ستار اخير

timthumb

 

كي تروي القصة بإجحاف محكم.. ابتدأ ب(ثانيا)
(فيلسوف ما)

وثالثا:
دخلت حياز غرفتها كالضوء.. كالضوء تماما من تحت عقب الباب.. هنا أيضا لم يبش أحد لمقدمها.. كانت تطالع الوجوه بحيرة.. تبحث عن تهلل الأسارير المتوقع عند رؤيتها.. تبحث عمن يمد يده بالسلام فقط.. ففي آخر الأمر هي ليست ملكا لأحد.. هي ملك مشاع للجميع.. ككل نجمة تطوف الأفق.. من يملك أن يأمر عينين بأن تغضا البصر صوب نجمة؟
استلقت كنسمة على الفراش الذي لم يكد يتجعد.. ثم نظرت إلى السقف.. ليس هناك سقف..
(لربما كنت حقا شبح)؟
أحلام اليقظة هي التصور الوردي لذكريات المستقبل.. أو قل الذكريات أحلام ممزقة.. ما يعنيها أنها بحثت بين أنقاض خاطرها طويلا كي تلتقط حلم يقظة واحد فقط.. يناولها طرف خيط النوم.. فلم تجد.. ولم تنم.. ظلت تلتقط ذاكرتها المثقوبة صورا مشروخة لفضاء يتجاوز السقف.. تتجرع السهر.. وتسأل:
هل أنا حقا شبح؟

ثم ثانيا:
الأطفال لا يكذبون.. وإن كانوا.. فصاحبة العينين العسليتين لا تستطيع الكذب.. هي رأت ذلك في عينيها.. تضج باحة المسرح بأصوات الصراخ.. صفير سيارات الشرطة المزعج.. والتجاهل.. لم يشيح الجميع عنها بأنظارهم؟
تقدمت فقط تلك الطفلة من بين الزحام.. جذبت طرف ثوبها بإصرار.. أطرقت هي صوبها بحيرة:
ماذا؟ ماذا تريدين؟ أوتوغراف؟
قالت الصغيرة وهي تمسح بتؤدة رتيبة على خصل دميتها:
لا أريد منك شيئا.. أنت شبح.. ألست كذلك؟
ابتسمت بهدوء.. وأجابتها بحكمة الكبار المصطنعة أمام الأطفال:
لا يا حبيبتي.. كان هذا دوري على المسرح فقط.. أن أسقط مدرجة باليأس في آخر مشاهد المسرحية..
ناظرتها الصغيرة بما يشبه الشفقة.. وقالت: حسنا.. إن كانت هذه الكذبة ترضيك..
حتى وإن كنت بريئا.. فتعالى أصوات سيارات الإسعاف والشرطة قد يشعرك بالذنب.. لتبدأ في التفكير بالهرب.. بخاصة إذا كنت قد فقدت في ظروف غامضة كل مخزونك من الفضول وعشق الاستطلاع..
_ أين والديك؟
لوهلة خيل لها أين عيني الطفلة محجرين غائرين.. قبل أن تستيقن أن الظلام يهديها بعض كوابيس هذه الليلة.. والطفلة تشير إلى السماء
لا تملك إلا أن تبتسم في وجه طفلة تائهة.. اعتدلت تبحث عن والديها.. هما على الأرض في مكان ما لا محالة.. الأيتام لا يعلمون شيئا عن المسرح.. والدمى.. تكاثف الحضور بما يحجب الرؤية.. أطرقت مرة أخرى تبحث عن تلك الطفلة.. فلم تجد سوى الزحام والظلام.. أحست بالاختناق.. وشعرت بقدرتها على الطيران.. لكنها لم تحاوله.. يكفي جنونا لهذه الليلة.. ثم غابت هي أيضا عن ذاتها في الزحام
أولا:
عند تمام انسدال الستر.. ينهض الجمهور ليؤدي واجب التصفيق بحماس منقطع النظير.. والدموع تهطل بغزارة من أحداقهم.. صرخات الإعجاب لأدائها المبهر منعهم من المغادرة توا.. بقوا للحظات وقوفا يسترجعون تلك النظرة الميتة التي منحتهم إياها قبل أن تسقط كحجر على أرض المسرح..
_ برافو.. برافو.. رائعة.. عبقرية..
يحبون كذبة الموت.. ويكرهون حقيقته.. يصفقون.. قبل أن تنطلق من خلف الستائر صرخة واجفة جففت الإعجاب المنهمر من سيل تصفيقهم.. لتبدله وجوما وصافرات إنذار..
خلف الستائر.. نهضت الممثلة.. نفضت بعض ذرات الغبار العالق على أطراف ثوبها.. قالت بصبر نافذ: أخبروا هؤلاء الحمقى أن ينظفوا أرض المسرح جيدا..
ثم غادرت تجاه غرفة تغيير الملابس دون كلمة وداع..
ورابعا:
خرجت صحف الغد.. تحدث عن عبقرية ممثلة.. إنغمست في تجسيد الموت حتى فارقت الحياة مأسوفا على جمالها الهادئ.. وموهبتها الصارخة.

عن السموءل شمس الدين

mm
فتاة المخمل .. زفت إلي في ليل بلا ضجيج.. تزهو على قريناتها بيدين خاليتين من النقوش.. وجبين بالغ السمرة.. تيممت كفيها بلا استخارة.. وتقدمتها للصلاة بوضوء منقوض . كاتب من السودان