الرئيسية / احدث التدوينات / سينما: Nostalgia: نافذة الغربة والحنين

سينما: Nostalgia: نافذة الغربة والحنين

عدنان

(١)

      كثيراً ما يدمج السينمائي الروسي Andrei Tarkovsky حياته في أعماله، من ذلك تجربة الغُربة في فيلمه Nostalgiha 1983)). حيث غادر روسيا إلى أوروبا بعد تعرضه لمضايقات في انتاج أعماله من قبل الاتحاد السوفيتي. سنوات قضاها شوقاً لوطنه وأسرته، وتوفي بعيداً عنهما في فرنسا في العام 1986. الفيلم الذي تدور أحداثه في إيطاليا في الوقت الذي كان تاركوفسكي أيضاً مقيماً فيها.

     باختصار، يحكي الفيلم تجربة سفر كاتب روسي يدعى Andrei إلى إيطاليا، للبحث في سيرة موسيقي روسي عاش فترة من حياته هناك. يتعرض الكاتب في رحلته هذه لتجارب عديدة وغريبة مع Eugenia المترجمة الإيطالية التي ترافقه، ومع أحد سكان المنطقة التي أقام فيها.

     سأقوم في الآتي بتحليل أحد مشاهد الفيلم، والذي يبدأ في الدقيقة الـ25 ويستمر حوالي سبع دقائق، يجمع ويجسد احساس الغربة والحنين معاً، ويعكس جزء كبير من طابع الفيلم، وخلاصته أنه عرض لليلة أندري الأولى في غرفته في الفندق، كيف قضاها وما هي احساسيه التي اختبرها وما الذي يشغله: غرفة أندري التي أقام فيها شبه فارغة، موحشة، باردة وربما بلا تدفئة، وذات اضاءة خافتة، فيها نافذة تُطل على حائط مهترئ الطلاء باهت اللون. اطلالة ليس فيها حقل أو بحر أو شارع أو منازل، لا توجد أي مظاهر للحياة، على العكس مما عليه الحال هناك في منزله في روسيا. يبدأ ليلته الأولى فيها وحيداً، مع صوت تساقط المطر، يتجه للنافذة لكي يرى المنظر، لكن لا شيء إلا الحائط! ترك النافذة مفتوحة، ذهب إلى سريره معزولاً عن المطر وأثاره في الخارج، ليبدأ النوم بمباغتته.

      في هذه اللحظة يبدأ المشهد بالانتقال من وصف وتعريف حالة أندري الآن (الغربة)، إلى عالمه الداخلي وما يحتويه (الحنين): تبدأ الكاميرا بالتحرك والاقتراب من سرير أندري، هنا يدخل كلب للغرفة ويجلس بالقرب من السرير، يمسح أندري على رأسه وظهره، هو كلب الأسرة نفسه في روسيا ومرافقها الدائم، يرافقه الآن كما كان يرافقهم هناك.

     تواصل الكاميرا اقترابها لتصل عند رأسه. هنا يتوقف المطر ويدخل الضوء للغرفة ويظهر وجه أندري من جديد. ننتقل منه إلى وجه زوجته المبتسمة، التي تأتي ليوجينا الباكية تضمها وتواسيها، لأن قلب زوجها لا يتسع إلا لها. بعدها ننتقل إلى يوجينا التي تحاول إيقاظه من نومه لكنه لا يستيقظ بالرغم من جلوسها بقربه في السرير. هي قريبة منه الآن في إيطاليا، ولكنها أبعد ما تكون عنه -هذا التناقض في علاقته مع يوجينا يتكرر في أكثر من مشهد في الفيلم، سرحانه الكثير عنها وعدم الالتفات لها-. أثناء ذلك نسمع دندنة بصوت عذب لواحدة من الأغاني الروسية.

     تدريجياً نغادر عالم أندري بمغادرته لزوجته الحامل، حينها نسمع صوت مفتاح البيت داخل جيبه – وهو الصوت الذي نسمعه مراراً في الفيلم، فهو دائماً ما يضع يديه في جيبه ممسكاً بالمفتاح -. هنا تبتعد الكاميرا بالتزامن مع قيام أندري من السرير، ومعه تبدأ ملامح غرفة الفندق بالظهور مجدداً، لنعود للواقع من جديد.

