الرئيسية / احدث التدوينات / سينما : 2016 “لمحة عن أعمال كسرت السائد وأعمال التزمت به”

سينما : 2016 “لمحة عن أعمال كسرت السائد وأعمال التزمت به”

interior2361_352t

في تقرير للـ CNN عن أرباح الجزء الخامس من سلسلة Transformers  الذي صدر هذه الأيام 63% منها من الصين،وقد سجل أقل نسبة أرباح له في أمريكا مقارنة بالأجزاء الأربعة الماضية، قال في ذلك أحد المحللين أن هذه النسبة تعكس التوجه الربحي البحت في هوليوود، حيث تشكّل الصين بقرة حلوب لاستوديوهاتها والتي بالمقابل تلبي رغباتها بلا توقف، وهذا ما جعلنا نشاهد حتى الآن أجزاء جديدة لسلسلة Fast and Furious و Mission Impossible و Pirates of the Caribbean وغيرها، ويتوقع المحلل استمرارها لسنوات عديدة قادمة طالما هذه البقرة تدر الكثير من المال.

هذه الحالة المتطرفة الخاصة بالأفلام ذات الأجزاء المتعددة،لها حالة مشابهة مع الإنتاجات الجديدة فهناك توجه واضح لإنتاج أعمال تشبه أعمال سابقة لاقت رواجًا في قصتها أو أبطالها أو تقنيات إنتاجها وغير ذلك، كأفلام قصص الحب والتي يصعب التفريق بينها.

من ناحية أخرى كان عام 2016م مفاجئًا في ختامه بحفل الأوسكار الذي استبعد الكثير من الأعمال المهمة ومنح الجوائز لأعمال غير ناضجة ولا تستحق.

هذا التوجه نحو الربح ونسخ الأعمال الناجحة جماهيريًا واشتهار أفلام على حساب أخرى بسبب الجوائز يُلقي الضوء على أفلام ذات صفات محددة ويجعلها تتصدر مشهد السينما في العالم و يهمل أفلام أخرى لا تستوفي هذه الصفات. ولأن العائدات والتكرار والأوسكار ليسوا الحَكَم النهائي على أي عمل، صار الحديث عن أعمال ذات صفات مختلفة وعن أفضل الأعمال وأسوأها لابد له من الاستمرار.

اختلاف الجهات التي تشارك في هذا الحديث والتي تبرز ميزات وصفات جديدة يُلقي الضوء على ما لم يتم التركيز عليه، ويجعل مساحة الاختيار والتذوق والحكم أوسع وأكثر ثراءً كما يقوي ملكة التذوق والفحص لأعمال لاقت الإجماع بالقبول أو الرفض.

كل ذلك نحو تشكيل ذائقة شخصية والتقليل من مركزيات السينما، كمركزية هوليوود -وأعني بهوليوود هنا ليس مكان إنتاج الأفلام ولكن نمط الإنتاج الذي يتميز بالاستهلاكية وتلبية متطلبات السوق وغير ذلك- هذا التقليل يفتح الأفق لتقبل الأعمال باسم الفن والسينما وليس باسم معايير أخرى.

هذا المقال جزء من هذا الحديث المستمر ومساهمة فيه،سأذكر فيه عدد من الأعمال التي لها خصوصيتها، ولم تنتج على أساس السعي نحو الأرباح والرواج والجوائز مما يجعلها من أفضل أعمال السنة، وأخرى من الأسوأ برغم احتوائها على صفات محددة من رواج ممثلين أو قضايا أو موضوعات، مع تقييمها من (100).

شاهدت من إنتاج العام 2016 قرابة 50 فيلم، وهو عدد بسيط مقارنة بما يتم إنتاجه حول العالم كل عام، وهذا أمر جيّد لأني لم أحط بالكل وبالتالي يجعل حديثي من ضمن الأحاديث في هذا المجال لا الأخير فيها، ويضعه في مكانه الصحيح ويجعل الانتقال لغيره أسهل:

. The Salesman (2016) – Iran:

يكسر الفيلم أحد أهم الحواجز لتقبل ما هو سينمائي بعيدًا عن أي محددات مسبقة كاللغة، فاللغة ليست الإنجليزية كما تعودنا في أغلب ما نشاهد وليست العربية كما تعودنا حين نغيّر من الإنجليزية، بل هي الفارسية، وهي أول ما يُحسب للمخرج الإيراني أصغر فرهادي، فلا هو أراد الانتشار ولا الشهرة ولا العائدات باستيراده للغة غير لغته أو لقصة وسياق اجتماعي غير سياقه الخاص، بل عبّر عما هو شخصي ومهم بالنسبة له.

