الرئيسية / احدث التدوينات / سينما : العائد The Revenant

سينما : العائد The Revenant

1460145104

” طالما يمكنك التنفس .. قاوم “

” أنتم سرقتم منا الأرض والحيوانات و النهر و الحياة “..

” اكتشفت أن القدير ما هو إلا سنجاب ضخم…”.

” أنا لا أنتقم… الإله يفعل.. “

يخطئ من يعتقد أن العائد مجرد فيلم عن البطل الذي يقاوم آلامه و جراحه و يعود لينتقم ممن خانه و قتل ابنه…

الأمر أعمق قليلًا… في الفيلم رسالة أو عدة رسائل خفية..

علاقة الإنسان بالطبيعة.. هل يولد الإنسان من جديد عندما يتوحد مع الطبيعة و كائناتها؟!

من المتحضر؟! و من الهمجي؟!

الإنسان أم الحيوان ؟! الرجل الأبيض أم الهندي الأحمر صاحب الأرض؟!!

هل قدرات الإنسان تتوقف عند حد؟! أم أنه هو نفسه لا يدرك كم يستطيع و ما يستطيع؟!!

لماذا يصر القاتل/ الخائن/ناقض العهد على رفع راية الإله دائمًا ؟!!!

ملخص قصة الفيلم ..

“هيو جلاس” صياد الفراء ودليل لبعثات الصيادين البيض الأمريكيين.. لديه ابن “هوك” من زوجة هندية من قبيلة “البوني” قتلت في إحدى غارات البيض..

وبعد رحلة الصيد الوفير و أثناء الإعداد للرحيل تغير على البعثة مجموعة هندية من قبيلة “الراي” لتستولي على الفراء لصالح مجموعة فرنسية منافسة نظير مقايضة على الخيول التي يحتاجها الزعيم الهندي في رحلته للبحث عن ابنته المخطوفة والتي يتضح في النهاية أنها مخطوفة من نفس المجموعة..

وبعد معركة شرسة وفقدان عدد كبير من الرجال من كلا الطرفين تنتهي بهرب القائد “أندرو” ومجموعة من الرجال منهم هيو و ولده و الفتى “جيم” و “جون” الذي لا يكف عن الشكوى ويكره هيو بلا سبب واضح إلا عنصريته ويواصل الإساءة إليه و إلى ولده … وعبر رحلة الهروب في الغابة وعبر الجبال. يتعرض هيو لحادث من قبل دب “أرجح أنها أنثى” وسأذكر لماذا لاحقًا .. تمزق جسده بمعركة شرسة ليصاب بجروح و كسور قاتلة وينتظر الموت في أية لحظة.. يطلب القائد بقاء أحدهم معه نظير مبلغ إضافي من شركة الفراء.. وينبري جيم للبقاء بلا مقابل مع هوك، و جون نفسه طمعًا في المكافأة يقسم أن يهتم بهيو وأن يدفنه لائقًا إكرامًا لحمايته لهم و إرشاده ..

لكن.. جون يحاول اقناع هيو أن يقتله تخفيفًا عليه.. يستسلم هيو برمش عينيه فهو لا ينطق بعد جرح أحباله الصوتية في صراعه مع الدب.. وعندما يراه هوك يهجم عليه فيقتله جون و يدفنه و يدعي لجيم أنه اختفى و أن قبيلة الراي تحوم حول المكان و يقنعه بترك هيو يلقى مصيره بعد أن يتركه في القبر حيًا.. ليهربا سويًا…

يستفيق هيو و يقاوم ليصل لجثة ابنه المطمورة بالثلوج وينام بقربها ثم يستيقظ لتبدأ رحلة عودته ليمضي في رحلة طولها 320 كيلومترًا أغلبها زحفاً فوق الثلج رغبة في الانتقام من الخائن جون..

بعد رحلة مستحيلة قاسية تعثر عليه البعثة و تتضح الحقيقة ويخرج القائد أندرو و هيو للامساك بجون الذي يقتل القائد و تقوم معركة أخيرة متكافئة بينه وبين هيو تنتهي بأن يعلن هيو عن عدم رغبته في الانتقام ليتركه تحت أقدام خيول الزعيم الهندي الذي عادت له ابنته بعد أن ساعدها هيو في الهرب من البعثة الفرنسية أثناء عودته..

وهنا يأتي انتقام الإله الذي تحدث به هيو ويقتل جون بأيدي الهنود.. و يبقى هيو دامع العينين ناظرًا لشبح امرأته الهندية التي كانت مرشدًا له طوال الرحلة..

