الرئيسية / احدث التدوينات / سقف راکوبة العواسة ! “عن اللوحات العظيمة التي لا تجدها في المعارض”

سقف راکوبة العواسة ! “عن اللوحات العظيمة التي لا تجدها في المعارض”

مصنوعات-من-الزعف-1

خالتي مثلًا .. أثناء تمریرها للفرشاة علی حائط بیتها لترسم لوحة جمیلة تستقبل بها العید، أو أثناء نقشها لرسم حناء علی یدها أو ید غیرها، أو حتی أثناء تطریزها لقماش ما .. لا تدرک أنها تفعل نفس فعل العظماء في تاریخ الرسم والتشکیل من أمثال دافنشي ومایکل أنجلو وفان جوخ وسلفادور دالي! .. مع فارق بسیط فی المکان والظروف والهدف؛ فمعرض خالتي هو بیتها الصغیر، حائط المزیرة والبرندة ورکیزة باب الحوش، وجمهورها هم الأهل والأقارب والجیران والعابرین الزائرین من أهل الحلة مثلًا، وأما أولئك الرسامین العظام فتعرض لوحاتهم في أشهر معارض العالم، ویراها الجمیع من نقاد ومتذوقین وحالمین، ویکتب عنها ویبحث فیها وتدرس وتوثق وتحفظ لأجیال وأجیال .. أما خالتي فعمر لوحاتها قصیر جدًا، لكنه خالد خلوده الخاص المتجدد، فما أن یأت العید التالي مثلًا إلا وتزول کل اللوحات السابقة في الحوائط لتحل محلها أشکالًا جدیدة وجملاً جدیدة، ترسمها خالتي بنفس الرغبة والشغف، تطرز الأقمشة بنفس الانتباه الذي یرسم به دافنشي لوحة، وحین یمر علیها أهل الحلة مهنئین بالعید تحصد نفس السعادة دائمًا، وهذه لیست خالتي وحسب بل کل نساء الحلة وکل النساء في المجتمعات الریفیة .. لوحات عظیمة وخالدة رغم تغیرها وتبدلها، یصنعها فنانون مجهولون تمامًا ویستمتع بها جمهور مجهول، لکنها تصنع سعادة خالصة وجمال خاص لا ینتهي .. وتلک اللوحات التي لن تراها أبدًا في المعارض ..

یقول بورخیس .. “أعرف الجمال حین أراه” .. فلا تعریف للجمال ولا حدود له، و الکلمات العظیمة لیست في الکتب وحسب، أو التي قالها الکتاب أو الزعماء العظام، وکذلک اللوحات الجمیلة لیست في المعارض وحسب، ولا حتی یشترط أن ترسمها أیدي الرسامین العظام، ولا أن یرسمها أحد أصلًا .. هنالک لوحات عابرة، خالدة خلودًا قصیرًا، مهملة علی قارعة اللحظات والزمن والطریق، تراها وتعیشها ثم تترکها، وأحیانًا لا تراها .. فالجمال کالحکمة “ضالة المؤمن؛ من وجدها فهو أحق بها” .. فالطبیعة تصنع لوحاتها والزمن ینحت لوحاته والمطر یغسل لوحاته، والسحب والمزارعین والنجارین والمهندسین والأطفال، کل هؤلاء فنانون مغمورون یمارسون فنًا لا یدرکون أنهم یمارسونه، ویصنعون جمالاً لا حدود له .. مشغول أنا بهذا الجمال الذي لا نراه وحسب بل نعیش بداخله، کلنا تشکیلیون “وأنا هنا لا أستثني أحدا” .. کلنا نحب اللوحات والأشکال والنسق والألوان، وهذه الأشیاء لا توجد في المعارض وحسب .. فدعوني أشارککم بعضًا من هذه اللوحات التي لن تشاهدونها في المعارض أبدًا ..

* جدتي مثلًا أثناء نسجها للسعف .. تشغل المذیاع بصوت ضئیل بالکاد یسمع، ترش الأرضیة بماء خفیفة، تأت بشوال الخیش المبتل الذي یحوي السعف بداخله، تجلس القرفصاء علی طرف السریر ثم تفتح الشوال وتمسک طرف السعف بیدیها المرنتین منذ تلک اللحظة، فتتناوب أصابعها بین خصیلات السعف بدقة لتدخل کل سعفة بین ثنیات أختها، وبین کل حین وآخر تمد جدتي یدها لإناء به ماء فتبل أصبعها لترجعه للسعف مواصلًا عمله، تفعل ذلک بانتباه وشغف کأنها تصلي، کأنها داخل عزلتها الصوفیة البعیدة وقوقعتها المثالیة، فینتج عن نسیجها سجادًا ومصالي وبروش وغیره وغیره .. جمال خالد آخر لا ینتبه له الکثیرون، عظمة متواضعة تفعلها یوم بعد یوم دون أن تحتاج لإشادة ما، وتنتج لوحة عظیمة بینما تقبع هي أثناء النسج داخل لوحة عظیمة أخری ..

