الرئيسية / العدد الواحد والأربعون / سالينجر حارس الحقل أم صائد المراهقات ؟

سالينجر حارس الحقل أم صائد المراهقات ؟

13428465_568755059971880_659093185663971979_n

راشد يسلم :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

• حارس الحقل :
حين تعلم أن الرجل الذي اغتال الرئيسي الأمريكي جون كينيدي كان يحمل معه الرواية ، وكذلك الذي اغتال مغني فرقة البيتلز جون لينون ، والرجل الذي أطلق النار على الرئيس الأمريكي رونالد ريغان كانا يعتبران بطل الرواية مثالهما المحتذى ، ستدرك حينها لماذا تعتبر الحارس في حقل الشوفان ضمن قائمة أفضل 100 رواية في الأدب الإنجليزي الحديث وأهم الأعمال في القرن العشرين ومن أكثر الروايات تأثيراً في المجتمع الأمريكي ، رواية جيروم ديفيد سالينجر (1919-2010) الصادرة في العام 1951 تعتبر أنجيل الغضب للشباب الأمريكي خاصة أولئك الذين عارضوا الحرب على فيتنام في الستينات حيث كانوا يرفعون لافتات تقول ” أنا هولدن كولفيلد ” وهو اسم بطل الرواية .

~
هولدن كولفيلد مراهق يطرد من مدرسة بنسي بعد سقوطه في غالب المواد ، ورغم أنها ليست المرة الأولى التي يطرد فيها من المدرسة لكنه يقرر أن تبدأ قصته من هنا والتي يرويها بضمير المتكلم عن الزيف ( الكلمة التي ترددت كثيراً بين صفحات الرواية ) في زملائه الحمقى ذوي الاهتمامات الساذجة كاستعراض مواهبهم في العلاقات العاطفية الفاشلة ، وفي المدرسين ومدير المدرسة ورجال الأعمال والفنانين والممثلين والقساوسة ، كلهم يضعون مساحيق التجميل ويحرصون على الظهور بمظهر أنيق وحضور لبق يختار أفضل الكلمات ، لقد صب هولدن نيران غضبه على الجميع حتى والديه ولم ينجو منها إلا أخته الصغيرة فيب و أخوه المتوفى صغيرا” آلى” ، إذ ينتقل السرد إلى شاعري رقيق مليء بعاطفة فياضة وذكريات مؤثرة بمجرد الحديث عنهما ، خاصة حين يتذكر مضرب البيسبول الخاص بأخيه الراحل ؛ وحدهم الأطفال من لم يتلوثوا بعدوى الزيف كما يرى هولدن ، لذلك كان حلمه أن يكون حارسا لحقل شوفان بداخله أطفال ولا أحد غيرهم يلعبون طوال اليوم بينما مهمته هو الوقوف على حافة هضبة جنونية والإمساك بهم إن حاولوا الصعود إليها ، وحين أدرك استحالة ذلك قرر أن يهرب إلى حافة المدينة لكي يمارس أي مهنة .. كعامل بنزين مثلا.. مدعيا أنه اخرس و أبكم.. حتى يوفر عليه الكلمات الزائفة التي تصدر عن الزبائن أو الجيران ، لكنه تنازل عن هذا الحلم أيضاً في النهاية لصالح اخته التي كانت تريد أن تهرب معه ( من نُحِب قادرين على إعادتنا للواقع ورضوخنا له حين يكبلونا بمحبتهم ) ، ورضي بما هو واقع …و انخرط في عداد حضارة الأرقام .
~
سالينجر يعتبر أهم الكتاب الأمريكيين بعد إرنست همنغواي وأكثرهم تأثيراً في النثر والكتابة الإبداعية رغم أنه لا يوجد لديه إلا ثلاثة مجموعات قصصية صغيرة ورواية واحدة ، لكنه نجح في عمله الأشهر خلق الشخصية المضطربة ثم بث لنا بوضوح انفعالاتها .. قلقها وسخطها الدائم ، تفاعلها مع الآخرين ، مللها السريع ، مزاجها المتقلب ، وأسئلتها التي تبدو جنونية للآخرين : ( أين يذهب البط الذي كان يعوم في البحيرة عندما تتجمد ؟! ) .
