الرئيسية / العدد الحادي عشر / سلفادور .. المجنون

سلفادور .. المجنون

أيمن

إعداد : إيمن هاشم

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

ولد سلفادور فيليبي خاثنتو دالي في 11 مايو/ أيار 1904 ومات في 23 يناير/ كانون الثاني 1989 في فيغيراس بمقاطعة كاتالونيا، ويعتبر هو الأكثر شهرة في بلاده بعد مواطنه بابلو بيكاسو. ويرى النقاد والمؤرخون أنه رسام السريالية بامتياز، ويطلق بعض النقاد على السريالية التي تطغى عليها الهلوسة الفنية “الداليّة”، لكنه في ختام حياته اتخذ في فنه اتجاها أقرب إلى الصوفية الكاثوليكية. واشتغل سلفادور دالي في السينما فأجاد في الإخراج وصمم العديد من الديكورات والأزياء للأفلام السينمائية والمسرحيات، واشتغل في تصميم الجواهر والملصقات الفنية والأثاث.

يجسد الفنان سلفادور دالي ظاهرة جديدة في السريالية التي تمثلها المرحلة الأولى من إنتاجه الفني، إذ انه سرعان ما انتهى بعد أواسط الثلاثينات بالكلاسيكية، فكان سلوكه ذو الطابع المسرحي، وتسخيره لنفسه وفنه في خدمة القوى الرجعية في أسبانيا قد طرح أكثر من سؤال عن القيمة الإبداعية الكبيرة في أعماله التي أغنت المدرسة السريالية من خلال اعتمادها على العديد من ظواهر التحليل النفس، والسؤال هو هل يمكن أن ينتج الفنان الرجعي فنا تقدميا ، أو متقدما؟ على أننا أي كانت أجابتنا علينا ان لا ننسى بان الفن بذاته هو فعل تقدمي في حياة البشرية.

 

أضحت شخصية هذا الفنان الأكثر هذيانا في عصره، والأكثر تناقض ونفرة وأيضا جاذبية، يقف عند حافة العبقرية والابتذال، مع أن تفكيره كان عاديا، إلا أن تصرفاته غير المألوفة، وحبه للمال، ونشاطه الهلوسي الذي يحمل اضطراب عقلي يتجلى في هوسه المزمن بالعظمة : ” الفرق بيني وبين رجل مجنون هو اني لست بمجنون” جعله على نقيض كل من سبقه من السرياليين، في تركيزه على الظواهر الشاذة والمرضية والمشوهة ليعكس من خلالها العديد من مظاهر الانحطاط والاضطرابات المرضية التي عاشتها تلك الفترة التاريخية، وأيضا ليدعم ثقته بنفسه ومشاعره القوية بالخزي والتي جعلت اغلب نتاجاته بمثابة قناع يختفي خلفه. وكان دالي في جميع لوحاته يستخدم تقنية تتسم بالواقعية التي تبدو في بعض لوحاته مفرطة بدقتها وروعة ألوانها من خلال استخدامه المجهر للوصول إلى الحقائق” كأنها صور فوتوغرافية لأحلام صورت باليد” من اجل تهديم الحقائق المتعارف عليها في الحياة الاجتماعية.

 

وتبرز العديد من أعماله وخاصة تلك المناهضة للثورة التي قامت بها القوى المعادية للنظام الفاشي في أسبانيا، والمؤيدة لانتشار النازية الهتلرية والفاشية الإيطالية، أدت إلى إبعاده سنة 1934 من الحركة السريالية، لكنه واصل برغم طرده من المجموعة السريالية، إبداعه الشديد التأثر بهذه المدرسة.

 

هذا هو سلفادور فيليب ياسينتو دالي، او دالي العبقري، او المجنون العبقري، أو الوصولي بأي ثمن، أو المهرج الذي يرفض صفة البهلوان، وهنا، لا فرق دقيقا بين البهلوان والمهرج، كما يحب دالي أن يوحي” أنا خال من العيوب، انا السوريالي الوحيد غير المنتمي، لم ينجح لا اليمين ولا اليسار في إغوائي”. ودالي الشامخ الصارخ بجنون اللوحة، المطل بشواربه وثيابه الغريبة عبر اللحظة، او عبر الغواية المدهشة، متخرج من الأكاديمية الملكية الأسبانية، في سان فرناندو، وأكاديمية الفنون الجميلة في فرنسا، والحائز على رتبة كوماندو للفنون والآداب في فرنسا ، يعتبر ظاهرة متميزة في عوالم السريالية التي تقوم على رفض المفاهيم المنطقية والعقلانية في محاولتها التخلص من الرؤية التقليدية. أخذت دلالتها الخاصة بعد ان أسس الشاعر اندريه بروتون ولويس اراغون وفيليب سوبو مجلة ( الأدب) عام 1919 وصدور البيان السريالي الأول عام 1924 لتكون تيارا فكريا في مجالي الأدب والفن. شارك دالي بفعالية كبيرة باستنباط الإلية لتقريب العناصر الأكثر تباينا ، مانحا الصدفة معنى جديدا من خلال استخداماته لحالات النشوة والحلم ومجاورة كل ما هو غير مألوف في الحياة البشرية، في أسلوب أطلق عليه” بارانويا التفكير الانتقادي” الذي تحول عنده الى طريقة لكشف الأفكار التي تستحوذ عليه.

