الرئيسية / العدد السابع والعشرون / سبعُ ليالٍ بلا روح

سبعُ ليالٍ بلا روح

edmaan-el-ne3jpg

يس المك :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

 (1)

– ماذا لو لم يعد لك أظافر تقضمها؟! .. قالت بشماتة واضحة.

– ربما فكَّرتُ في بيع أجزائة .. متعمداً إغاظتها.

إنها تتحين خروجي للجلوس خلف شاشتي الأنيقة ومشاهدة بعض الأفلام التي حملتها من الشبكة، وما أن تُشغِّل فلماً حتى تجعلني أمام الأمر الواقع ولابد ستكمل مشاهدته. أو لعلها منجذبة لهذا الوضع المهيأ: فالحاسوب موضوع عند نهاية الغرفة المعتمة على مرمى جهاز التبريد، مع كرسي بلاستيكي معدٌّ خصيصاً للجلسات الطويلة، وإلى يمين الطاولة هناك سخّان الماء مع مستلزمات القهوة والشاي، والسرير الوثير غير بعيد من ذلك، إذا استلقيت عليه كانت الشاشة في هدف البصر .. وفي سبيل مبتغاها تستغل –ببراعة- عاطفة الأخ الأكبر ..

ولكن بعد إعلان الأمس –الكارثي- لشركات الإتصالات؛ أصبح الحاسوب خرقة بالية .. لم يعد العالم قرية صغيرة .. ولم يبقَ غير هذه الأفلام، ورغم أنني تكلّفتُ لها أقوى أنواع الحماية ما زلتُ أخشى أن تخترقها هذه العفريتة. وهناك وبعض الألعاب السخيفة بفمها الصغير الذي لن يلتهم ساعاتي كما قبل الإعلان, فافتعلتُ لها الكثير من الواجبات حتى تنشغل عني، ولا أدري أكان هذا قراراً موفقاً أم لا.

مضى اليوم الأول، كنتُ قد شاهدتُ كل الأفلام، ومع كل نهاية يأتي السؤال كإسم المخرج: ماذا بعد؟

(2)

صباح اليوم الثاني من ديسمبر –التعيس- صحوت باكراً كأنني مللتُ النوم الذي زاد إحساسي بالتعب، كانت خطة اليوم ضبابية وغير واضحة، بل منعدمة. ومع ذلك رتبتُ فراشي وطويت الغطاء أربع طيَّات ووضعته بصورة أنيقة عند نهاية السرير، ثم شملتُ مرقدي بنظرة إعجاب. وحينما وقع بصري على الحاسوب شعرت بخيبة عظيمة تربض على صدري: محاربٌ كان السبب في خسارة جيشه المعركة. جلستُ خلف الشاشة، وبكبسة زِر اقلع نظام التشغيل، الشعار نفسه، بطريق وديع يجلس على مؤخرته، أسود الأجناب، أبيض البطن والصدر، أصفر المنقار والقدمين، في العادة كنتُ أراه مبتسماً أما الآن فيبدو باهتاً، ملامحه تنمُّ عن حزن عميق. ثم بدَت شاشة وضع الإستعداد كأنها قد فرغت إلا من (أيقونةِ) سؤالٍ أراه في كل إنش مربع: ماذا بعد؟ .. شعرتُ بها تقترب كما يقترب المنقذ من الغريق:

– رتَّبتَ عني فراشك, أشكرك. ولي طلب آخر ..

– تريدين رأيي في أمر ما!

– مكتبتي مفتوحة لك .. إقرأ كتاباً.

إنها تحب الكتب كما أحب أنا الحاسوب، ولكنها تعلم أنني لا أطيقها .. لا شئ يجبرني على قراءة منشورٍ بحجم كتاب لا يمكنني التراسل مع مؤلفه، هي تعلم ذلك مني وتقول “إقرأ كتاباً!” ..فكرتُ في كرة القدم، سألعب مساءً, إنها مغامرة مجهولة العواقب بالنسبة لمثلي الذي هجرها منذ سن التاسعة، أحد عشر عاماً مضت، ستحدث كارثة إذا لعبت، بالإضافة لأنني أكره الجري!