~
“الحارس في حقل الشوفان” رواية قسمت المجتمع الأمريكي بين مؤيد ورافض لها ، إذ لم يعتد القراء حتى ذلك الوقت قراءة لغة سوقية بين صفحات الرواية وكلمات مثل عاهرة وكلب ، ومع ذلك فهي مقرر دراسي في أغلب الجامعات والمدارس الثانوية الأمريكية بالرغم من كونها ضمن عشرة كتب خاضعة للمراقبة في المكتبات والتعليم في العقدين المنصرمين ، وقد كتب عنها الكثير من الأغاني وحاول الكثير محاكاتها وطريقتها الساخرة .
~
الترجمة العربية للرواية الصادرة عن دار المدى شهدت عدة أخطاء في الطباعة ، وكانت ضعيفة للغاية وهذا يعود كما وضحه المترجم غالب هلسا معتذراً لكونها مكتوبة باللغة العامية لأهل نيويورك وعلى لسان صبي أقرب إلى الأطفال في تعبيره .
~
• صائد المراهقات :
يعد ج . د سالينجر أحد أهم الكتاب إثارة للدهشة وذلك ليس بسبب منتوجه الأدبي الذي لا يتجاوز الرواية الواحدة وبضعة قصص ، رغم النجاح الساحق الذي حققته روايته ، ولكن بسبب العزلة التي فرضها على نفسه وهو في قمة مجده الأدبي مقاطعاً الحياة والمجتمع والناس لأكثر من خمسين عاماً متوقِّفاً عن النشر والظهور في أي محفلٍ أدبي أو اجتماعي، ومكتفياً بالتواصل مع ابنه وابنته وعدد محدود من المعارف ، هذا الحرص على حماية خصوصيته دفعه لخوض معارك قضائية منها ما كان مع كاتب سيرته إيان هاميلتونعلي حيث أجبره على إعادة كتابتها من جديد لأنه تطرق إلى علاقاته العاطفية ، كما أنه تسبّب أيضاً في إصدار قرار بمنع نشر رواية وتوزيعها، لكاتب سويسري حاول أن يكتب جزءاً ثانياً لروايته.
إذاً .. حتى وفاته في 2010 هل بإمكاننا أن نقول أن جيروم ديفيد سالينجر نجح في أن يعيش حياته بتلك الطريقة التي تمناها لبطل روايته هولدن كولفيلد كحارس للحقل معتزلاً حياة الزيف التي يعيشها المجتمع ؟!
~
ليس تماماً ..
فبعد وفاة سالينجر فوجئ محبّوه ونقّاده بانتشار صورة مختلفة تماماً عن كونه الزاهد المتعفف عن مباهج الحياة ، رغم أن هذه الصورة كان يتم الإشارة لها على استحياء ، وكان يهاجم كل من يشير إليها ، لكن هذه المرة اتسع الرتق على الراتق ، فمثلاً : سالينجر لم يعتزل الكتابة -كما كان عشاقه يظنون- فقد اتَّضح أنه كان يكتب كل يوم تقريباً، وأنه لم يعتزل سوى النشر فقط، حيث كان حريصاً على ألا يخرج أي شيء يكتبه إلى النور أبداً.
أما ما خرج إلى النور فقد كان أسرار حياته الخاصة من خلال كتاب وفيلم يحكي فيهما الكاتب ديفيد شيلدز والمخرج شين ساليرنو، أدقّ تفاصيل حياة سالينجر الخاصة، وعلى رأسها ولعه الشديد بالفتيات المراهقات.
~
في متحف ومكتبة مورجان في وسط نيويورك، كان هناك معرضٍ صغيرٍ يضع بين أيدي جمهور سالينجر لأوّل مرّة، الرسائل التي أرسلها إلى الكاتبة الكندية الشابة مارجوري شيرد، ما بين عامي 1941 و1943، وكان وقتها لا يزال في بداياته المبكرة ككاتب. المعرض الذي حمل عنوان «لا تخسر قلباً»، – وهي عبارة مقتطعة من إحدى رسائله لشيرد -لم يقدّم فقط فرصة للتعرُّف إلى الوجه العاطفي المبكّر لسالينجر، بل كشف أنه كان يتَّخذ من رسائله فرصةً لاختبار أفكار قصصه ومناقشتها مع من يراسلهنّ .
~
” مارجوري شيرد التي أصبحت الآن في الخامسة والتسعين من عمرها، وتجلس على كرسي متحرِّك. لكنها لا زالت تستمتع بحكاية قصّتها مع سالينجر لزملائها في دار المسنين الذي تقيم فيه في تورنتو. حيث تروي لهم كيف أُعجبت بالأعمال القصصية الأولى التي كان ينشرها في مجلة إسكواير، فقرّرت أن تكتب له رسالةً من دون أن تتوقَّع أنه سيردّ على رسالتها برسالة مدهشة. لتكتب له رسالتها التالية كأنهما صديقان قديمان، واصفةً أسلوبه بأنه كان يكتب باختيال شاب صغير، وأنه كان يشبه تماماً كاولفيلد بطله الذي عشقه ملايين القرّاء في ما بعد. طلب منها، في إحدى رسائله، أن ترسل له صورة لها. وعندما تأخَّرت في الرّدّ، أرسل يعتذر قائلاً أنه كتب طلبه ذلك وهو في مزاج سيء. لكنها أرسلت له صورتها التي فتنته، فأرسل يتغزَّل بها، لكن غزله لم يصادف هوًى في نفسها، لأنها لم تجد فيه الرجل الذي تحلم به. ولذلك لم تستجب لطلبه بأن يلتقيا، وقرّرت أن تتزوج رجلاً عاشت معه أكثر من ستين عاماً، وانتقلت بعد وفاته إلى دار المسنّين لأنها لم تنجب منه، ليكتشف أفراد أسرتها رسائل سالينجر مصادفةً، داخل علبة أحذية. حيث احتفظت بها في السرّ حتّى بعد وفاة سالينجر عام 2010 عن 91 عاماً. ربما لم يكن ليقرأها أحد إلى الأبد، لولا أن أبناء أخيها قرّروا بيع الرسائل إلى مكتبة مورجان للإنفاق على التكاليف المتزايدة لدار المسنّين التي تقيم فيها. “
~
بعد ثلاثة عقود من ذلك خاض سالينجر قصة جديدة مع كاتبة شابة تدعى جويس ماينارد ، والتي لم تكتفِ بالإعجاب المعتاد بين قارئة وكاتب بل وقعت في غرامه وتركت كل شيء من أجله ، كانت جويس في الثامنة عشر من عمرها ، بينما كان هو في الثالثة والخمسين ، وبعد أن نشرت قصة في إحدى المجلات ، فوجئت برسالة من سالينجر يمتدح فيها القصة وبعد 25 رسالة بينهما كانت حافلة بعبارات صاعقة التأثير من نوعية «لا يمكن أن أخلق شخصية أحبها مثلما أحبك»، قررت أن تترك المنحة الدراسية التي حصلت عليها، وهي لا تزال في عامها الجامعي الأول في جامعة ييل، لتعيش مع سالينجر في منزله بولاية نيوهامبشير، متصوِّرةً أنها ستعيش معه إلى الأبد. لكنها عاشت معه عشرة أشهر فقط، كانت محفّزة لها على إكمال كتابها الأوّل، الذي استلهمت فيه قصتها مع سالينجر، لكنها استجابت لطلبه بألا تتطرَّق لعلاقتهما فيه. ولم تكن تتخيَّل أن سالينجر سينهي علاقتهما فجأة من دون أن يستجيب لتوسُّلاتها بأن تعود إليه، لتدمّرها العلاقة، إلى درجة أنها ظلّت لمدّة عامين تسكن بالقرب منه على أمل أن يعيدها إليه.
~
” استخدمت ماينارد عوائد كتابها لكي تشقّ طريقها في الحياة، وهو لم يكن طريقاً سهلاً، حيث صادفت إخفاقات عديدة ونجاحات بارزة أيضاً. لكنها فاجأت الأوساط الأدبية في عام 1999، عندما أعلنت عن نيَّتها بيع رسائل سالينجر إليها في مزاد علني. مبرّرة ذلك بأنها تحتاج دفع نفقات التعليم الجامعي لأولادها، ويشتري الرسائل مصمِّم البرامج بيتر نورتون مقابل 156 ألف دولار، معلناُ عن نيَّته إعادة الرسائل ثانية إلى سالينجر. (كان حظ مرحاض سالينجر أفضل من حظّ رسائلها بعد وفاته حيث بيع في مزاد إلكتروني مقابل مليون دولار). “