     العتبة الأخيرة للخروج هي صوت يوجينا وهي توقظه، يسمعه ما بين النوم واليقظة، فيستيقظ، وينتهي المشهد.

     بعد هذا الوصف لأجزاء المشهد نتوقف للحديث عن تكوينه وتسلسله:

سردياً:

      فقد كان تسلسل الأحداث بحسب حالة أندري النفسية والعقلية، تسلسل جمع واقعه وأحلامه وذكرياته وأماله. فلم ينم أندري ويستيقظ مباشرة، ولم ننتقل إلى زوجته وبيته بتمهيد منه أو بأي اشارة محددة، ولم تلتقي زوجته ويوجينا في الحقيقة أصلاً، كل ما حدث كان بداخل أندري نفسه ولا علاقة له بالخارج. هذا المنطق الذي يحكم بناء المشهد هو من أهم ميزات رؤية تاركوفسكي السينمائية*، فهو يرى أهمية وأولوية لعالم الانسان غير المرئي في تحكمه ببُنية الفيلم، أكثر من الواقع وتجسيده وتوثيقه بتفاصيله، فلم يكن الاعتماد على تسلسل خطي زماني أو مكاني.

أما صورياً:

      كانت الكاميرا ثابتة تُصوِّر تفاصيل الغرفة وحيرة أندري داخلها، وعندما حان الوقت للانتقال لعالمه اقتربت ببطء شديد من سريره حتى وصلت إلى رأسه، تماماً كانتقاله من يقظته إلى نومه، وبعد الانتهاء ابتعدت عن سريره ببطء كذلك. حركة نقلتنا من حالته الخارجية إلى عالمه الداخلي ثم إلى الواقع مجدداً. أما الألوان كان عددها وتغيرها بسيطاً. لم تعتمد الصورة على تفاصيل كثيرة داخل اطارها ولا حركات وزوايا متعددة للكاميرا ولا استخدام كثير للألوان وانتقال كبير بينها.

أما صوتياً:

      فالمشهد في غالبه صامت، اعتمد على صوت المطر وصوت الأغنية الشعبية، وهمسات يوجينا. ليس فيه حوارات مليئة بالأفكار والتفاصيل والشروحات والتلمحيات، ولا موسيقى لتعزيز مشاعر أو إثبات شيء محدد.

وبالنسبة للعناصر:

     فلأن هناك تفاصيل تذكِّر وتنبِّه أكثر من غيرها، كان وجود كلب الأسرة، مفتاح المنزل، الأغنية الروسية، زوجته الحامل والمترجمة في هذا المشهد مهماً فهي أقرب وأكثر الأمور التي تجمع غربته وحنينه.

وأخيراً:

     لكي يتسق كل ذلك، لابد للمكان الذي يجمعه أن يكون مشابهاً ومتوافقاً معه، فلا يمكن أن يحدث كل هذا في منزل، أيُّ منزل. المنازل مهما كانت غريبة عمن سكنها كضيف، لا تخلو من الطمأنينة والألفة والذكريات فيها، بما تحويه من طابع وتفاصيل أصحابها. أما الفنادق – ففي جزء منها – هي خاوية، جامدة وباردة، لا مكان فيها لكل ذلك. يأتيها الناس ويغادروها وتبقى كما هي دون أثر على وجود أحد. غرفة في فندق هي انعكاس مباشر وحقيقي لما عليه روح أندري.

عدنان1

* هذه الصورة في الأسفل التقطتها في أحد المقاهي، لاحظت التشابه بينها وبين نافذة تاركوفسكي، فهي كذلك مطلة على حائط باهت في أحد الأزقة! المقهى -في جزءٍ منه – يشارك الفندق في أن جُل مَن فيه من العابرين، مهما طالت ساعات جلوسهم فمصيرهم أن يغادروه ويتركوا مقاعده وطاولاته فارغة. يشعر فيها الانسان بغربته كونه لا يعرف فيها أحداً، وفي نفس الوقت يحن لكل ما يحن إليه بسبب دفئها واطلالة نوافذها التي تأخذه بعيداً، هناك.

* تقييمي للفيلم: 9.5 / 10

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للاستزادة في الموضوع، راجع كتاب Sculpting in Time – Andrei Tarkovsky

عن عدنان عوض

mm
طبيب وكاتب سوداني مهتم بالسينما