الأمر الآخر، والمستمر في جميع أفلامه، هو تحويل ما هو عادي ويومي إلى مختلف ومثير وفني، فهو لا ينقل الأحداث اليومية بشكل عشوائي وتوثيقي ولكنه يهتم بأدق تفاصيلها البصرية والقصصية، وباحترافية في التنفيذ. هذا التحويل وإن كان يبدو سهلًا لكنه من الأصعب، فأهم تحدي فيه هو كيف تجعل من مشاهدة التفاعل الإنساني اليومي تجربة فنية للمتلقي.

1 (1)

تقييمي: 8.3 / 10

. Silence (2016) – US:

يكسر المخرج الكبير Martin Scorsese بهذا الفيلم أحد أهم ما يتوقعه منه الكثير، فالمعروف عنه اشتهاره بأفلام الجريمة والمتوقع فيلم خليط من العصابات والفساد والعنف والجنس والمخدرات حتى تكتمل المتعة، لكن ما فعله على النقيض تمامًا، فيلم عن معاناة المبشرين المسيحيين في اليابان في القرن السابع عشر الميلادي ! ليس فيه أي مكون من مكونات الخلطة السحرية للمتعة، بل هو أبعد ما يكون عنها وأقرب ما يكون للعذاب والإرهاق النفسي أثناء مشاهدته، الفيلم الذي شغلت قصته سكورسيزي لـ 28 عامًا أراه هو الأفضل له في الألفية الجديدة من أصل سبعة أخرجها، وهو من الأفضل له في الإخراج بصريًا وصوتيًا ومن الأفضل في العام 2016.

لم يكسر سكورسيزي هذا فقط، بل لم يتنازل عن أي شيء لإيصال رؤيته ابتداءً بالجهد المبذول في مواقع التصوير وليس انتهاءً بمدة الفيلم ساعتيَن و41 دقيقة، عملية إنتاج بمعايير عالية قليل حدوثها في زمن اعتمد فيه الكثير على الاختصار والطرق السهلة وحتى غير الاحترافية في الإنتاج كدرس سينمائي بامتياز لكل من في المجال

لم يتوقف سكورسيزي هنا، بل واصل اهتمامه بالعمل في عرضه الأول الذي أقيم في الفاتيكان بحضور 400 من رجال الدين المسيحي، وبلقاء مع البابا فرانسيس للحديث عن الفيلم… هذا العرض الذي مر بهدوء بعيدًا عن وسائل الإعلام كما مر الفيلم من أيدي لجان الجوائز السينمائية !

2

تقييمي: 8 / 10

. Manchester By the Sea (2016) – US:

يكسر الفيلم ما يجذب العديد لأفلام مشابهة، وهو النهاية المثالية السعيدة التي صارت الاحتمال الوحيد لكل القصص،كسرها الفيلم فصار لحظة اعتراف بتغير حالات الإنسان التي من بينها الضعف وعدم المقدرة على تجاوز الماضي أحيانًا،لحظة أكثر إنسانية من اللحظات التي نشاهدها باستمرار في الأفلام والتي تكرِّس فينا عقلية البطولة والقدرات الخارقة،وإذا ما فشلنا فذلك ليس لأننا بشر نفشل ونضعف ونقوى ولكن لأن الضعف والفشل هو منقصة فينا وخطيئة منا.

مقالي بتفصيل أكثر عن هذا الاستثناء في قصة الفيلم في عدد شهر أبريل(https://goo.gl/Eql1nJ ).

3

تقييمي: 8.3 / 10

. Fences (2016) – US:

وجود Denzel Washington و Viola Davis في الفيلم،وقصته التي تدور حول أسرة من السود تعاني اقتصاديًا ومن العنصرية لا يحصّن الفيلم من النقد ولا من وصفه بأنه سيء.