* سقف راکوبة العواسة .. ولمن لا یعرفه فهو سقف عادي لکنه مغطى بطبقة سوداء من مادة “السکن” التي تکونت نتیجة تصاعد دخان نار الصاج عبر زمن طویل، مما أکسب السقف سوادًا لامعًا جمیلًا جدًا، الحقیقة أجمل لون أسود أراه في حیاتي، سوادا هادئا أنیقًا یفتح باب التأویل .. حتى تری السقف کأنه لوحة رسمها فان جوخ في أعمق أحلامه، فاللون الأسود في العادة لون الکآبة والظلام والتشاؤم، لکنه في سقف راكوبة العواسة وبهذا اللمعان یتخذ هیأه أخری ورمزیة أخری تمامًا .. کأنه مرسوم بریشة متفائل، کأنه یعلم مم صعد، وکأنه یود أن یفعل ما یفعله الفن؛ تغییر الثوابت والانطباعات .. لذلک أنبهکم إلى أن هنالک لوحة عظیمة في کل سقف راکوبة عواسة علیکم أن تروها ..

* ومثلما یتجلی اللون الأسود في سقف الراکوبة کرمز تفاؤلي، فإنه یتجلی کرمز تشاؤم وحزن وکآبة في مشهد عظیم آخر .. وهو مشهد النخلة المحروقة داخل المزارع الخضراء .. فأحیانا لأسباب عدة یقرر المزارع قطع النخلة داخل أرضه الزراعیة، فیقوم أولا بإحراقها حتی تموت جذورها، فتصیر بعد الحرق عبارة عن جذع أسود واقف أمام کل هذه المساحات الخضراء! .. لوحة کئیبة عظیمة جدًا سیتمنی مایکل أنجلو لو أنه رسمها، هذا السواد الشامخ الحزین أمام هذا الحیوات الخضراء، قدرة الموت أمام عنفوان الحیاة، استفهام عظیم أمام کل هذه الإجابات الخاطئة، روح تصعد إلى السماء تارکة فراغًا لن یملأه شيء .. “کثیرًا ما أقف أمام النخلات المحروقة في الأراضي الزراعیة؛ وأحسها ترید أن تقول لي شیئًا ما” .. !

* هناک لوحة أخری بنفس کآبة النخلة المحروقة لکنها مختلفة الألوان .. “الحوائط الطینیة الغائصة في کثبان الرمل” .. الرمل الذي تصاعد علیها بمرور الزمن وقارب علی وصول قمتها وهزیمتها .. هزیمة حتمیة آتیة لو عاینتها من منظار الأبدیة، فالرمل کالنهر؛ لا شيء یصمد أمامه، فما بالک بحائط طیني هزیل، وماذا بعد الحائط هذا؟! نحن! .. حائط هزیل آخر .. نحن الواقفین أمام الرمل في معرکة أبدیة، والمهزومين حتمیًا، “وهذه لوحة حزینة أخری رسامها الزمن” ..

* ولکن دعونا من الکآبة والحزن ولننتقل للوحات المتفائلة .. نقش الحناء مثلًا .. تجلي آخر للون الأسود، یتمدد بأشکال مختلفة علی أجساد النساء فیتخلی عن طبیعته الکئیبة ویرسم نوافذًا للجمال العجیب، تنقشه النساء في جلسات هي لوحات أخری، الثرثرات والمؤانسات والشغف، ثم بعد فترة ینمحي ویضیع فتبدله بنقش آخر .. هکذا هو الخلود المتجدد، الجمال الذی لا یمل، الأبدي في الیومي. أشکال حوائط البیوت في الأعیاد، الخزف والإکسسورات البلدیة، العمة والأقمشة المطرزة، أبواب الخشب القدیمة، صاج العواسة، مدخل الراکوبة، المشلعیب، عود المرق المغروس في منتصف الغرفة یسندها ضد الزمن والهوائل، غرفة الجد ورائحتها، ضحکة الجد، وألف لوحة ولوحة، نراها یومیًا ونعیشها ونحس بجمالها ونهضمه عابرین .. أحیانًا لها رسامین وأحیانًا لا، وأحیانًا نشترک نحن کلنا في رسمها .. أحیانًا نتذکرها وأحیانًا لا .. أحیانًا نلاحظها وأحيانًا لا، فکما قیل “الأشیاء الجمیلة لا تحب أن ينظر لها” .. ربما تلک هي خالتي .. والتي أثناء تمریرها للفرشاة علی حائط بیتها لترسم لوحة جمیلة تستقبل بها العید .. لا تدرک أنها أعظم من لیوناردو دافنشي ومایکل أنجلو وفان جوخ ..

عن وقاص الصادق

mm
قاص من السودان صدرت له مجموعة قصصية سنة 2015 بعنوان " حضور بلون الماء" .