القصة تبدو عادية .. و لكن تناولها مختلف.. رسائلها الخفية مرمزة..

رموزها بصرية/ صوتية

الصورة حيث تلعب الكاميرا دور البطولة هنا وتقوم به بإبداع.. خلال إيقاع الفيلم والصورة التأملية للطبيعة ومناظرها من خلال ديكور الفيلم و التصوير في الإضاءة الطبيعية و في أجواء قاسية بغابات كندا و الأرجنتين بكادرات متنوعة ومختلفة وزواياها غنية معبرة بتكنيكات التصوير المعقدة، الكاميرا حاربت المعركة و تشبعت بضباب أنفاس الدب و تلطخت بقطرات الدم.. زحفت مع هيو وطارت وقفزت فوق الحصان وهو يجري، وسقطت من جبل شاهق سقوطًا حرًا.. وسارت فوق المياه وجرت مع الشلالات وبين أشجار الغابة وتسلقت جبال وسارت على الجليد أمام هيو فبدا كنقطة فوق سراب..

حتى الإبهار التكنولوجي ببعض المَشاهد لا يستطيع المُشاهد العادي الإحساس به خلال متابعة الفيلم..

الصوت من خلال المكساج “دمج الأصوات” بين أصوات الطبيعة الرياح/ الطيور/المياه/ العاصفة الثلجية و الموسيقى التصويرية و صوت زوجة هيو القادم بين الحين و الآخر يحكي عن الرياح وصمودك أمامها، و صوت هيو وهو يطلب من ابنه المقاومة طالما يتنفس..

علاقة الإنسان بالطبيعة والصراع بين الإنسان و الإنسان/الحيوان بمساعدة الطبيعة “الأم”

و قدرات الإنسان التي تظهر عندما يتوحد مع الطبيعة و كائناتها. .

هيو ليس بطلا خارقًا.. بل هو الإنسان الذي انتقلت له روح الدب بعد أن قتله ..

هنا تجدر الإشارة إلى طبيعة الثقافة الهندية التي تعنى بتوحد الإنسان مع الحيوان .. زوجة هيو عندما قتلت في الغارة خرج من صدرها عصفور صغير رمزًا لروحها التي تشبه العصفور..

نعود لهيو الذي حارب معركتيه البقاء/العودة بقانون الغابة قانون الدب الذي توحد معه ..

خرج هيو من القبر زحفًا و كأنه خرج للتو من رحم أمه الأرض/الطبيعة.. و تناول نخاع الدب و ارتدى فرائه و تقلد أنيابه في عنقه ليصبح هو الدب… واصل رحلته حبوًا ولم يستطع المشي إلا عندما سقط بالنهر وجرى مع الشلال خرج من النهر بعد أن تعمد بمياهه التي منحته قوة الطبيعة و سرعت من شفائه..

قام بكي جرح عنقه بالأعشاب الجافة الملفوفة على فرع شجرة بعد أن أشعل النار بالحجر.. أكل السمكة نيئة من النهر مباشرة بعد أن اصطادها بيده و أكل من لحم الجاموس البري نيئًا (كبده في الحقيقة) بعد أن ألقاه له الهندي الذي صادفه برحلته و ساعده وكان خير من ابن جنسه الأبيض الذي تركه ليموت… أمضى معه جزء من الرحلة و تناول معه ماء المطر يستقبله بلسانه ويضحكا كالصغار. . صنع له الهندي وعاءً ثلجيًا محاطًا بفروع الشجر المشتعلة ليضمد جراحه الملتهبة بأعشاب طبيعية..

رقد هيو داخل حصانه الذي سقط به من جرف عال ليموت الحصان على الفور بينما خفف سقوط هيو على الشجرة و الوقوع من خلال فروعها المتشابكة من حدة السقطة ليقوم هيو و يشق الحصان مخرجًا أحشاؤه و متجردًا من ملابسه لينام داخل الحصان ينل الدفء في الليلة العاصفة..

من المتحضر و من الهمجي؟!! ومن يؤمن بالإله؟!! أهو هذا البدائي الذي يؤمن بالروح الكلي روح الإله التي تتمثل في جميع مخلوقاته و يقول أنه لن ينتقم لأن الإله هو من يفعل!!

أم هذا الذي يدعي التحضر و يدين بدين سماوي يرتكب كل الشرور و يدعي أنها إرادة القدير..

