الرئيسية / احدث التدوينات / سينما: فيلم Dunkirk: مستوى جديد لكريستوفر نولان ولأفلام الحروب.

سينما: فيلم Dunkirk: مستوى جديد لكريستوفر نولان ولأفلام الحروب.

21269886_1796214930391875_261219273_n

      في يونيو الماضي بدأ عرض الفيلم المنتظر Dunkirk، آخر أعمال المخرج البريطاني Christopher Nolan. الفيلم يعرض أحداث من عملية إجلاء القوات البريطانية وعدد من قوات الحلفاء، من ميناء دنكيرك الفرنسي في الحرب العالمية الثانية.

      أسباب انتظار الفيلم عديدة، منها مكانة نولان بين السينمائيين، كونه يُعتبر عند الكثير من الأفضل حالياً و – ربما – سيكون الأفضل في المستقبل. سبب آخر هو أنها المرة الأولى التي تكون فيها قصة وفكرة الفيلم مستوحاة من أحداث حقيقية، فأفلامه في غالبها أفكار وقصص من تأليفه وأخيه جوناثان أو مستوحاة من القصص المصورة – الكوميكس- كما في ثلاثية باتمان. سبب ثالث هو انفراد كريس بالكتابة – بعد Inception – بهذه الأسباب يصل الترقُّب أقصاه في سؤال: ماهي التوليفة التي سيخرج بها كريس من حدث تاريخي مهم ومن كتابته منفرداً؟

      الحرب العالمية الثانية كانت ولا زالت من أكثر الأحداث التاريخية التي تجسدت في السينما، ومادة خام لكبار المخرجين كونها تزدحم بالعديد من الأفكار والقيم والمشاعر والمواقف وتتجسد في أشكال مختلفة لها من ألطف الصور إلى أكثرها تطرفاً، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تم استخدام الحرب العالمية الثانية حد الإرهاق والاستهلاك من مختلف أنحاء العالم. هذين الجانبيَن يعيدان السؤال: ما المختلف الذي سيأتي به نولان؟

      أقرب إجابة أن الفيلم سيكون على شاكلة أفلام الحروب لـ Steven Spielberg كـ War Horse , Saving Private Ryan أو أفلامه التاريخية كـ Munich , Bridge of Spies , Lincoln  فالمشترك بينها هو الاهتمام المفرط بالتفاصيل ومحاكاة الواقع التاريخي بشكل يجعل هذه الأفلام أقرب للوثائقيات. تفاصيل مكانية وفي الشخصيات والأزياء وغيرها تحاول إعادة تصوير وربما – كتابة – الوقائع وتوثيقها من جديد في فيلم. سيادة أفلام سبيلبيرغ على مواسم الجوائز وحرفيته العالية – إن صح التعبير – وكثرتها هو ما يجعلنا نقترح هذه الإجابة لفيلم نولان القادم.

      أما إذا أردنا إجابة من داخل سياق أفلان نولان وأسلوبه فإن المتوقع أن يكون الفيلم امتداد لسلسلة اهتمام الأخوان نولان بالوعي الانساني وعلاقته بالعالم. ابتداءاً بالذاكرة واضطراباتها مروراً بالعلاقة بين الوهم والحقيقة ودخولاً في عالم الأحلام واللاوعي ثم قدرات الإنسان العقلية في العلم والتقنية وليس انتهاءاً بتساؤلات الانسان في ماهيته. من هذا السياق فإن المتوقع أن تكون الفكرة الأساسية للفيلم المنتظر هي وعي الانسان بالنهايات وتفاعله معها من خلال تجربة جنود الحلفاء في دنكريك.

     بعد صدور الفيلم صارت الإجابة الثانية هي الأقرب لما هو في الفيلم، وزاد عليه، فلنرى في التالي بعضاً مما جعل Dunkirk من أفضل أفلام نولان ومن أفضل الحروب على مر تاريخ السينما:

الحد الأدنى والضروري:

