الرئيسية / احدث التدوينات / سينما : لماذا كان فيلم la la land معزيًا ؟

سينما : لماذا كان فيلم la la land معزيًا ؟

9

      هو فيلم ذو قصة بسيطة، شعرت براحة كبيرة وأنا أشاهده، وأظن أن السبب هو تلك المواقف التي عاشها  الأبطال، فمثلاً في مشهد تجربة الأداء، عندما تقوم البطلة بالتمثيل أمام لجنة تحكيم، تبدو غير مهتمة بما تفعله هي، بحيث تدخل سكرتيرة أحد لجان التحكيم، وتتحدث معه عن موعد الطعام، أو شيء ما، بينما هي كانت تبذل قصارى جهدها لتنجح في تجربة الأداء، وبعد أن تنتهي، يقول لها أحد الأعضاء الحكام: هذا يكفي، شكراً!.

     الكثيرون مروا بهذه التجربة، فهم في أعماقهم يشعرون أنهم أفضل ولهم الموهبة، لكن العالم لم يهتم بمواهبهم، مثل أن تشعر بأنك أذكى من المذيع التلفزيوني، وأكثر حكمة ونزاهة من رئيس الجمهورية.

      في هذا المشهد تتفهم مشاعر البطلة، فكلنا كنا أذلاء ذات مرة مع موظف حكومي نحتاج لمجرد توقعيه، والختم الذي فوق طاولته، وكنا بهذا الضعف في مقابلة عمل.

     العالم ليس عادلاً، فليس شرطاً أن تكون صاحب موهبة عظيمة لتنال حظاً من النجاح، يمكنك أن تكون ممثلاً عظيماً، لكن الأشخاص الذين يفترض بهم تقيم موهبتك كانوا مشغولين بشرب أكواب القهوة، أو التحدث مع  بعضهم، أو أن مزاجهم كان سيئاً، لهذا لم يعرفوا أنك ممثل عظيم.

     وكان البطل يحلم أن ينقذ موسيقى الجاز، وأن يفتح مطعماً تعزف فيه موسيقى الجاز الأصيلة، كان يعزف في مطعم على البيانو، لكن يغضبه أن الناس لا تصغي له، فهو يرى أن ما يعزفه شيء عظيم، ويستحق الاهتمام، لكنه كان بالنسبة لرواد المطعم مجرد رجل يعمل ليكون المكان جديراً بأن يجلسوا فيه، فعازف البيانو كان مثل البواب الذي يقود السيارة ليركنها في المرآب، أو الموظف الذي مهمته أن يعلق معاطف السيدات في مكانها المخصوص، وهو كان من ضمن هؤلاء.

     يقول  لها: أنظري، إنهم لا يصغون!

     وهو رأي رومانسي غبي، فلو  أنني  كنت مع صديق، ودخلنا مطعم فيه عازف على البيانو، فإنني أفضل أن أتحدث مع صديقي، على الإصغاء للموسيقى التي تصدر من البيانو.

     بطريقة ما، يبدو أن الناس يفضلون الإنغماس في الحياة بكل سطحيتها، على الانغماس في الفن.

     في النهاية يتخلى عن سلفيته الموسيقية، ويجرب شيئاً جديداً، ينجح فيه، فهو يعزف موسيقى لا يحبها، وقد كان يظن أن حبيبته تحب ما يعزف، ليفاجأ بأنها كانت تريد أن يعزف الموسيقى التي يحبها.

     نتغير من أجل من نحب، أو نتغير لنحب، نغير سمتنا، ومظهرنا، لنكون مقبولين اجتماعياً، تذوب الذات في الأخر، وفي الآخرين، ثم تضيع منك إلى الأبد، قليلون الذين يعرفون أنفسهم، ربما لا أحد يعرف نفسه.

     أحياناً يكون ثمن أن تكون ذاتك، هو أن تكون فقيراً مثل عازف البيانو، كان حقيقياً، لكنه لم يكن يملك مالاً، وعندما سلك درباً معوجاً وعزف موسيقى لا يحبها، نجح، وأصبح المال يجري في يديه؛ المال الذي كان يحتاجه ليحقق حلمه بافتتاح  مطعم جاز، تعزف فيه الموسيقى التي يحبها.

     قال لها: موسيقى الجاز تموت!

     بل الناس تموت، وتنشأ أجيال تحب موسيقى جديدة، وتكتب أدباً جديداً، وترتدي ملابس مختلفة، بل حضارات عظيمة تموت وتتغير.

     أجدني حزنت عندما نجحت البطلة، ولكن تزوجت رجلاً آخر، وبدت سعيدة معه، وقد أنجبت منه طفلة، إشارة لطول العلاقة وعمقها.

     ثم تشتري كابتشينو، وتصر عليها النادلة أن تشرب على حساب المحل، وتصر هي أن تدفع، ورأيها يمشي، لأنها الناجحة، أما النادلة المسكينة، فعليها أن تنتظر نجاحها الخاص.

    النهاية بالنسبة لي كانت مربكة، في النهاية قررت أن قصة الفيلم كلها لم تحدث إلا في خيالها.

     كأنما عازف البيانو الغاضب، والذي أحبت عزفه قد ألهمها كتابة رواية عنهما، مثل أن تنظر لفتاة جميلة، وتحلم  أنك تزوجتها، وعشت معها حياة سعيدة.

     فلو أنه منحها الفرصة لتحبه ويحبها، لما اضطرت  لأن تحلم، ويصبح  حلمها مادة لفيلم، أو مسرحية، أو رواية.

     الدرس المستفاد هو أن الحياة لا تكترث لقيمك الجمالية والثقافية، فلو كنت مكتبة عظيمة مثل مروي بوكشوب، لكن في بلاد يهتم الناس  بشراء الأحذية، ستختفي هذه المكتبة، وتصبح محلاً لبيع الأحذية.

      لتنجو، تحتاج لأن تخسر بعض رومانسيتك، بعض آرائك المتزمتة، مهما بدت مثالية.

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .