سلوى غريق

تلبو

      في مساء اغبر من أماسي رصيف الميناء الضاجة بمحركات المراكب الشراعية وجلبة الصيادين البذيئين، أحتك كتفها اللدن بكتفه كاحتكاك فراشة بغصن شائك، كان الزحام قاتل. المسافرون يمورون شوقاً للضفة الأخرى من النهر، بينما محركات المراكب الصدئة تئن وهي ترسل اللعنات دخان إلى السماء، سمعها تقول في سَخط لم تخطئه أذنيه:

     – بِسْ ما بتشوف.

     عدل من إنفراجة شفتيه ثم قال:

     – أسف يا جميل، آه منو! سلوى ما بصدق. 

      لم تعبأ بدهشته البلهاء ولا ببحلقة عينيه المهلكة؛ كل ما استطاعته هو نظرة مبهمة ثم مضت في حال سبيلها.

      في الحقيقة لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يلتقي فيها كتفاهما، فقد التقيا مئات المرات، استندا إلى بعضهما طويلاً، غاصا في بعض، ولكن كانت الأخيرة مدهشة لدرجة أنه جفل وكأن ثقل السابقات جميعا نزل عليه في تلك اللحظة. عندما ملأ عبير رائحتها داخله دون سابق إنذار ثم لم تعره سوى نظرة؛ تسمر محاولاً استدراك راحلة الزمان قبل أن يفكر في فك طلسم  تلك النظرة الدهماء، كانت مبهمة تماماً، لا تشي بشيء سوى الجهل، استرجع ملامحها كاملة. فكانت محض نظرة عابرة. بؤبؤا العينين في المنتصف تماماً، والوجه مهملاً مثل أي حائط قديم، وكذلك الجبهة  لم تحمل أي شعور، ظهرت ملساء مثل وجه الشراع، حتى الخدان المخمليان لبسا جلباب الحياد – لم يشعا حباً أو يذبلا بغضاً -، أما الفم فكان مطبق بإحكام الموتى. لقد كانت صنم ينظر. تدارك وعيه عندما زاحمته كتوف كثيرة تاركة همهمات غاضبة مصحوبة بزلزلة على الجسد الخاوي. وحالما تنبه إلى حقيقتها الصاعقة ألتفت نحو زحامها مستدركاً؛ ليجيبه الرصيف المعركة: “فاتك المركب.”  

     انسحب قانعاً بعبيرها نحو الخلاء من ضفة النهر، حيث يُسكت نزوق الإوز صخب المراكب المشوب بثرثرة العابرين. رويداً رويداً انسحبت الضجة  تاركة الفضاء لهدوء النهر. تخطى الحاجز المعد بواسطة شجيرات موكلة بحماية الضفة ليلتقي النهر وجهٌ لماءٍ. الماء ليس أول المخلوقات؛ ولكنه أجملها على الإطلاق، عندما يبدأ بمراقصة أقدام ملأى بالحنين في حفل صامت. أصاخ السمع؛ من البعيد يأتي نقيق الضفادع، ومن الوراء وشوشة العصافير، ومن الوتين الحنين الضائع في حقيقته الصاعقة. “سلوى مختار” تلك التي خبرت دروب التيه طويلاً، واستأنست الغياب أبداً، الآن حية تغشى كتفه لتسقيه حميميتها ثم ترميه بنظرة مبهمة! (تُرى هل اهرقت كل ذلك الحزن في مواعين الكوابيس؟) كم يودْ أن تكون الإجابة بنعم. زفر سماء النهر بنظرة  يأس حائرة، فقبضت بجعة حاذقة تحلق بمهارة البجع، ثم أسلم أذنه لصرير جندب شجاع  خلف شجيرات الحاجز.  

      “عندما يصير الشوق خريفاً تأتي سلوى محملة بالندى ودفء روحها، تأتي مطراً أنيقاً، أزهاراً وعبيراً، تأتي عصافيراً آسرة  تخيم على أشجار شجوني.

     ذات مساء قالت في صفاء طفلة:

     – ما عارفة بس مرات بحس أنه نحن غرباء.

     فأجبتها بقبلة ثم قُلت:

     – طوبى للغرباء.

     تمادت في كلماتها عطراً:

     – قصدي نحن من عالمين مختلفين.

     جذبتها نحو صدري ثم قلت:

     – وشن جاب الملائكة للشياطين، أنتِ ملاكي الحارس ياخ!

     تبسمت ثم غاصت داخل صدري متشنجة:

     – آآه…  بحبك؛ بحبك يا مجنون، بحب بكشك ياخ.