      اختيار هذه الحادثة من بين أحداث الحرب العالمية الثانية كان الخطوة الذكية الأولى من نولان، فبعيداً عن اعتبارات الحادثة التاريخية والاستراتيجية، فالذكاء يكمن في محدودية مكانها وزمانها ولكن كثافة تأثيرها، مما أدى عند تحويلها لفيلم إلى أن يكون أقل أفلام نولان من حيث المدة التي حدثت فيها القصة – أسبوع واحد فقط – ومن حيث مدة الفيلم نفسه، وأقلها من حيث الأماكن التي حدثت فيها – الشاطئ الفرنسي والبريطاني والمسافة بينهما بحراً وجواً -، ومن الأقل في ظهور أسماء الشخصيات وتفاصيلها، ومن أقل أفلام الحروب اهتماماً بالتفاصيل العسكرية من مراكز العمليات ورتب الضباط وتفاصيل حياة الجنود وعتادهم وغير ذلك. فنحن مثلاً لا نرى جندي ألماني واحد ولا نسمع لغتهم ولا نرى أماكن قواعدهم العسكرية، بل نكتفي بطائراتهم فقط، ولا حتى هتلر الذي يتفنن العديد في تجسيد شخصيته جديةً كانت أو سُخرية، حتى وإن كانت غير مهمة في سياق الأحداث. وفي الجانب الآخر لا نرى مراكز عمليات قوات الحلفاء ولا حتى تشرشل رئيس الوزراء البريطاني آنذاك. الحد الأدنى والضروري هنا كان وجود جنود محاصرين وآخرين يحصارونهم ويهاجموهم. إذاً نحن في حالة حرب وهذا هو المهم.

      بهذا الاكتفاء فإن نولان كسر عادتيَن في آن. الأولى نمط أفلام سبيلبيرغ الذي في الغالب ما يكون  بانورامياً – إن صح التعبير – فنحن ننتقل من بداية القصة في مدن وبلدان عديدة وأزمة طويلة وشخصيات متعددة معروضة بتفاصيل أسمائها ووظائفها وعاداتها وغير ذلك. هذا بالإضافة للتفاصيل الحربية في الاصابات والقتل كالمشهد الافتتاحي في Saving Private Rayan، أو حتى ما حدث في الفيلم الدموي بامتياز Hacksaw Ridge ، فـ Dunkirk نرى فيه الانفجارات والرصاص ولكن لا نكاد نرى بقعة دم واحدة ولا أشلاء متناثرة. ونرى فيه العدد الكبير من السفن ولكن لا نرى اهتمام بتفاصيلها وتركيز على كيفية قيادتها مثلاً أو ما بداخلها، هي موجودة لكن لا حاجة للتركيز عليها.

      أما العادة الثانية التي كسرها نولان بهذا الاكتفاء، فهي عادته الشخصية في أفلامه التي تكون مليئة بالأحداث والشخصيات والأماكن وطويلة في مدة حدوثها ومدة الفيلم. فبعيداً عن مكانة ثلاثية باتمان، فمما يعيبها كثرة الأحداث والأماكن وقصر اللقطات والمشاهد بشكل يجعل اللحاق بها أمراً صعباً ومربكاً، والانتقال بين الأحداث يكاد يكون غير متسق في بعض الأحيان ويخل من اتساق الفيلم ككل، هذا غير امتلائها بمشاهد غير مهمة لا تؤثر على الفيلم إن تم حذفها.

      هذا الاكتفاء تغلغل لتفاصيل بناء المشاهد، فبالرغم من استخدام كاميرا ال IMAX والتي تظهر أكثر مما تظهر غيرها، وجودتها أفضل من غيرها، إلا أن تكوين المشاهد كان بسيطاً، فمرة لا نجد في المشهد إلا السماء وطائرتين، ومرة لا نجد إلا عدد من الجنود وسفينة على الشاطئ، ومرة لا نجد إلا وجهاً مضطرباً، وغيرها من المشاهد البسيطة في تكوينها الكثيفة بما تحمله من تجربة واحساس وفكرة كالعزلة والحصار المفروض على جنود الحلفاء.

      هذا الاكتفاء تغلغل للحوارات كذلك، فنولان استخدم الصورة والموسيقى ليقول ما تقوله اللغة في الحوارات، فحدث كهذا تغلب عليه حركة الإنسان لينجو بحياته أكثر مما يتكلم، وإن تكلم فإنه يقول القليل، من هنا كان الفيلم أقرب للسينما من أي فيلم آخر لنولان وأبعد من الأدب والمسرح من أي فيلم أخر له كذلك.

القليل من التوثيق، الكثير من التجربة:

      هذا الاكتفاء بالحد الأدنى والضروري يصرف تركيز المتلقي عن الاهتمام بتفاصيل ينساها بعد المشاهدة، إلى التركيز على ما تحويه القصة من الأساس، وهي في هذا الفيلم تجربة الجندي المحاصر واحساسه بالعزلة وتنقله ما بين الأمل واليأس.