(3)

لا أدري كيف أنقضى ذلك اليوم وتبعه اليوم الرابع، كل ما أذكره أنني كنت كالذي ينتظر إقلاع طائرة سيسافر على متنها لأول مرة، وإذا بي في لجة أحداث ذكرتني فيلماً فانتازيا .. ومرة أخرى شعرت بها تقترب كالمنقذ:

– هل علِمتَ بحادث ابن الجيران؟

– الآن, نعم.

– زيارته ستستبقي لك بعض الأظافر ..

من أين لي بأجوبة تصرف عني العيون التي ستبدو مشحونة بالتعجب من زيارتي، وكيف أتصالح مع العبارات الرتيبة ! أذكر جيداً قبل أسبوع حينما أضطررتُ لاستقبال ضيوف أبي، بذلت جهدي في الترحيب بهم، أو لنقل الترحيب على طريقتي؛ فما رأيتُ منهم إلا نظرات ازدراء إلتَوَتْ لها أمعائي.

كانت المكتبة تفتح لي ذراعيها، والضجيج حرفٌ في صفحة من كتاب على أرففها، جذبت كتاباً قلبتُ صفحاته، ولكن عيناي لم تستجيبا لإنعكاس الضوء إلا بألم شقّ رأسي نصفين؛ فأعدتُ الكتاب فوراً. شدّتني مجلة زاهية الألوان كبيرة القطع، تصفحتُ صورها ثم أعدتها إلى رفها، هكذا انقضت نصف ساعة، إنه أمر جيد؛ فالدقائق تمر في مسارات الوقت كما تمر لقمة كبيرة من الخبز الجاف عبر حلق صائم. رأتني أهم بقضم آخر جزء من ظفر العنَّاب الأيسر, جَلَسَتْ على مقربة مني وتحدثت كثيراً, تحققتُ من الساعة التي تمد ألسنتها الثلاثة في وجهي وأدركتُ أنها استغرقت دقيقة .. دقيقة واحدة فقط .. أين كنت أنا خلال هذه الدقيقة .. ولماذا اعتقدتُ أن النهار قد ولَّى وأن علي القيام بأمر مهم وعظيم أجهل حتى ما هو ! قالت, وكأنها أيقنت بأن شئ ما قد خمد بداخلي فحاولت أن تبعثه:

– لو أنني مكانك لاتصلتُ بصديقة.

– لكن الإعلان …

– أو لذهبتُ إلى متنزَّه.

– لدي الكاميرا .. ولكن الإعلان …!

(4)

