الرئيسية / احدث التدوينات / شارع النيل .. رؤية مغايرة !

شارع النيل .. رؤية مغايرة !

183

من الأشياء التي كثيراً ما تذكر عند ألسن عامة الناس، أن من السياسات التي انتهجتها حكومة الإنقاذ لإلهاء الشعب عن قضاياه السياسيّة ومشاكله الاقتصاديّة، هي سياسة إنشاء الحدائق العامة، وتطوير شارع النيل والمقاهي، حتى تعمل كمنافذ تخفف من حدة التوتر وضنك العيش والغضب الناتج من تردي الأوضاع في البلاد. يحاول هذا المقال أن يقدم رؤيّة مغايرة لهذا، ليس دفاعاً عن حكومة الإنقاذ ولا سواها، ولكن من أجل فهم أكثر شموليّة ودقة لفكرة المقاومة السياسيّة .

في الاسابيع الماضيّة وعلى المستوى الشخصي فقد كنت رجلاً اجتماعيا بدرجة كبيرة وكنت أزور شارع النيل في الخرطوم أكثر من أيام الأسبوع في الأسبوع الواحد، وبصورة عامة لاحظتين قضيتين أثنين الأولي اجتماعيّة والثانيّة سياسيّة

أما الأولى : فيمكننا القول أن شارع النيل يمكن أن يعتبر المكان المثالي للتجمعات الاجتماعيّة الشبابيّة وهذا الأمر لسببين أثنين: أولاً، كونه مكان اقتصادي جداً، فكمثال يمكن للأموال أو القروش التي يدفعها الإنسان السوداني الواحد في مطعم أو كافي في الرياض أو في أي مطعم من المطاعم المتوسطة الجودة ، يمكن لذات المبلغ أن يكفي قرابة الخمسة أو ستة أشخاص في شارع النيل . حتى أن زجاجة العصير البلاستيكيّة التي تباع لك رغماً عنك في المطاعم والكافيهات، تقدمها لك العاملات ” الخالات” في شارع النيل مجاناً ودون تكلفة. ثانياً: يمكن اعتبار شارع النيل مكان ذو خصوصية جيدة ، فلو أراد الإنسان الخروج مع زوجته أو أفراد أسرته للحديث والنزهة دون أن يتتبعه بعض الناس بأعينهم دون مراعاة لحرمة الأهل أو الزوجة، فشارع النيل خيار جيد لمثل هذه النزهات العائليّة لأن فيه بعض الأماكن التي توفر خصوصيّة جيدة للأسر أو حتى للمجموعات والأصدقاء الشباب الذين لا يريدون أن يزعجوا من حولهم بأصواتهم وضحكاتهم .

الملاحظة الثانيّة فهي أننا يمكننا أن نعتبر شارع النيل من أماكن ممارسة الديموقراطية، أي والله نعم !

البروفيسور في العلوم السياسيّة Lisa Wedeen والتي تقوم بالتدريس في جامعة شيكاغو كتبتْ دراسة في العام 2015 اسمها

 The Politics of Deliberation: Qa¯t Chews as Public Spheres in Yemen

في تلك الدراسة تحاجج البروفيسور Lisa Wedeen أن الجلسات التي يتناول فيها اليمنيين القات (مادة مخدرة تستعمل للمزاج والمتعة وتشبه كثيراً “الصعود” الذي يتناوله السودانيون) من مظاهر ممارسة الديموقراطيّة التداوليّة. والفكرة العامة للدراسة مبنية علي اعتبار الديموقراطيّة مفهوم عام يُبني في الأساس علي المداولة والمشاركة والنقاش بين كل الناس حول القضايا التي تُهمهم وتهم مجتمعهم، ومبنيّة كذلك علي مفهوم “المجال العام” عند الفيلسوف الألماني هابرماس، وهو بتعريف مبسط الأماكن أو الفضاء الذي يجتمع فيه المواطنون للنقاش والتشاور حول مشاكلهم وقضاياهم. فمثلاً كان هابرماس يعتبر أن الصالونات الفكريّة التي كانت تقام في الغرب في القرون السابقة، و التي يتم النقاش فيها حول القضايا العامة في المجتمع والتي كانت من الأشياء التي مهدت للديموقراطيّة الانتخابية . تعتبر ليسا أن هذه الصالونات تمثل ديموقراطيّة تداوليّة Deliberation. لكن تلك الصالونات كان فيها عيب مهم وهي أنها كانت خاصة بالطبقة البرجوازية وبالتالي كان فيها تهميش لطبقة العمال والنساء، وبقيت فئات المجتمع التي لا تنتمي لتلك الطبقة البرجوازية الغنية.