~
ماينارد التي أنتجت عدداً من الروايات اشتهرت منها سابقاً رواية «لتموت من أجلها»، التي تحوّلت إلى فيلم سينمائي شهير من بطولة نيكول كيدمان، واشتهرت منها مؤخَّراً رواية «عيد العمال» التي تحوّلت إلى فيلم سينمائي مهمّ من بطولة كيت وينسلت، وجوش برولين. لم يشفِ غليلها ما فعلته فكتبت مقالاً صاعقاً في النيويورك تايمز بعنوان «هل كان سالينجر نقياً حقّاً في هذا العالم؟»، مذكِّرةً بأنها سبقت الجميع قبل سنين، في كشف ولع سالينجر بالمراهقات، في الوقت الذي كان الجميع ينظر إليه بوصفه تجسيداً للنقاء الإنساني. كاشفة أنها تلقت أكثر من 12 رسالة من فتيات تتراوح أعمارهن بين 15 و 35 سنة يعترفنّ أنهنّ خضنَ تجربتها نفسها مع سالينجر ، وذلك بعد أن كسرت ماينارد الاتفاق غير المكتوب بينها وبين من كانت تعتبره وطنها كما تقول .
~
هل يحق للكاتب ما لا يحق لسواه ؟
وهل لا بُدَّ أن تكون تصرُّفاته معفاة من أي مراجعة، لمجرّد أنه كتب رواية رائعة وبضعة قصص ؟
وهل من المنصف اعتبار العبقرية مبرّر للتسامح مع الإساءات التي يوجِّهها الفنان لكل من يمكن أن يخدموا فَنَّه ؟
تستنكر ماينارد كيف أنه لا زالت هناك أصوات تعلو مستنكرةً انتهاك خصوصية سالينجر الأسطورية، مستشهدةً برأي الناقد السينمائي للنيويورك تايمز نفسها ديفيد إيدليشتاين، الذي كتب مقالة هاجم فيها الفيلم بشراسة : «أحب سالينجر الفتيات الصغيرات، فلتخرسْ الصحافة إذن». مذكِّرةً إياه بأنه أب لبنات. ومع ذلك فهو لم يجد مشكلة في أن يتلاعب سالينجر بمشاعر فتيات مراهقات، كان عمر إحداهن 14 سنة عندما بدأ سالينجر بالتودُّد إليها، مع أنه يعلم خطورة ذلك وتجريمه. مستغربةً أن تلك الفتاة نفسها أعربت عن شعورها بالفخر لأنها شكّلت إلهاماً لكاتبٍ كبير، برغم أنه قطع علاقته بها بعد لقاءٍ جنسي وحيد.
~
أعلم أن هنالك من سيحمل الفتاة المراهقة جزءاً من المسؤولية تقول ما ينارد ثم تجيب :
” عندما يتعلّق الأمر بأناس مثل سالينجر، يُفترض أنهم يحتلّون موقع المرشِد والملهِم والمعلِّم، ومع ذلك فهم يستخدمون قوّة موقعهم هذه لجذب أناس أصغر منهم بكثير إلى علاقات عاطفية وجنسية متجاهلين أن ذلك يمكن أن يدمّر الطرف الذي «يغرقونه» في غرامهم ، عمري الآن 59 عاماً. دع رجلاً يخبرني أنني لا أشكِّل قيمة، وسيتلاشى في نظري فوراً. لكن عندما يقول لي ذلك رجل كنت أعتبره يحوز كل حكمة الدنيا وأنا في الثامنة عشرة، فإن الذي سيتلاشى هو أنا وليس هو ” .
~
أخيراً تحدثت ماينارد عن الفيلم الذي اعتبرته مهذباً أكثر مما ينبغي ، وانتقدت تركيز المخرج على محاولة إقناعنا أن سالينجر كان ضحية للحرب العالمية الثانية وأن ولعه بالفتيات المراهقات كان من أعراض تلك الصدمة في محاولة منه لاستعادة البراءة .
ثم تختصر كل هذا في تعريف أخير يجعلنا نبحث عن سالينجر في أي ضفتيه يكون : «هناك الفنّ، وهناك فنّانون، دعونا لا نخلط الاثنين ؛ أحدهما بالآخر».

 

عن راشد يسلم

mm
سوداني .. مُصابٌ بالديانّات .. والشُرودْ . أكتُب .. لأن هذِه الصحراءُ شاسِعةٌ وأنا لا أجيدُ الغِناء .

أضف تعليقاً