السادسة و العشرين من عمره ، ذو عينين بلون القهوة و شعر يميل الذهبي فيه إلى الدرجة الرمادية اللامعة ، بشرته برونزية و فكه مستقيم ، ملامحه جادة بعض الشيء لكن بها لمسة رقيقة تفضي إلى حقيقته الطيبة و حسن معشره ، كانت لسبب ما تظن أنها رأته من قبل في مكان ما أشكل عليها تذكره .

بعد عدة أشهر ، عندما تقدم لخطبتها من الأم ماريا ، كان عليها أن تروي له قصتها كاملة ، و كم كان صبوراً و متفهماً .. ربما هذا ما جعلها تفتن به أكثر ، فقد كان أكثر من الرجل الذي تمنته يوماً في خيالاتها البعيدة ، وعدها بأن يتقصى من الأمر عن البعد ، دون أن يثير ريبة أحد من سكان بلدتها ، أو يثير الشكوك ..طلبت منه ألا يفعل ، فلم يتحدثا أبداً عن الأمر ..

الجو رائع و معتدل .. إنه مارس شهر الربيع و السعادة و الحب،كان توني الصغير يتعلم المزيد من الكلمات و يكبر كل يوم ما أدخل ذاك السعادة في قلب أمه ، كلاهما على الأرض يلعبان سوياً، حين فتح كارل الباب و دلف إلى المنزل منادياً جين : حبيبتي .. هناك ضيف بصحبتي عليك مقابلته .

حملت جين صغيرها على كتفها و قالت : أنا هنا عزيزي .. مرحباً بعودتك و أهلاً بالضيف .

دخل كارل تتقدمه سيدة في نهاية الخمسين تبدو بصحة لا بأس بها ، ما أن رأت جين حتى أجهشت بالبكاء .. نظرت جين إلى المرأة بذهول و صرخت : لا يمكن هذا .. هذا لا يصدق و تراجعت للخلف مذعورة ، فتقدم منها كارل و حمل الصغير بين يديه و ضم جين إليه يقبل جبينها و شعرها .. أحببت أن أفاجئك مفاجأة سارة لا أن أخيفك حبيبتي .. كل شيء بخير .. كل شيء بخير.

صمتت كاثرين لبرهة قبل أن تقول : أووه جين أنظري لنفسك ، لقد صرتي باذخة الجمال ، و هذا الصغير كأنه ملاك ما أروعه !!، اقتربت كاثرين من ابنتها فاردة ذراعيها .. فركضت جين كطفلة و احتضنت والدتها و هي تبكي من هول المفاجأة .. من فرط السعادة تعانقتا طويلاً ، قبلتا بعض في كل مكان بوجهيهما، جلستا ملتصقتين في الأريكة ،فوضع كارل الطفل في حضن جدته التي أخذت تحتضنه و تقبله و هو ينظر إليها بفضول بريء .

بدأ كارل يسرد لجين كيف بدأ يبحث عن قضيتها ، حيث تبين له أن الجيران تمكنوا من إنقاذ كاثرين ، و كان مارك قد فارق الحياة بالفعل ،و عندما علمت الشرطة بالجريمة و بدأت بالتحري عن الأمر ، صرت أنت “ضحية مفقودة” و لست “جانية” .. تم البحث عنك عند كل الأقارب المحتملين ، لكن أحداً لم يعثر عليك ، أمضت والدتك في البحث عنك سنوات لكنها يئست من العثور عليك ، إلى أن عرفت أنا بالأمر فأخبرتها بسرية تامة عن مكانك و دبرت لك هذه المفاجأة .

نهضت جين و عانقت زوجها تبكي على كتفه ، قالت بأن هذه السعادة أكبر من احتمالها ،أخذ يمسح دمعها بيديه و ثبت وجهها بين راحتيه و نظر إلى عينيها متسائلاً :أما زلت تصرين أنك رأيتني من قبل ؟

أجابت : نعم

ولا زلت أيضاً لا تعرفين أين ..أجابت بعد برهة حيرة : لا

إبتسم كارل و قال : تذكرين حين كنت غافية في القطار ؟و صحوت فزعة لتجدي أنك كنت تنامين على كتف رجل !

صرخت جين : هل كان أنت ؟؟

فأجاب بمكر : ربما !

فاستدركت جين قائلة : لم يكن أنت ، لقد كان رجلاً عجوزاً ..

أجاب كارل ضاحكاً : أعلم

أنا الرجل الذي ظل يراقبك طوال الطريق في المقعد المقابل ، و يحسد هذا العجوز بينما أنت نائمة !

عن تغريد علي

mm
كاتبة من السودان

أضف تعليقاً