اعتبرت البروفيسور Lisa أن جلسات تناول القات في اليمين تؤدي نفس الغرض الذي كانت تؤديه الصالونات الفكرية للطبقة البرجوازية في الغرب سابقاً والتي مهدت للديموقراطية الوظيفيّة ( الانتخابات و حرية التعبير وحرية التظاهر وغيرها من المظاهر الديموقراطيّة المشهورة)، وتجاوزت نقاط ضعفها إذ أن جلسات القات في اليمين تضم كل طبقات المجتمع الاقتصاديّة من عمال وطبقات وسطي وفقراء، وليست حصراً علي الأغنياء. ثم قامت البروفيسور Lisa بانتقاد المفهوم الوظيفي للديموقراطيّة وحصرها في الانتخابات والتصويت وحرية التعبير السياسيّ، وأن هذا التعريف الوظيفي يحتاج لمراجعة فكريّة لأنه قاصر عن استيعاب ممارسات ديموقراطيّة تداوليّة مثل جلسات القات في اليمين.

يمكننا بذات المنطق أن نحاجج أن شارع النيل يمكن اعتباره “مجالاً عاماً” بتعبير الفيلسوف هابرماس، وهو فضاء يمارس فيه السودانيون الديموقراطية التداولية فيما بينهم ويتناقش فيه كل أطياف المجتمع من كل الطبقات، رجالاً ونساء في كل القضايا السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة و غير ذلك. وبهذا يكون شارع النيل قد فاق الصالونات الفكرية الطبقة البرجوازية في الغرب التي تهمش الفقراء والطبقات العاملة والنساء، وفاق جلسات القات والشيشة في اليمين التي تهمش النساء !

يمكننا كذلك أن نعتبر شارع النيل من أسلحة المقاومة السياسيّة “غير المرئية ” للطبقات الضعيفة في الشعب السوداني، وذلك أن من أشهر الدراسات الأنثروبولوجيّة عن الثورات والمقاومة السياسيّ والتي حملت اسم ” أسلحة الضعيف ” “Weapons of the Weak” قام بها جيمس سكوت James Scott في العام 1985. وهذه الدراسة ظلت إضافة بارزة في التنظير لفكرة المقاومة، وكانت بالتأكيد أكثر الدراسات والمشاركات الأنثروبولوجيّة التي تم النقل منها وتداولها فيما يتعلق بالدراسات التي اهتمت بالتغيير السياسي من الأسفل أو التغير من القواعد. وكانت الفكرة والمحاجة العامة التي قدمها جميس سكوت في تلك الدراسة أننا مُحتاجون لإدراك ليس فقط ” الأحداث الكبرى” مثل الانتفاضات والإضرابات العامة والثورات كعلامات ودلالات للمقاومة السياسيّة، ولكن أيضاً يجب الاهتمام بالتفاعلات الصغيرة التي يقوم بها الشعب لتطوير وتحسين أوضاعهم المعيشيّة، والاهتمام بالتفاعلات التي يديرونها لتمكنهم من إحداث التغيير المَنشود. ويقول سكوت في تلك الدراسة أن الشعب المُسيطر عليه يكون في الغالب واعياً جداً بالوضع الذي يعيشه وتعقيداته، وأن هذا الشعب لديه ” سيناريوهات مَخفية” يرسمون بها أفعالهم التي تُمثل احتجاجهم السياسيّ، وفي كثير من الأحيان يكون هذا في أنساق ” غير مرئية” و ” غير معبر عنها ” باللفظ. حَفّزَ النهج الذي اتبعه سكوت في دراساته مجموعة كاملة وجديدة من الدراسات التي رَكّزت علي الأشكال والأنماط الاعتياديّة والبسيطة من المقاومة والتمرد. يمكننا أن نعتبر كذلك أن التجمعات والنقاشات التي يقوم بها السودانيون في شارع النيل من تمثلات ومظاهر هذه الأسلحة التي يتبعها الضعفاء للمقامة السياسيّة، وإن كانت أسلحة غير كبيرة وغير مرئية كذلك.

 

عن خالد عثمان الفيل

mm
كاتب من السودان مهتم بالفكر والاقتصاد السياسيّ .

أضف تعليقاً