الرئيسية / العدد الحادي عشر / روبين وليامز وداعا… Farewell Robin Williams…

روبين وليامز وداعا… Farewell Robin Williams…

the-night-listener-robin-williams-30953024-2560-1711

**
مرحبا بك أيها الموت ووداعا أيتها الحياة.
” لحظة فارقة فاصلة بين الأمل واليأس، يفقد الإنسان بعدها قدرته على الصمود وتتلاشى رغبته في الحياة واستمرارها لأن الحياة في حد ذاتها فقدت معناها ولم تعد ذات قيمة فلا جدوى من التأرجح بين اليأس والرجاء! ولا جدوى من التشبث بالأمل.فلتذهب الحياة إلى غير رجعة ولتبقى ملكا لمن يريدونها ويأملون فيها ويتمسكون بها، أما أنا فلم تعد الحياة لي ذات بال أو ذات جدوى، قضيت منها وطرا ولست راغبا منها بشيء لقد استهلكتني ولم يعد لدي ما أقدمه لها، وهي أيضا قضت مني وطرا ولم تعد راغبة في، لا تأمل مني بشئ، ولا تنتظر مني شئ فلماذا أبقى؟ ولما أحافظ على وشائج الصلة الفارغة التي تربطني بها؟ لقد انقضى الأمر وحانت لحظة الفراق؛ أو ربما لم تحن بعد! ولكنني لن أنتظر! لن أبقى تحت رحمتها منتظرا أن تعلن الحياة استغناءها عني، وزهدها بي، سأسبقها أنا سأقطع آخر ما يربطني بها، سوف اؤدي مشهد الختام، آخر مشهد في حياتي البائسة أو التي أصبحت بائسة لا يهم!! ما يهم أنها ستتنهي وفق إرادتي ورغبتي، فأنا بطل المشهد الأخير و واضع السيناريو و المخرج.

أروع مشاهدي على الإطلاق سوف أمثله عندما أضع هذا الحبل المعقود حول عنقي، سأرفع عن كاهلي انتظار لحظة النهاية التي لن تأتي إلا عندما ألقي بهذا المقعد أسقطه أرضا، وأترك عنقي متدليا فوق صدري معلنا انسحابي من الحياة التي سئمتها ومللتها حد الموت! الموت ذلك الضيف الثقيل البارد الذي يتربص بنا و يتسلل إلينا كل لحظة تمضي من حياتنا نعتقد فيها أننا كنا سعداء أو مهمين أو مشهورين، أو أن وجودنا يمثل شيئا للحياة!!

بينما هو ينتظر لحظة انقضاضه علينا وانتزاعنا من الحياة بقسوة وانتزاعنا منها واقتناصنا لنصبح بحوزته نستسلم بين براثنه، سيأخذني الموت لأنه مصيري المحتوم، ولكنني سأباغته وأسبقه بالزيارة على حين غفلة قبل أن يأتيني .. ها أنا ذا أمنحه روحي التي أتخلى عنها بكامل اختياري وبمحض رغبتي وإرادتي.. مرحبا بك أيها الموت ووداعا أيتها الحياة.“
سمحت لنفسي في لحظة تأمل عميق يشوبه حزن لم أدري له سببا، أن أتخيل اللحظة الأخيرة في حياة إنسان، قهره الإكتئاب و هزمه المرض وأودت العقاقير بما تبقى من قدرته على التفكير، حاولت أن أضع نفسي مكانه و ياليتني ما فعلت، لأنني شعرت بأسى بالغ على إنسان كان سببا في منح لحظات السعادة للبشر ، لحظات استنفذها من حياته فلم يبق له في النهاية إلا لحظة بؤس وشقاء، لحظة سودواية فقد فيها قدرته على إبصار النور والإحساس بالأمل، لحظة اختل فيها الميزان وسقطت كفته نحو الهاوية، بمثقال ريشة رجحت كفة اليأس والشك الذي أطاح بكل يقين لدى الرجل، هي سخرية ولاشك ولكنها ليست سخرية من السعادة لصالح الأسى، إنما هي سخرية من قدرة الإنسان التي يصيبها الوهن و الضعف ولكنه لا يتخيل أبدا أن قوته أوهى من خيط رفيع مشدود ينقطع بلمح البصر..
بعيدا عن الاعتبارات الأخلاقية و المعتقدات الدينية، التي تجعل البعض ينظر للأمور نظرة أحادية الجانب، ولأننا جميعا عباد الله وهو وحده المطلع على قلوبنا، اكتفيت بنظرة إنسانية خالصة لم أتوقف عن التفكير بوفاة روبين وليامز انتحارا، استغرب أن ينتحر الرجل الذي رسم البسمة على شفاه الكثيرين بسبب الاكتئاب، أن تكون نهايته بهذه الطريقة!! أهي دهشة من الإكتئاب الذي استطاع أن يهزم هذا الضاحك المضحك الذي أحبه كله من عرفه!! أتساءل كيف مات الرجل!! و أتألم لفكرة موته.. فالموت من حولنا ، لا يكف عن إطلاق يده بين البشر يحصد من أرواحهم كل لحظة ولا يتوقف لأنها سنة الحياة، والموت لها صنوان،
أتألم لأن أحفاد قابيل ما زالوا يستحلون ويستبيحون لأنفسهم أن يزهقوا أرواح إخوتهم أحفاد هابيل، أمر أصبح عاديا ومألوفا بما يثير السخرية المؤلمة والموجعة ..
لكن!
موت روبين وليامز أثار بداخلي إحساسا مختلفا بالوجع والألم والشجن، أعترف أنني بكيت ليس لأنه مات، ولكن! لأن المرض واليأس هزمه، اغتال الطفل بداخله فهرم وكبر و ماتت روحه قبل أن يموت جسده..
يا الله!!! كم نحن ضعفاء لو فقدنا أنفسنا و ضاعت منا في الحياة وغابت عنا بغير رجعة، إحباطات وألم وحسرات تصل بالإنسان لدرجة يصعب بعدها العودة، الإكتئاب يقتل رجل كان ينتزع الضحكة من قلوبنا بمنتهى البساطة، فنان أحبه الجميع لأنه ببساطة متناهية احتل مكانا في القلوب، لكنها الحياة وتصاريف القدر التي تؤثرنا بين وقت وآخر بعبرة علنا نعتبر، علنا نفهم أننا أوهى كثيرا مما نتخيل… أننا لن نبلغ الأرض أو السماء طولا و عرضا..
أما الرجل فلست أملك إلا أن أطلب له الرحمة.
رحمه الله ورحمنا جميعا مما نحن فيه..

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .

أضف تعليقاً