الرئيسية / احدث التدوينات / سينما: صراع العروش: أغنية الدروس والحياة

سينما: صراع العروش: أغنية الدروس والحياة

عثمان

     في السابع والعشرين من شهر أغسطس قامت شركة (H BO) بعرض الحلقة الاخيرة، من الجزء السابع لمسلسل ( صراع العروش) – ملحمة الجليد والنار-، المُقتبس من سلسلة روايات (أغنية من جليد ونار) للكاتب الأمريكي (جورج. آر. آر. مارتن) والتي تُصنّف ضمن أدب الخيال العلمي والفنتازيا.

     المسلسل يحتوي على سبعة أجزاء حتى الآن وجزء ثامن قيد التصوير. كل جزء يحتوي على عشرة حلقات، عدا الجزء السابع الذي يحتوي على سبعة حلقات. وبمتوسط 50 دقيقة للحلقة الواحدة، عدا الجزء السابع الذي تجاوزت بعض الحلقات 60 دقيقة وتعتبر اطول الحلقات في تاريخ السلسلة.

     الجدير بالذكر أن أول موسم من هذا المسلسل تم عرضه في العام 2011، بمشاركة عدد ضخم من ألمع الممثلين مثل بيتر دنكليج، ونيكولاي كوستر، ولينا هيدي، وإميليا كلارك، وكيت هارينغتون، باعتبارهم الممثلين الرئيسيين. وطاقم تصوير واخراج متميّز. الحلقات قام بكتابتها كل من (ديفيد بينيوف، دانيال وايفز) وشارك مارتن أيضاً بكتابة حلقة كل موسم.

     ملخص المسلسل بحسب موقع وكيبيديا، أنّه يحكي عن قارّتين خياليتين هما ويستروس وإيسوس في نهاية صيف طويل جداً أمتد لعقد من الزمن، حيث تتصارع سبعُ عائلات للسيطرة على العرش الحديدي للممالك السبعة، من جهة أخرى، يتنامى الخطر على الممالك من جهة الشمال المتجمد تجسده مخلوقات خيالية. يتناول المسلسل من خلال شخصياته الغامضة قضايا عديدة، المراتب الاجتماعية والدين والحرب الأهلية والجنس والجريمة وعقابها والولاء والعدالة.

     وتجربتي الشخصية في متابعة هذه الحلقات تحصلت على متعة لا نهائية فيها؛ مٙكمٙن المتعة هو الفٙنّتازيا المُدهشة التي تحويها احداث المسلسل والرواية بالطبع. رغم أني لم أقرأ الرواية المكوّنة من ستة أجزاء إلى الآن. حيث قام المترجم المصري هشام فهمي بترجمة اثنين منها.

     تتجلى المتعة في متابعة تلك العوالم المتخيلة التي ابتدعها عقل الكاتب جورج مارتن، مثل عوالم الجّدار الجليدي، المٙوتى السائرون، أولئك المتحدون مع الحيوانات، شخصية الغراب ذو الثلاثة أعين الذي له القدرة على استدعاء الماضي وتوقع المستقبل، والتنانين التي تنفث النار. أضف إلى ذلك لغة الحوار والتي رغم أنها الإنجليزية في معظم المحادثات إلا أنه توجد لغات اخرى مثل لغة قبائل الدوثكي وهي لغة قام مارتن بإبتداعها. واللغة التي يتحدث بها ملك الليل مع الموتى البيض. إن وجود مثل هذه الاشياء كفيل بأن يشحذ ذهن المتابع، ويمنحه حرية التحليق عالياً في دنيا الخيال، بما يُمكّنه من خلق عوالم موازية في ذهنه أو المكوث طويلاً في عوالم المسلسل، وهو بالضبط ما يجب أن يحققه لنا الأدب؛ بخروجه عن المألوف.

      هنالك شيء آخر يمكن ملاحظته من خلال سير احداث المسلسل، وهو الصراع الأزلي والدائم بين قُوى الخير وقوة الشر والذي ينتصر فيه الخير وإن طال الأمد. كما يحفُل المسلسل أيضاً بقيم الوفاء والعدل والخيانة والشرف والغٙدر، وهي أشياء قلّما تجتمع في عمل واحد.

      دائماً نبحث بشغف في ثنايا أيّ عمل أدبي أو سينمائي عن البطل أو الشخصية المحورية وهو الشيء الذي نفتقده في (صراع العروش)، حيث أن كل شخصية هي شخصية محورية ولها مدى تأثير لا تتعداه، وبلا مُغالاة. وفي اعتقادي الشخصي أنّ الشخصية المحورية هي الكاتب نفسه، والذي عندما سُئل عن سبب قتله للشخصيات التي يكون لها تأثير واضح، ثم خلق شخصيات جديدة، قال بأنه يريد تغيير النظرة النمطية للبطل الذي لا يُقهر حسب العرف السينمائي السائد، وأن يٙكسر ميزة التٙوقّع لدي القارئ والمتابع.

     ارتبط لدينا الأدب غالباً بالمثالية، وهو شيء قام مارتن بتجاوزه أيضاً، وأكاد أجزم أنه أكثر الأعمال الأدبية والسينمائية جراءة في عرض المجتمع البشري وسلوكياته، فنجد شخصيات مثل (السٙحرة، الشواذ جنسياً، الأبطال الرائعين، الخائنين والجبناء، زُناة المحارم، المتشددين ديناً، عٙبدة الآلهة المتعددة، اللادنيين، المثقفين، المشعوذين وعبدة النار، والمؤمنين بقوى الطبيعة… الخ) وهي شخصيات تُمثّل مكونات المجتمع البشري الحقيقي، وبذلك يكون الكاتب قد قدّم لنا كل المجتمع البشري في طاولة واحدة.

     مؤكد أن هذه ليس تجربتي الأولى مع الأعمال السينمائية الطويلة، أو تلك التي تم تحويلها من نصوص مكتوبة إلى نصوص متحرّكة (سينما، مسرح)، ولن تكون الأخيرة بطبيعة الحال، ولكنّها تظل هي التجربة الأعمق أثراً، بالفرضيات التي ذكرتها سابقاً، والتي بالتأكيد تحتاج إلى إضافات أخرى.

عن عثمان الشيخ

mm
كاتب من السودان