      فبعكس ما هو سائد فإن التركيز على احساس في تجربة داخل حدث داخل فصل في قصة كاملة هو أكثر تأثيراً في المتلقي وعمومية وتشاركاً بين الناس من النظرة المعاكسة التي تبدأ بالتركيز على القصة العامة وبنائها بكل تفاصيلها ثم إلى فصول القصة ثم الأحداث الصغيرة ثم التجارب ثم الأحاسيس المصاحبة لها وقد لا تصل هذا المستوى الأخير. إشكالية الطريقة الثانية أن تفاصيلها هذه بكثرتها تبني حجاباً أمام المتلقي يمنعه من الموصول للتجربة والاحساس بها، فبدلاً من أن يتشارك احساس الجندي في لحظة حرجة كهذه ويتعاطف معه ويشعر بوهل الحرب وجحيمها فإنه يبدأ بالانشغال بأمور أخرى كقراءة ترجمة اللغات المتعددة، أو متابعة الحوارات الطويلة والإشارات الخفية فيها، أو بالانتقال من مكان لآخر، أو بالانشغال بحفظ أسماء الشخصيات ورتبها، فيبدأ عقله بالإجهاد في محاولة اللحاق بالكم الهائل من المعلومات المعروضة أمامه، يتوتر ويضجر ويمل وربما ينسى ما حدث قبل دقائق. هذا التشتيت يفصل عقل المتلقي ومشاعره عن التجربة الأساسية. يجعل تفاعله مع أكثر من فكرة وعقله مبعثر هنا وهناك وحواسه منهكة.

      هذه سمة الأعمال التوثيقية، لكنها بعيدة عن السينما ارتباطاً وثيقاً والتي تريد إيصال تجارب محددة يتفاعل معها المتلقي ويرتبط بها.

      هذا القليل من التوثيق كان لصالح نولان الذي لا يريد أن ينقل للمتلقي احساس فيلم Saving Private Rayan،  فنحن أمام حالة مختلفة، عدم اليقين بما سيحدث لي في الثانية القادمة، فإن كنت على قيد الحياة الآن فلا أضمن ذلك بعد لحظة، إن كنت ممن سمحوا لهم الدخول لسفينة الإخلاء الآن فلا ضامن أن أدخلها، وإن كنت دخلتها فلا ضامن أن تتحرك قبل أن تُقصف، وإن كانت تحركت فلا ضامن أن تصل إلى الشواطئ الإنجليزية. فنولان يكرر الحدث تلو الآخر، ولكن بوتيرة ثابتة من التغيرات، ومحتوى واحد من التجربة والأحاسيس، هذه الحالة من عبَّر عنها Hans Zimmer موسيقياً في ملحمة استمرت طوال الفيلم بلا توقف، عبر عنها بدقات عقرب الثواني في الساعة، فإن كنت أنا حياً الآن ربما سأموت الثانية القادمة.

      فمع سبيلبيرغ عشنا توثيقاً متحيّزاً للحرب، ومع نولان عشنا تجربة انسانية قد تتكرر في أي حالة حرب لأي شخص جندي أو مدني في أي مكان من العالم، وفي أي زمان اليوم أو بالأمس أو غداً.

      الواقعية في السينما بأسلوب سبيلبيرغ عقيمة، فحجاب التفاصيل في الحياة صلب وكثيف ولا يستطيع كسره إلا مرهف الإحساس معايش للتجربة أو لمن عاشوها بحق يلغي كل الحدود التي تقيّد التجربة وتهدف لإظهار أمور أخرى.

مدنيون وجنود:

      إنْ تعددت الأفلام التي تصوّر طرفاً ملائكياً منقذاً للعالم وطرفاً شيطانياً، وإن تعددت الأفلام التي تحكي معاناة الجنود داخل الحرب، فإن الأفلام التي تحكي علاقة الجنود بالمدنيين واختلاف الأدوار وتبادلها نادرة، ومنها هذا الفيلم. فبعد أن صارت الأرض والبحر والسماء جحيماً لجنود الحلفاء، وبعد أن عجزت التعزيزات العسكرية عن انقاذهم، جاء الدور على المدنيين بقوارب صيدهم ورحلاتهم لإنقاذهم. فوسط هذا الجحيم هذا الوضع الـ “Apocalyptic” كان المدنيين يدخلون الميناء بلا أسلحة ولا حماية ولا أي تجهيز هم المنقذون للجنود بأسلحتهم وكامل عتادهم في مشهد متناقض يزيد من حالة الارتباك والتوتر للمتلقي التي تثبتت فيه مع عدم استقرار وضع الجنود.