من أهم ما يميز المسرح عن السينما هو الحوارات، بدونها يفقد المسرح أهم ركائزه. بالمقابل في السينما بإمكانك أن تخلق لقطات ومشاهد كاملة صامتة، تُحدِث تأثيرها الكامل فيك،دون حاجة حقيقية للحوارات، فالسينما تعتمد من بين ما تعتمد على التجربة والإحساس بها والتي يمكن التعبير عنها بوسائل إحداها اللغة، بينما المسرح يعتمد على اللغة في عكس التجربة ونقلها للجمهور. الأمثلة كثيرة ابتداءً من الأفلام الصامتة وليس انتهاءً بفيلم Silence حيث يحتوي العديد من اللقطات والمشاهد الصامتة.

إعجاب الكثير بالحوارات واقتباسها من الفيلم لا يعني الإعجاب بالفيلم كله، فهناك فرق بين (نص أدبي حواري) وبين(مشهد سينمائي). هذا الميول للاقتباسات يقلل ارتباطنا باللقطات والمشاهد وفي النهاية بالسينما، فاللقطة ومن ثم المشهد هي الوحدة الأساسية للسينما، وأحد محددات الفيلم المميز بالنسبة لي هو الذي يجعل ارتباطنا به ارتباط بالمشهد واللقطة لا ارتباط بالكثير من الاقتباسات فيه…

الأحداث الكثيرة في قصة الفيلم كانت فرصة ممتازة لخلق اللقطات والمشاهد منها، لكن ذلك لم يحدث بل تم حكيها عن طريق القاص (تروي)، فهو يتحدث باستمرار عن كل شيء عن شبابه وعن لقائه بزوجته وعن لقائه بالشيطان والموت وعن سجنه وتعرفه على (بونو) وعن أخيه وعن أحداث العمل وغير ذلك. حتى أن مشهد الاجتماع بينه وبين مسئوليه لم يكتمل،ليضعه تروي ضمن سلسلة حكاياه، حوارات طويلة أشبه بالمقابلات التلفزيونية أو بجلسة استماع لنص مسرحي!

الفراغ / مكان الأحداث كان في غالبه الفناء الخلفي للمنزل مع تبادل مكثف وطويل للحوارات وقليل من تعابير الجسد وقليل من حركة الممثلين.

الكاميرا لم تبذل مجهودًا في الانتقال المتواصل بين داخل المنزل وخارجه، بل كان داخل المنزل منفصلًا عن خارجه مما زاد من إحساس العزلة والانقسام الذي هو أشبه بالفاصل بين كل فصل وآخر في المسرحيات.

ثلاث مشاهد فقط خرجتُ منها بإحساس مشاهدة لفيلم:المشهد الافتتاحي، مشهد معرفة تروي بوفاة عشيقته، ومشهد موت تروي.

أظن أن دينزل -كمخرج للفيلم- أراد للفيلم أن يكون تحية وفاء واحترام لكاتب المسرحية الراحل وتوثيقًا لأحد أهم أعماله المسرحية، وخاتمة سعيدة لسنوات قضاها دينزل في أداء هذه المسرحية، ليقلب صفحتها أخيرًا.

4

تقييمي: 4 / 10

من خلال ما سبق، ذكرت ثلاثة أمثلة لأفلام كسرت السائد والمتوقع فلم يكن الفيلم الأول بلغة إنجليزية ولا من داخل سياق اجتماعي تعودنا أن نراه ونعيش مشاكله لكي يحصل على قيمته السينمائية، ولم يكن الثاني مما اعتاد عليه الجمهور من المخرج ولم يحقق الجوائز -برغم استحقاقه- لكي يحقق قيمته السينمائية، ولم يكن الثالث قصة مكررة تنتهي نهاية سعيدة لكي يحقق قيمته السينمائية، ولكن الثلاثة من أفضل انتاجات العام الماضي.

بالمقابل لم يكفي أنا يتناول الموضوع قصة أسرة من السود،السود الذين شغلوا الأوسكار في العام الماضي، ولم يكفي أن يكون فيه نجومًا لكي يحقق قيمته السينمائية. لا يستحق أي ترشيح لأفضل فيلم، وهو من أسوأ انتاجات العام الماضي.

هناك أمثلة كثيرة غير التي ذكرت لأفضل أفلام لم تلتزم بالمحددات الشائعة المسبقة كـ Tanna من استراليا، ولأسوأ أفلام التزمت بها كـ Me Before You من أمريكا.

عن عدنان عوض

mm
طبيب وكاتب سوداني مهتم بالسينما