سكان القبو “04”

198206_201421769887367_100000586358835_675789_3441625_n

الفصل الثالث : اليقظة و الحلم

الليلة الثالثة في البيت الجديد، تبدو و كأنها أطول من سابقتها، يعلوها صمت حذر و أصوات مضغ العم حسن لطعامه، بينما يبدو حميد شارد الذهن في ما ستؤول إليه الأمور بعد ما حصل، فبعد أن خرق قانونا من قوانين المنزل بأن زار القبو، قرر العم حسن بعدها أن يطرده غدا صباحا من المنزل، لم يسمح له بأن يناقش أو يفاوض، قوانينه كانت واضحة، لكن حيثيات خرقها كانت دائما مخفية، لم يكن يبدو على العم حسن أي تأثر، و كأنه إجراء عادي سيقوم به، بل و إنه لا يبدو عليه القلق مما شاهده الشاب في منزله، لكن ما كان يقلق حميد أكثر هو إلى أين يتجه، و كيف له أن يجد مكان أخر.

-ألن تتناول طعامك؟ سأل العم حسن و هو يغرز ملعقته في الحساء.

– نعم؟

– سيبرد، و ليس لدي أي استعداد لتسخينه.

– لا بأس، لا يهم، ليست لدي أي شهية للطعام.

لم يبال الكهل بما قاله الشاب فانهمك في طعامه، بينما حاول حميد أن يفحص تلك الغرفة التي هم فيها بشكل أكبر من أي وقت، ربما يحاول أن يزرع في زواياها ذكرى تبقى معه، أو ربما يحاول أن ينتزع منها ذكرى تنتمي إليه، البهو الواسع الذي تتوسطه مائدة الطعام يبدو خاليا من أي أثاث يذكر، الستائر البيضاء تتأرجح مع هبوب نسائم باردة، سرت بجسده قشعريرة حين فكر بأن الأشباح تقطن في القبو، فجأة تذكر كل شيء، القبو، ما الذي حصل هناك بالضبط. لم يتمالك نفسه ليندفع بالسؤال..

-ما الذي يختفي في ذاك القبو، أذكر أن شيء ما هاجمني هناك؟ هل تعلم ما هو؟

– أنا؟ لا، لا أعلم.. بل ربما يجب أن توجه السؤال لنفسك.

– القبو ليس ملكي و لم.. ما الذي تقصده؟ كانت علامات الغضب تجتاح وجه حميد.

– أقصد أن القبو خال من أي شيء ما عدى مرآة مكسور، لا شيء هناك غير الذكريات.

لم يتقبل حميد نبرة صوت الكهل الباردة و أجوبته الملتوية، فنهض بغضب متجها نحو القبو، لم تهتز للكهل شعرة، بل انهمك أكثر في تناول طعامه، الباب كان مفتوحا، و الباب السفلي كذلك، المصباح يبدو سليما، لكن ربما أصلحه العم حسن عندما كان هو نائما، الغرفة تبدو خالية فعلا، في زاويتها اليمنى تنتصب مرآة مكسورة طويلة، بينما لا يكسو بقية الأركان سو التراب.

اقترب من المرآة ببطء، لم يلحظ وجودها في المرة الماضية، كما أن الكثير مما يذكره قد اختفى، حدق طويلا في انعكاس صورته على المرآة، لم يصدق ما يراه فيها، لم يكن ذلك انعكاسه فعلا، بل ربما هو كذلك، كان انعكاسه هو ذلك الطفل الذي يحيط نفسه بخرقة حمراء بالية، تحسس وجهه، كانت المرآة تعكس كل حركة يقوم بها، في النهاية همس “من أنت؟” كأنه يسأل نفسه، لتتلاشى صورة الطفل في المرآة و وتمتلئ بتلك الكائنات الداكنة التي هاجمته سابقا، كانت تخرج تباعا من المرآة مصدرة زفرات و كأنها تحررت من ضغط ما، عندما فرغت المرآة منهم، كانوا حوله مجددا، تصدر منهم أصوات تشبه الأنين، و بين الجموع كان يتوجه نحوه ذاك الطفل ذو الخرقة الحمراء، عندما وصل إليه، انحنى حميد نحوه و جرى بينهما حوار صامت، لم يكسره سوى كلمة “شكرا” من الطفل الذي أمسك رأس حميد بقوة، ليهاجمه مجددا كل الأشباح الداكنة، كانت تتغلغل فيه حتى العظم وسط صرخاته، مع كل واحد استرد حميد كل ما كان يصعب عليه تذكره، في النهاية علم من هو ذلك الطفل، سقط على الأرض يقاوم الإغماء، بينما يهمس له ذو الخرقة الحمراء بأنه الآن يستطيع أن يستيقظ، كان كل شبح يسكن القبو هو ذكرى حاول أن يبعدها عنه فنفي ذاته معها، و بعودته لها سيستطيع أن يعود إلى عالمه.

كانت الساعة الرابعة بعد الظهر، الممرضة تقوم بعمل روتيني في الغرفة، حين فتح عينيه فجأة ثم نهض بتثاقل، ليسأل الممرضة.

-عفواً يا آنسة، أين أنا بالضبط؟

استدارت الممرضة نحوه لتتملكها دهشة كبيرة، ثم بسرعة خرجت من الغرفة راكضة. لم يفهم حميد ما الذي حصل، ربما أخافها بطريقة ما، حاول أن ينزل من السرير لكن جسده لم يطاوعه، كل عضلة فيه تؤلمه مع كل حركة، ليستسلم لاستلقاء محاولا أن يتنفس بعمق بعد أن شعر بأن عضلاته كلها قد تشنجت، حدق حوله بتمعن، كانت الغرفة مألوفة لكنه لا يذكر أنه كان هنا. بعد لحظات هرع نحو غرفته دكتور أشيب الشعر، كان يبدو كالعم حسن لكنه يبدو أكبر، توقف للحظات ثم بدا و كأنه سيجهش بالبكاء، نهض حميد ببطئ، ليرتمي عليه الطبيب بسرعة معانقا إياه بكل قوة، مطلقا لنفسه العنان بأن يبكي بصوت مسموع.

 

 

 

 

عن يوسف أزروال

mm
كاتب ومترجم من المغرب

تعليق واحد

أضف تعليقاً