      مشاهد تقاطع قوارب المدنيين قادمة من البلاد إلى الجحيم، وسفن الجيش خارجة منه من أفضل المشاهد التي نفذَّها نولان على الاطلاق، لا يصلح أن تكون إلا كما ظهرت عليه. مشهد احتماء الجنود داخل قارب صيد مدني، بدلاً من احتمائهم داخل السفن الحربية، وقرب القارب من خطوط العدو بدل من احتمائهم بمكان بعيد عنهم يعبر أكثر من أي أسلوب آخر عن انهيار منظومة الجيش بخططها وخرائطها وانضباطها وتصرفاتها المدروسة. ففي وسط هذا الجحيم لا سلطة لرتبة على أخرى كلٌ يريد النجاة والخروج من هذا الموت المعلَّق، تصرفات فردية عشوائية لدرجة أنه لا يوجد من يقوّي الآخر ويشد بأزره فمن يائس يستطيع المغادرة إلى البحر لينهي حياته كما حدث مع أحدهم.

     مشهد آخر بلغ ذروة التناقض والاضطراب هو موت جورج بالخطأ على يد أحد الجنود. جورج هذا الشاب الذي تحرك من منزله لمساعدة أبناء بلده يلقى حتفه على يد أحدهم، على يد الطيار الذي أنقذه هو ومن معه، فلا الطيار يقاتل العدو من طائرته ولا هو مسالم في وضعه، فيقتل خطأً!

صوت جديد:

      هذه النقطة لم أرد أن أعنونها بـ(موسيقى جديدة) فالصوت في السينما لا يقتصر على الموسيقى، وما فعله نولان هنا لا يقتصر على الموسيقى فقط. فبالإضافة لقلة الحوارات وبالتالي قلة الاعتماد على حاسة السمع هنا، والتركيز على التجربة البصرية، كانت هناك أصوات بديلة تحتاج للتركيز، كأصوات الرصاص والانفجارات فكل صوت له وقعه الخاص في إثبات تجربة عدم اليقين، فرصاصة واحدة تنهي الأمان، وانفجار في سفينة يُكتب الأفواه الضاحكة بالنجاة. أما الموسيقى فما فعله Hans Zimmer يختلف عن أي تجربة موسيقية قام بها هو أو غيره، فالسائد في أفلام الحروب – كأفلام سبيلبيرغ – هو استخدام الموسيقى لتعزيز أو خلق مشاعر من مواقف محددة، كالتي تعزز مشاعر الفخر بالبطل المنقذ، أو التي تعزز مشاعر الحزن على موته من مشهد لا يستطيع ايصال ذلك منفرداً. أما هنا فالموسيقى كانت جزءاً ضرورياً من المشهد لا معززة له ولا موحية بما ليس فيه، مصاحبة لكل لقطة من بداية الفيلم حتى نهايته. لم تكن مقطوعات منفصلة لمشاهد محددة ذات تأثير محدد بكل كان محمَّلة بكل التوترات والتناقضات الموجودة في المشاهد، فكما تفاجئك الرصاصة تفاجئك الموسيقى وكما يفاجئك سقوط السفينة بعد ابحارها تفاجئك الموسيقى بعد هدوئها وبطئها.

      وإذا كان رائعة مارتن سكورسيزي Silence هي درس صوتي بامتياز في الصمت، فهذا الفيلم هو درس صوتي في دمج الموسيقى والصورة بشكل يكاد يكون أقرب للمستحيل فصلهما. ولكل ما سبق فإن تقيمي للفلم هو 8.5 / 10

ـــــــــــــــــــ

*أكتفي بهذا القدر في الحديث عن اختلاف فيلم Dunkirk عن أفلام نولان السابقة وعن أفلام الحروب الأخرى، مع بقاء نقاط كثيرة لم أسلط عليها الضوء، كطريقة السرد للأحداث الثلاثة بحيث يعقب كل حدث الأخر زمنياً ويتأثر به… حيث تنتهي سلسلة الأحداث دائماً عند المدنيين فيصلحوا ما أفسدته الحرب هناك في دنكيرك.

***كذلك عدم اعتماد الفيلم على شخصية واحدة ذات اسم وقدرات في التمثيل، فبالرغم من احتواء الفيلم على نجوم كبار لكن الحالة العامة له كانت سائدة أكثر من سيادة نجم واحد بآدائه، الكل يدور في فلك الحالة لا الحالة تدور في فلك الممثل.

***مؤاخذتي على الفيلم في مشاهده الختامية، فقد مجَّد فيه الطيار البريطاني الذي أنقذ الجنود من هجوم آخر عليهم بأن جَعَله يضحي بنفسه من أجلهم حتى وإن كانت النتيجة اعتقاله من العدو. ومشهد الخطاب الذي تمت قراءته من الصحيفة ودمجه مع مشهد اعتقال الطيار… هذين المشهدين أراهما اضافة غير ضرورية للفيلم ومن دونهما لا يتأثر مضمونه. ولكن هذه بصمة نولان المعتادة ومن دونها لا نعرفه!

عن عدنان عوض

mm
طبيب وكاتب سوداني مهتم بالسينما