غابت شمسُ اليوم الخامس، وكمشهد من فيلم أشرقت شمس السادس، بتُ أخشى النهار، فالليل –رغم الأرق- يشعرني بالطمأنينة، الناس يخمدون فأحس بنوع من العزاء، أمّا وقد دهمني الصباح فقد بدا كل شئ باهتاً، واختبأت معاني الأشياء في عقلي .. (صباح الخير!) لا يمكنني تخيل الخير مقروناً بمثلِ حالتي، تركتُ فراشي كما هو، تماماً كثعبان تملَّص من جلده. رأتني خارجاً من الغرفة .. دقَّقت نظرها تستكنه ملامحي، وكأنما أدرَكَتْ الجواب قبل أن تسألني، فأمالت رأسها وتوارت في نظام غرفتها الممل. خرجتُ من البيت لا أعلم لي وجهة، لكنني أمشي، أختار طرقاتي بمفاضلات يعجز الوعي عن فهمها، وأستمر في المشي، لم أقطع مسافة طويلة عندما بدأتُ اشعر بإرهاق عظيم في كل عضلة من عضلاتي، ولكنني تابعتُ المشي. بلغتُ ضفة النيل، لا أنشد شيئاً ولا أتوقع شيئا ولا أرغب في شئ كذلك، وقفتُ كموجة نيلية بلغت المصب وعليها الإختلاط بالماء المالح .. داهمتني صورُ الحياة: أمي وهي تعد الطعام، تنظم السفرة، وتدعونا واحداً واحداً .. أبي وهو يرمم الجدار .. يجدد طلاء الأبواب، ذاتَ جُمعة .. أختي وهي تفترش الأسِرَّة .. تنظف البيت وترتبه .. تهرع إلى كتبها .. أنا .. قبل الإعلان؛ كنتُ أُطلعهم على أخبار التقنيات الجديدة .. وتوقفتُ في هذه الصورة، ارتفع سائل حامض إلى حلقي، أتراهم كل صباح يشعرون بما أشعر به الآن! لا أستطيع الشعور إلا بما أشعر به وحدي، فلا يمكنني تحقيق معاني الأشياء في نفوس الآخرين -لكنتُ أبتسم الآن مثل ابتسامتها الماكرة- أعجز عن فهم الأشياء على وجه التحقيق كما يفهمونها، لا أعلم لها غير هذا الذي في نفسي ورأسي .. اللاشئ . عدتُ إلى الضفة، وتحول لون مياه النيل فأصبح ذهبياً، والطيور كأن أفواهها كُمِّمَت شهراً فأمست تُزقزق بحرقة، أو كأنها تواجه حكماُ بالإعدام إذا جاء الصباح، هنا اتصل معنى حياتي بتلك الطيور .. لكنها ما تزال تعيش مع بعضها، تطير معاً وتركّ معاً، وتنام إلى جوار بعضها .. تنزّل على قلبي يقين باقترابي من حقيقة عظيمة .. بحثتُ عميقاً بين أفكاري .. ولا شئ .. ذكرياتي, طموحاتي، أحلام اليقظة .. لم تعد لها وجود .. المؤشر يجري في سجل الهاتف بحثاً عن صديق مؤنِس .. لا أحد ..

(5)

تكرر مشهد الغروب في فيلم ما، وألفيتني في اليوم السابع .. نهارٌ جديد وصراع يمتد مع شئ غامض أو لا شئ وعقلي مشلول. دخلتُ المطبخ وخرجت أكثر من عشر مرات حتى ألفِت نظر أمي ولكنني لم ألفت منها غير النظرات المستفهمة، وخُيِّل إلي أن برجاً كان يسند الحياة بداخلي قد انهار. آلمتني حقيقة العجز، عندها سقطت قطرة من دم سبابتي على الأرض، فقمتُ إلى الحاسوب وحطمته، سمعتُ صوتها جلياً تقول: (أحسنت). وكمن أوتي كتابه بيمينه؛ أحسست باطمئنان عميق عندما قرأتُ الرسالة الإعلامية: ستعود الخدمات قريباً. هممتُ بحذفها وتراجعت عن قراري، عندها طفا السائل الحامض إلى فمي .. تفقدتُ الحاسوب .. فابتسمتُ .. رغم ما يعتصر قلبي.

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

6 تعليقات

  1. نحن في زمانٌ الإنسان ظل فيه حبيس العولمة ، منغمس فيها إنغماساً .. يلهو أكثر من أي شي آخر .. أكثر من الحقيقة زاتها !
    جميل يا صديقي الأسمر / يــس

  2. نحن في زمانٌ الإنسان ظل فيه حبيس العولمة ، منغمس فيها إنغماساً .. يلهو أكثر من أي شي آخر .. أكثر من الحقيقة زاتها !
    جميل يا صديقي الأسمر / يــس

  3. عفواً ( نحن في*زمانٍ )

  4. عفواً ( نحن في*زمانٍ )

  5. Hi Gav, today must have been super tough in that heat, hope you covered up, I know how delicate you are in the sun ;P

  6. Suis – je le seul à aimer « Passenger » ?!

أضف تعليقاً