الرئيسية / احدث التدوينات / سجّانُ اللحظات | جانبٌ آخر للفوتوغراف

سجّانُ اللحظات | جانبٌ آخر للفوتوغراف

686dc74624a929a305ea8993f742f49a

 بهذا جرى قلمي:

لا يفكر مامدوت الآن في شيء. يبدو متصلب الوجه، مبهم الملامح، منتصباً أمام إحدى الصور لا يرتّدُ إليه طرف. بدا كتمثال حجري أكثر من كونه بشرياً. حقيبة الظهر ما زالت معلقة بحمالاتها على أكتافه. يحدّق ملياً، بعمق حد التماهي في الصورة. تحركت يده ببطء واتخذت وضع المصافحة. يدٌ أخرى، رقيقة وصغيرة، تمتد نحو يده من داخل إطار الصورة. تتلامسان، وتحيط الكفُ بالكفِ. لا تتحدث الأفواه بل العيون والابتسامات، ناقلة تيارات عاطفية للطرف الآخر. يبدآن الحديث، يتعارفان:

  • أنا نهى، صديقة توشة أختك.

تقول الفتاة وابتسامتها تزيد بريقاً

  • أهلاً بيك ونورتِ الحفل .. أنا مامدوت.

  • (…)

  • (…)

لا صوت يطغى على الصمت في الشوارع؛ ربما لأن الشوارع كانت مليئة بالفراغ. ليلةٌ تبني لنفسها برجاً في ذاكرة الناس هنا في دنقلا، حيث الشتاء جاف وقاسي.

عندما بلغ مامدوت عتبة بيته الصغير، يشاركه السكن تأملاته والكثير من اللحظات المحبوسة في إطارات. يعود بعد رحلة عمل إلى العاصمة استغرقت أسبوعين. حقيبته المعلقة على ظهره تحوي غيارين من الملابس وحزمة صور فوتوغرافية التقطها مع الزملاء والأصدقاء هناك، ثم عالجها في كروت تمهيداً لوضعها في المكان المناسب بين مئات الصور الأخرى الملتقطة بواسطة هاتفه النقال أو الكاميرا خلال الأعوام العشرة المنصرمة، أو، كما يراها مامدوت، فهذه الأعوام محبوسة بين تلك الإطارات بحيث يمكنها الخلود للأبد، هكذا يعتقد.

خطوة واحدة وتمسك يده بمقبض الباب.

أثناء فترة غيابه لم يحدث أن فارق خياله منظر البيت بممراته الضيقة وجدرانه المطلية بالصور وألوانه الحيوية. كان كثير السهو في الوقت الذي كان عليه التركيز في ما يقوله الزملاء عن خبراتهم العملية. وبينما هو يستدر الذكريات، أو الذكريات هي التي تستدعيه من مكان وزمان ما؛ أمسك بمقبض الباب بحركة لاواعية، أولج المفتاح في القفل وأداره باتجاه عقارب الساعة أيضاً بحركة آلية. سحب قدمه اليمنى ببطء إلى الداخل وهو مغمض العينين، ثم أتبعها أختها، ولمّا تنشّق هواء البيت فتح عينيه.

***

كانت رحلة العودة من العاصمة طويلة ومليئة بالمفاجآت، وتعطل البص خلالها أربع مرات. وهكذا بدل أن يصل في خمس ساعات فقد استغرقت الرحلة ثمان ساعات، بالإضافة إلى أنه لم يَطعَم شيئاً منذ الصباح. لكن مامدوت الآن لا يشعر بالجوع أو الظمأ، كأنه بطريقة ما انسلخ عن جسده وتسامى، إنتقل من هذا الواقع.

  • (…)

  • (…)

  • عارف يا مامدوت؛ في حياتي ما لاقيت زول ظريف زيك!

  • (…)!!

  • (…)!!

إنكشف صفا أسنانه بوضوح هذه المرة، لا كالابتسامة المعتادة ولكن كتعبير يفضح رضا مراكزه العصبية والعاطفية عن هذا الإطراء، ومما عمّق شعوره باللحظة هو رائحة الفتاة التي تغزو أنفه الآن، في لحظة الاستدعاء. ربما كان متأكداً لحظتها أنه سيشهد مخاض هذه اللحظة طوال ما تبقى من حياته، ودائماً ستكون كما لو أنها تحدث الآن، ولأول مرة. وربما هذا ما يفسر سر الابتسامة المرسومة على وجهه الحجري الملامح، إنه يعود للحياة رويداً رويدا، ليست حياته الآن، بل حياته في تلك اللحظة.

نهى الفتاة السمراء، دخلت حياته مثل ذرة أكسجين أدمنتها أعضاءه وخيالاته، وبعد وقت قصير أدرك أنها أصبحت كل شيء، ولكن الأشياء، في نقطة زمنية ما، يجب عليها الرحيل، إما رحيل كلي مريح أو جزئي مؤرق. ولم يكن مامدوت محظوظاً ليهنأ باختفاء نهى التام من الوجود، إنها ما زالت حية. في ذلك اليوم ناقشته في مستقبل علاقتهما، وانتهى النقاش بانفصالهما. لم يقدر على حبس دموعه أمامها، دموعه التي تسيل الآن، في لحظة التأمل، منبهة إياه بأنه يشاهد صورة.

***

يُلقي مامدوت الحقيبة عن ظهره بحركة آلية أيضاً. وعيٌ خاطف بالواقع جعله يفكر بتعبه وينتبه لركبتيه المرتجفتين من الرهق والزمهرير، وظهره المنهك، إلى أن يتحرك خطوة نحو الداخل ويرى صورة أخرى التقطها في عيد أضحية قبل خمس سنوات، تظهر فيها أمه واثنتين من خالاته واحدة عن يمينها والأخرى عن شمالها، توقف قبالتها ..

