الرئيسية / احدث التدوينات / سيناريو لوحة لريشة عمرها أربعة عشر عاماً

سيناريو لوحة لريشة عمرها أربعة عشر عاماً

طفلة الحرب

      وتقرأ في حلمها… أسمرا وأنا… ثم (هو)… ليس حبيباً بُعداً إنسانياً… حبيبي الذي أحتاج (بُعد إنساني)… يعشق كوني إنسانة… ثم يعشق كوني من أرض هي أسمرا… أنا أنثى تحتاج لذلك… محاصرة كوني أنثى بالحرب، تدفعني للبحث عن كوني إنسانة، وليس بحثاً عن عاشق لأكون عاشقة… في الحرب، والخوف والمحاصرة… ثم القلق تبحث الأنثى عن حلم أنها (إنسانة)… الحرب القديمة مازالت في وجداني.. وجدان أمي وأختي.. الأنثى تحتضن ذكريات الأسى من الحرب أكثر من الرجل… في قلبها تفاصيل خوف عظيم، وفي عقلها صوت الحرب الذي يصرخ فيها: (ليس لكم إلا الحرب)… والآن، ليس معنا الحرب، لكن معنا عقلها في عقلنا، صوتها، خوفها، قلقها، الحرب منذ الطلقة الأولى وحتى لو أصبحت سلاماً لا تتوقف عن الحركة داخل الأنثى، الحرب تُكثِف من عمقها في الأنثى، لأنها تعرف كيف تكون مؤلمة لها بكل كفاءة…

      وأنا طفلة صغيرة، كنت أظن أن الحرب إنسان يعرف أن يحقد وأن يحاصرنا، وفي سري بغضتُ الحرب، بل ووضعتها كعدو، خيالي الطفولي جعلني كاتبة في وجداني، لم أكن أكتب ذلك على الورق لأني لم أدخل المدرسة بعد، لكنه كوَّن في روحي خاصية كتابة وجدانية، غير مكتوبة، وإنما نبضات محسوسة، أحسها أنا فقط، قلق وخوف يقتلان نفسي، ونفس كل طفلة وأنثى… كنت أحس أن الحرب صديقة للرجل، لو حاصرته فسيكون ذلك ضعيفاً، لكنها مع الأنثى قاسية لحد لا يوصف، لماذا ذلك، عقلي وقلبي لم يعرفا الإجابة يومها… ثم وأنا فتاة، أكتب للحرب في كراستي التي أحياناً أحتضنها خوفاً من ضياعها ساعة صوت الرصاص، وكانت أمي تقول لي: ستموتين بالكراسة هذه، وكنت أقول لنفسي: لأنها حياتي… كتبت مرة: (أين أنتَ يا صانع الحرب؟)… ثم هاجرنا… الوعي أخذني لفهم أن الحرب لها صانع، وصُناع، ثم ضحايا وضحايا…

     في سن الرابعة عشرة، كنت أسمع عن حكاية الحرب مع أختي الكبيرة التي ذهبت مع المحاربين ثم عادوا بنصف حياة، هكذا قالت أمي… كنت أراها صامتة، وأنا ألعب طفلة قربها، لكنها لم تكن تتحدث معي كثيراً… واسأل أمي: ما بها أختي، فتقول: عادت من الحرب..!! ووضعت في عقلي مقدمة لخوفي الواسع من الحرب، هذه هي بعد عودتها، فكيف كانت هناك، ماذا حدث لها؟. سمعت أمي يوماً تتحدث معها: هل أنتِ بخير؟ فنظرتْ لأمي صامتة، كنت أريد أن أجاوب نيابة عنها بأنها ليست بخير، الحرب ليس معها خير، يا ليت أمي كانت تسألها هكذا: كيف أنتِ مع الموت، أمي لم تكن تعلم بأن ابنتها الكبرى ميتة لكنها تعيش بيننا، أنا أنثى وأعرف ذلك… هي ميتة، ولكن أمي تريد لها الحياة، وهي ترفض الحياة بالصمت الطويل الدائم، ترفضها بالكامل… أسرتي لم تكن تعرف ذلك… عرفت أنا ذلك بعد أن كبرت، كنت أحاور حزنها وقلقها وخوفها من كل شيء ومن اللا شيء، كنت أحس بأنها مذعورة حتى من صوت الباب عندما يغلق، أو يفتح، تخاف حركة أمي داخل غرفتها، لا تتحرك كثيراً خارج غرفتها، أحياناً ترسم، ترسم وجوهاً كثيرة ومتداخلة، لا أتبين معالمها، قلت لنفسي: هل الحرب هكذا، تجعل الوجوه متداخلة، الخوف نفسه يفعل ذلك، وجه أمي ووجه أختي ووجهي أنا تتداخل مع بعضها البعض، الخوف يصنع من كل وجه زاوية تجدها بذات الخوف في الوجه الثاني وهكذا… كل لوحة ترسمها كانت كذلك… وجوه لرجال فقط… قلت لنفسي: ربما لا تريد أن تتذكرهم هي، ربما صنعوا الخوف لها وفيها، هل هم قاتلون، أم مُعذِبِون، أم غير ذلك… مرة وجدت لها لوحة لثلاث وجوه رجالية، كل وجه متداخل مع الآخر، كانت تنظر لها كثيراً وأنا أقف خلفها من غير أن تحس بي، ثم قذفتْ بلون أسود على اللوحة بحركة غضب أحسست بها عنيفة، فأصبحتْ (شظايا)… قلت لنفسي: هي تمارس الانتقام بالرسم من رجال في الحرب… ماهي قصة هؤلاء الرجال معها… هل أسألها… أخاف ذلك… أخاف من كل شيء… كلنا نخاف… أنا وهي وأمي… وبيتنا يخاف كذلك، رغم أنه في وطن ثاني… اعلموا أننا هاجرنا لوطن جديد، مع أمي، قالت :هذا هو وطننا، لن نعرف الحرب هنا، كان مطلبها وطن بلا حرب… هاجرنا… مازالت أختي الكبرى هناك مع الحرب، هي ليست بيننا، تعيش هناك مع الحرب… معنا هنا لترسم وجوهاً تم تقذف بلون أسود عليها… هي معنا لتمارس انتقاماً تاريخياً… لا أدري، هل من الحرب أم من رجال في الحرب… أما أنا فأمارس فقط مراقبتها، ومراقبة أمي عندما تجلس وحيدة، وتنزل منها دمعات كثيرة… وجه أمي لوحة صامتة بالدمعات… وجه أختي لوحة خوف… وجهي أنا بين خوف وخوف… فكيف لي بحلمي وتحقيقه… حلم أسمرا… لا حلم مع الحرب القديمة المتجددة فينا خوفاً وقلقاً ودمعات…

عن هيثم الطيب الفقي

mm
صحافي وناقد سوداني متخصص في الفنون الأدائية...دبلوم عالي في الصحافة التنموية.. معهد البنك الدولي،واشنطن