     كعادتها؛ تجيد الحديث عقب الابتسام بمهارة فريدة، ثم تعقب كل ذلك بضحكة شفيفة مثل روحها؛ تفعلها بغنج الناعم. من اجل ذلك دامت  لطيفة  تشع بهاءً. 

     رمى حجراً في النهر ثم أشاح ببصره في الفضاء ثانيةً؛ مداخن محركات المراكب تلوث السماء الصافية بدخان الديزل كلما جدت في فض تجمع الماء بشهية الإبحار الساكنة في أعماق أخشابها، بينما جموع من الأغربة السوداء تحلق فوق رؤوس مراكب الصيادين الصغيرة لتوقيت ساعة الانقضاض. ظل النهر تحت قدميه ساكناً وكأنه يصغي بنباهة الماء إلى تداعيه، وبهدوء يتروى الأمر – متبرئاً من ضجة رصيف الميناء تاركاً لها خيار اقتطاع مائهما الهائجة من أي نهر أخر-؛ ثم يرمي الرأي  بين ثنايا رقصاته المتموجة على طميه البارد. 

     في  لقاء عابر بمحطة المواصلات وسط المدينة – وقد كانت عائدة من مدرستها عندما كنت أنا ذاهب إلى زيارة مريض بالمستشفى العمومي – تبسمتْ قبل وبعد أن صافحتني ثم قالت: 

     – وووب علي الليلة، شنو الوسامة دي؟ بسحورك؛ الليلة ولا وسامة التيران.

     رفعت حاجبي دهشةً:

     – بطلي سخافة وتريقة من متين كمان التيران بقى ليها حظ في الوسامة!

     – حرام عليك، وحات الله جادة معاك، هيْ ما كلمتك، الليلة قريت في مجلة رياضية خبر عن وسامة التيران الاسبانية، والله مبالغة يا إنتا، وما تقول كمان البت دي بتشاغلني لو م مصدقني هَنْدي ليها المجلة في شنطتي أطلعها ليك.

    قلت بخبث:

     – لا ماف داعي؛ تور تور طالما إنتي بقرتي الجميلة!

      كاد أن يشوبها الشحوب ذاته الذي تحمله رياح أخر الشتاء إلى المدينة لولا بهاء بسمتها وهي تضيف:

      – عواليق، كسبت الجولة يعني.

     لعلها بذلك كانت تعني أني سأخسر السباق في نهايته ومن يخسر النهاية يبكي أبداً. وسط النهر ذُعرت اوزة من السرب المبحر عكس تيار الماء إزاء الهجوم المباغت، لقد فازت البجعة بوجبة مشبعة من سمك البلطي.

      يذكر ذلك اليوم جيداً. يوم فراقها. رحيلها الأبدي. تلك البسمة التي زينت شفتيها. الظهيرة اللاهبة. صوت محمود عبدالعزيز. شوقها لأمها. حيث كان اللقاء الاخير، أو ما يسميه بـ”حدس الصعود” عندما ناداه شوقها فلبى. يسترجع تفاصيل النداء من على ضفته الهادئة: الوقت ظهيرة تامة، الشوارع خالية إلا منه وبعض “كلاب الحر” الذين لا يقعدهم قيظ شمس ولا زمهرير شتاء، نزل عن المركبة العامة على الشارع الرئيس وبلهفة المشتاق أخذ الطريق المستقيم إلى دوحته. على تقاطع الشارعين الكبيرين نُصب سرادق عزاء، كان عزاءاً كبيراً يليق بمسئول توفي بحادث حركة على الطريق السريع. ذلك الجو الحزين وشى للشارع الخالي بألمه فبدأ يحثو على رأسه والمعزين الحزانى كل ما تملك جادته من أتربه. على التقاطع قبل الأخير أيضاً ترك السرادق الشهير أثره حيث طوت دكاكينه أبوابها الثلاثية العريضة متبرعة بأصحابها، فساد هدوء جنائزي على الجادة بعد أن تحررت فصول المدارس الثانوية ورياض الأطفال من قبضة  مهرجان الشغب الذي يقيمه الطلاب كل صباح، واستسلمت لقيظ الشمس ناشرة العدم على مقاعدها المصفوفة بانتظام. وكأن جميع خطوط مواصلات المدينة توصل إلى وجهة واحدة هي العزاء الكبير، شكل هدير محركات حافلات النقل العام خلفية صوتية مريبة تغلف ذلك الصمت. أنعطف يمينا هارباً من كلح التقاطع الشهير في ظهيرته القائظة. ثمة رجل يمشي على عجل على عكس وجهته، طفلة تتسكع على رصيف الشارع ذي الزهور ذو الورود الصفراء والرائحة الزكية؛ على يدها العرقة عملات ورقية متسخة، صياح محرك الركشات على الشارع الرئيس أخطلت بحشرجة قفل الباب. دخل المنزل  بنشوة الدخول الأول تاركاً صفعة قاتلة على وجه باب الصفيح.