ملامح أمه الهادئة كانت تعبر عن حزن عميق ومتجذر في النفس، لم يحظَ أي فرد من الأسرة بفهمه إلا مامدوت. وفي ثالث أيام العيد، بعد سويعات من وقت اللقطة، طلب منها الذهاب للعيادة سراً، مدّعين زيارة قريب لهم في آخر الحي المجاور. بعد مقابلة الطبيب أدرك الاثنان أن الأمر مقضيّ ورحيلها ليس إلا مسألة وقت. ومن حينها هي تموت باستمرار، وهو يجدد العزاء كل مرة تصادف فيها عيناه تلك الصورة. هذه المرة، ولأنه لم يجدد العزاء منذ أسبوعين، فقد كانت اللحظة أعمق أثراً وأقوى نفوذاً.

أنَّ مامدوت أنيناً مكتوماً ما لبث أن استحال صراخاً هستيرياً خلال بضع ثوان. ولكنه سكت فجأة وانقطع حبل البكاء في حلقه. كانت يدٌ تربّتُ على كتفه، بحركة رقيقة وحنونة، شعر بدفء حميم رغم برودة الجو، ولم يكن مندهشاً أو مصدوماً بأي معنى، بل كان يتأملها واقفة بكامل صحتها وبهائها:

  • ليه ما بتعرفي تموتي يُمّة؟!

  • معليش يا ولدي …!

  • بس ..

وهربت الكلمات.

ارتمى في حضنها. همست في أذنه شيئاً، مسحت رأسه بكفها وبدأ مامدوت يشعر بجسمها يتحول إلى مادة سائلة، ثم غازية، وبات في حضن اللاشيء، اختفت. ولما آبت إليه نفسه وجد الصورة ذات الإطار وقد هوت أرضاً من بين ذراعيه على أطراف أصابع قدمه، لم تؤلمه، بل فقط أعادته إلى الواقع. ولثوانٍ معدودة تذكر أنه يموت جوعاً، وقواه تبددت، ثم ضاع وعيه حين خطى خطوة أخرى نحو الداخل، ورأى صورة أخرى، آلة أخرى للهروب من اللحظة إلى زمنٍ مضى.ربما في تلك اللحظة بالذات فكر في حالته قبل أن يصبح حبس اللحظات هوايته، كان مثله مثل غيره يتذكر وينسى، الآن يتذكر فقط، وبقوة شبه قهرية.

***

مرّ يومان على تلك الحال، لا أكل ولا شرب. شكر ربه همساً أن التنفس تلقائي ولا يحتاج وعياً، وإلا ربما نسيه أيضا. الآن يجثو على ركبتيه ويتكئ على الحائط المقابل لصف الصور على يمين المدخل. ثبّت رأسه بزاوية منفرجة بحيث يقدر على ملاحظة التفاصيل. عيناه ما عادتا ماهرتين في صيد التفاصيل الدقيقة في الصورة، فقط يميز الملامح البارزة، مثل الرجل من المرأة، والصغير من الكبير، وللغرابة فلم يقلل ذلك من تأثير الصورة عليه. تكرر هذان اليومان لأسبوع آخر.

في صباح السبت، الثلاثين من نوفمبر، كان مامدوت، أو لنقل ما تبقى من ذلك الرجل مستيقظاً لعشرة أيام بالتمام. لا يبدو كمن يعاني أرقاً أو إرهاقاً، بل مظهره أقرب إلى جثة رجل مات جوعاً وظمأ، ثم أُسنِدت جثته إلى عامود كهرباء: مفتوح الفم، شاحب الملامح، جاف الشفاه، مرتخي الجفون، ومائل الرأس نحو كتفه الأيمن، يحيط به بلل ينبع من تحته.

ما زالت قطرات شحيحة تائهة باقية في أوردته. وعينا مامدوت متصلبتين بعناد على إحدى الصور، إلتقطها لنفسه بطريقة الصورة الذاتية (سيلفي) صباح الجمعة الحادي والعشرين من نوفمبر للعام تسعة وألفين. يبدو فيها مامدوت مبتهجاً ومليئاً بالحياة، في خلفية المشهد يبدو النيل منتفخاً حد شاطئيه ومليئا بالحياة أيضاً، ومانحها لأراضي الحوض الزراعية، كما تبدو شمس الصباح لطيفة وهادئة مثل أمه (كان دائماً يقول لأمه: “أنتِ تشبهين الشمس”).. لا كشمس الخامسة الباهتة الآن.

الآن يحدق في هذه الصورة بآخر ما تبقى له من قدرة. لم يخطر بباله أن الناس عندما يحتضرون لا يملكون الوقت لمشاهدة الصور وتأملها. كانت عيناه المجعدتان تجاهدان الأجفان كلما استسلمت للسقوط لتفتح مجالاً للرؤية.

سمع مامدوت صوت مخلوق يصدر من مكان قريب، لم يفهمه ولم يبدِ اهتماما. تكرر الصوت، وهذه المرة كانت عبارته واضحة جهورة، قال: “لعلك مستعد حتى تهب كل شيء للفوتوغراف!” لم يحرك ذلك مقلتيه من الصورة، ولم يبدل ما كان يتشكل في ذهنه. سكت حينها المخلوق اللامرئي، وترك مامدوت جسداً بالياً، ومقلتين ما زالتا تحدقان بلا حياة في صورة باتت لا معنى لها ولا قصة.

ما زالت صورتي بتلك الوضعية حية في ذهن ابني كلما صادف في إنستغرام صورة أب وابنه. ما زالت بحوزته صورة لن يسعها إطار أو ملف رقمي.

عن يس المك

mm
قاص ومترجم من السودان