 

يقول دالي” لكي ترسم يجب ان تكون مجنونا. فانا أؤمن باني أعظم رسامي عصري، أو على الأصح، أنهم أسوأ مني على أية حال” انه يجسم اللامعقول بصورة معقولة، فهنا صورة فاجعة للحرب الأهلية الأسبانية، وهنا زمن يسيل على امتداد الصحراء، هنا وهناك في التفاصيل التي ترمز لها اللوحة، وجه دالي ووجده الفني حد التخمة في مزاولة الإبداع ، فهو يقول” الرسم الحقيقي يبدأ مع اكتشاف الطرق الكلاسيكية لمزج الألوان والزيوت، وأنا أحب في الكلاسيكيين الإحساس بالموت والاهتمام بالجنس، ولا يهمني طريقتهم في الرسم”:

 

يتبين من هذه المقولات وغيرها، التغير الحاسم من الفن، بخلق اهتمامات جديدة ومصادر الهام جديدة وجدها بروتون في اللاوعي والتحليل النفسي للأحلام والتخيلات، فقد انقطعت الكثير من التقاليد الفنية التي تربط الفن ببعض التماثل مع المنظر الواقعي والإنسان، فالرسام في مراحل دالي الأولى، شعر بالتحرر وان كان مستمرا في التفكير بوعي وعقلانية، إلا أن اللاشعور واللاعقلانية أصبحت متسيدة لتقيم عالمها من خلال الاستغلال البارع للخامات. فنجد اللاشعور يتسيد بعد أن أكد سيجموند فرويد بان الحضارة الإنسانية تقمع الشهوات الملحة وتلغي الرغبات الممتعة وتحد من المسموح به في دائرة الجنسانية.نجد اللاشعور الباطني يعمل بـ”الغريزة” حين يكون العقل غائبا عن الأشياء التي تحيطنا بروحية خاصة بها، وهنا يقف مبدأ التحرر في رؤية الإنسان الذي حمله فن” اللاشعور” إذ أن العقل والواقع السائد هو اللاشعور ، وهو كما طوره يونغ قائم في أن قوانين اللاشعور تتكون من الأساطير والذكريات الجنسية وأمور لا عقلية متوارثة من الحياة البدائية للإنسان. وهكذا يعلن الفنان السريالي انه يرسم رموز الأحلام إنما يحرر نفسه من رقابة ومن قمع المجتمع، وأيضا من هيمنة العقل للتحول بالإيمان بسلطة الحلم المطلقة والتعبير اللاإرادي كما يمليه اللاوعي.

 

لقد اخضع دالي القيم التشكيلية لغاية جديدة بعد أن تأثر بفكر الفيلسوف الألماني نيتشه” انا اكتب وأعيش واعبر عن سحري، السحر الذي ينبع مني حين أرى شيئا، وأصور شيئا آخر” ومن خلال نيتشه تعرف على السينمائي بونويل، واخرج معه الفيلم السريالي” الكلب الأندلسي” و”العصر الذهبي” وفي معظم أعماله الفنية اعتمد التلقائية الآلية التي يمليها اللاوعي والاكتشاف الحلمي للشكل، مع ان معظم هذه الأعمال التي تبدو وكأنها نقلت من خلال مرآة تبددت طبيعة الصورة الإنسانية لتمنحها مظاهر اعوجاجية مموهة للتعبير غير المباشر ، عن طريق الاستعارة الرمزية.

 

فهو سعى لتحرير المخيلة من روابط العقل والاصطلاح او تلك التي يقدمها العالم المرئي من التاريخ والأسطورة والدين، بل عمد الى الاستنباط الشكلي واستخدم تقنية خاصة بهيكلية قائمة على الايهامات منبثقة لا عن الإدراك البصري بل عن سمات التخيل اللاواعي وهو ما يسميه بروتون وحدة الإيقاع الناتجة عن وجود صلة بين الصدفة والآلية التي طالبت بها السريالية .

 

بعض لوحاته : 

أيمن 1

أيمن 2

أيمن 3

أيمن 4

عن أيمن هاشم

mm
قاص وتشكيلي من السودان

أضف تعليقاً