     كانت سلوى تجلس على الصالة وبيدها ريموت التلفاز، بينما دعاية لصابون استحمام تملأ شاشته برغوة بنفسجية. جرها من يديها لتقف بلهفة المشتاق. وبذات اللهفة ضمها طويلاً، فأحس بغيابها في ذاته. دخلها فتوغلت في روحه. جابا الدواخل غرفة غرفة، ولما استحليا التسكع، وخذه غيابها فجرها بيد مرتعشة نحو غرفة النوم. على سريرهما الشاهد لجميع تفاصيل التوحد الأول، استلقيا بقهقات تملأ المكان فرحاً ونزق. قريبين كما يجب لحبيبين في ميدان الغرام أن يتقاربا يرقدان. ردفها الممتلئ يجلس بسكون مطمئن على شقه الأيمن ليتمكن خدها الأملس البراق من النزول ليس بعيداً عن الصدر المتنهد. ومن هناك تعبث أناملها الرقيقة بشعيرات صدره الشحيحات، كانت دافئة وشهية مثل بيتزا طازجة. بيد مقصرة ضغط على زر تشغيل المسجل القابع على المنضدة في الاتجاه الآخر من جنته؛ فخرج صوت “الحوت” صافياً يحمل كل أمجاد الحب ودلال الحبيبات. وبذات اليد طلب النجدة من المروحة الصغيرة الجوالة، علها تستطيع باتحادها مع مروحة السقف تهدئة ثورة الشمس النهارية، صوت المسجل ذي الموسيقى الآسرة يملأ المكان، تقول سلوى:

     – حـ نزور ناس ماما متين.

      فيجيب:

     – وقت ما إنتي عايزة.

     – أشتقت ليهم والله.

     – وأنا معاك ومشتاق ليك ياخ، عايزك جواي ياخ، أدخليني يا نسمة الروح.

     “ما تشوفي يا نظرات .. كيف القوام مياس…” صوت محمود عبد العزيز يقطع الحوار فيدندن معه ناظراً إلى عينيها الجملتين، تبتسم ببهاء وهي تقترب أكثر ليلتصق خديهما ببعض، فتذوبهما لوعة الموسيقى الشجية، ثم رويداً رويداً تتجاوز أنفاسها أنفاسه لتسبح في عالم أخر، ثم تنفرج شفتاها اللدنتان وتعلنا عن ابتسامتهما الأبدية التي تخبر عن شيء واحد، شيء كئيب وبارد هو الموت وتشهد شوارع الحي انتصاب خيمتا عزاء. يسترجع ذلك بكل تؤدة ووثوق. يختبر ذاكرته المشوشة. يستجديها حقيقة أخرى غير تلك التي تحتفظ بها؛ فيخبره صرير الجنادب بأن ذلك مستحيلاً. يلتفت يميناً ليسأل إحساسه الذي اختبر لدن جسدها تواً؛ فيؤكد له حقيقته التي يريد.

     “نحن غرباء” لم أفكر في الأمر قبلاً، لم أكن لأتخيل انها ستمر من أمامي ببرود الغرباء، بشرودهم وحيادهم الماسخ، ولكنها فعلت لأن سنوات الموت الماجنة عملت على مسح خطوط الوصل. سنتان من الغياب في سماء المدينة النهرية الوادعة كفيلة بأن تجعل اللقيا عابرة، سنتان صبت على كتفها كل ما جمعت الأيام من برود، ولكن هل ينزل أهل السماء فقط ليبثوا البرود العابر على القلوب؟ لا، الموتى لا يعيرون الأحياء نظرات محايدة. سلوى لم تغب في حُجُب الموت، وإنما أخذها فيضان البرود الماسخ ليرميها بالضفة الأخرى.

     لا لم تمت سلوى إنها ها هناك بين زحام العابرين. لا، لابد من أنها عبرت الضفة. نعم، هي هناك. على الضفة الأخرى، لم نكن غرباء يوماً يا سلواي ودنيتي، لم نكن كذلك وسوف لن يستطيع نهر بليد مثل الذي بيننا أن يفرقنا، نعم  سأهزمه. سوف أغوص أعماقه لأجلك.  متجاوزاً كل نزوق تلبده امواجه وكل وتواطؤٍ للضفاف. ها أنا ذا قادم يا سلواي الأبدية”.

عن دهب تلبو

mm
قاص وشاعر من السودان