جون الخائن أكثر همجية من الهنود.. فنفسه حقود و نزعته شريرة .. خائن أقسم كذبًا و سرق و قتل… لا يتورع عن أي فعل في سبيل تحقيق ما يريد.. وكل مرة يقول القدير يفعل.. هذه إرادته.. لنكتشف أن القدير ليس في نظره إلا كما حكى فيما رواه عن والده الذي عضه الجوع بعد رحلة قاسية ليجد القدير في وسط الصحراء.. و ما كان إلا سنجاب ضخم اصطاده و أكله..

و الرجال الفرنسيون همجيون قتلوا الهندي الذي رافق هيو بعد أن كانوا قد قتلوا عائلته غدرًا وعلقوا على صدره لافتة خشبية كتبوا عليها

“كلنا همجيون”..

هم نفس الرجال الذين رفضوا إعطاء الخيول للزعيم الهندي نقضًا للعهد الذي أبرموه معه بعد سرقة الفراء من جماعة هيو بحجة أن الفراء مختوم و أنهم سيبيعونه بنصف الثمن..

وهم من خطفوا الفتاة من والدها ليتناوبوا اغتصابها إلى أن ينقذها هيو برحلة عودته..

هيو و القائد أندرو و الزعيم الهندي و جيم و الدب جميعهم أكثر تحضرًا يقدرون قيمة العائلة و العلاقات المتبادلة ويسعون لأجل الحفاظ عليها.. أندرو عرض المكافأة فقط لمن يبقى مع هيو حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة و يدفن بطريقة لائقة..

وجيم قال سأبقى بلا مكافأة لأنه يقدر صداقة هيو.. ترك له حافظة الماء رغم علمه أنه سيموت سريعًا وربما لا يحتاجها..

أما “الدب” و الذي أرجح أنها أنثى نظرًا لطريقتها في القتال مع هيو.. الأم هي التي تبقى مع الدياسم الصغار و هي ما هاجمت هيو إلا لظنها أنه يريد بصغارها سوءًا.. لقد كانت شرسة شراسة أم حارسة لا وحش مفترس..

وقد كان مشهد المعركة من أجمل مشاهد الفيلم و أروعها رغم قسوته..

بمعايير السينما توم هاردي “جون” هو المقابل ل ليوناردو دي كابريو “هيو” كبطل و بطل مساعد.. بينما في هذا الفيلم أرى

أن البطل المساعد الذي ينافس ليو على الأوسكار هو الدب “الأنثى” قال أحد النقاد :

“ربما يستحق المصوتون لمنح جوائز الأوسكار أن يهاجمهم دب هم أنفسهم، إذا لم يمنحوا ليو الجائزة”.

إن المصور لوبزكي قام بأخذ لقطات مقارنة و مقاربة بين هيو و الدب بزاوية منخفضة ليظهر كلاهما ككائن ضخم عيونه ممتلئة بالتصميم و الحنو..

كلاهما تنفس في العدسة فأصبحت ضبابية أثناء القتال.. كما تناثرت الدماء من غريميهما على العدسة هيو في معركته مع الدب/ جون في معركته مع هيو..

“الفيلم القليل الحوارات الذي اعتمد كليا على تمثيل ليو الصامت و الطبيعة الصارخة الجمال الشديدة القسوة و الحنو في آن.. أليست هي الأم لكليهما؟! هيو/ الدب…”.

نشعر بالبرد و الصقيع و الوحشة و أصوات الطبيعة الصارخة.. و المشاهد المتعاقبة بين الحقيقة و الخيال و أحلام هيو بين النوم و اليقظة.. و التعاطف مع الهنود أصحاب الأرض رغم وحشيتهم أو بدائيتهم… و الإحساس بكراهية الخائن القاتل جون المتلفع برداء الدين بلا مبرر..

الفيلم باختصار ملحمة..

كان قائدها المخرج جونزاليز ذلك المتميز و مساعده مدير التصوير لوبزكي..

نعم تمنيت أن يحصل ليوناردو دي كابريو على جائزة الأوسكار..

رغم أن أدائه في الفيلم قد يبدو للبعض ليس على نفس مستوى أدواره السابقة..

لكن…

بالنسبة لي قدرته على التعبير الصامت طوال رحلة العودة زحفًا بقسمات وجهه و نظرات عينيه..

هي ما يستحق عنه الجائزة إن لم تكن تقديرًا لأدواره السابقة والتي استحق عنها الأوسكار ولم ينله..

ولا يفوتني أن أعلن إعجابي بأداء الدب.. الذي يستحق أوسكار خاصة… لأنه ببساطة رمز

لعالم يحتاج منا إعادة اكتشاف..

و فاز ليو بالأوسكار…. كما فازت الطبيعة بالناشط الدؤوب ليوناردو دي كابريو

 

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .