الرئيسية / العدد الأربعون / شركاء التغيير ..عائقه الحقيقي!

شركاء التغيير ..عائقه الحقيقي!

Change-Management-640x360

متوكل الدومة :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

***

إن وضعية التفكك والتردي الماثلة التي يشهدها السودان على كافة الأصعدة لم تعد تخفى على أحد من جملة شعوب العالم . كما أن حجم النكبة والأوضاع المأساوية التي تعيشها البلاد قاطبة مع بعض اختلافات وفروقات في حجم هذه المأساة باتت معلومة واضحة للجميع, سودانيون وغيرهم من المهتمين بالسودان .

جموع المنتمين إلى ما يعرف بالسودان ممن لا يزالون يتحملون شظف العيش بالبقاء داخل أراضيه أو الذين اضطرتهم ظروفهم للخروج منه على حد سواء, عانوا وما يزالون من وضع قائل ومستمر طوال أكثر من ربع قرن من الزمان ….

 كما أصبحت تتملكهم الهواجس على مستقبل بلاد تشهد اغلب مساحتها حروب طاحنة يصحبه تردي غير مسبوق في الاقتصاد والخدمات الصحية وانتهاك للحريات وصعوبات العيش ونسيج اجتماعي بات من الماضي وغيرها الكثير الذي يكاد لا يحصى .

الواقع المذكور أعلاه حفز الكثيرين أحزاباً وتجمعات وأفراداً (حتى من لم يكن لديهم اهتمام بالسياسة والوضع العام) وشجعهم على التساؤل مما ولد إدراكاً أكبر لعمق الأزمة وأسهم في صياغة الأسئلة الصحيحة وتعديد إجابات لها قادرة على فتح المخرج لتجاوز أزمات متتالية ما تلبث واحدة منها أن تقع حتى تضرب أخرى جديدة البلاد .

يُجمع المهتمين بأوضاع البلاد ومستقبلها على أن المخرج الوحيد وتدارك ما تبقى من السودان هو التغيير, هذا الإجماع أكدته احتجاجات واسعة النطاق في سبتمبر 2013م قابلها النظام بقمع وعنف وحشيين وهو ما كان متوقعاً لطبيعة النظام وعقلية قادته الدموية . الأمر الذي مثل دافعاً قوياً لقوى التغيير لأن تجلس بمختلف توجهاتها وتباين ما تتبنى من آليات للتغيير فوقعت وثائق عدة وتشكلت تحالفات بين هذه القوى من هذه الوثائق “(الفجر الجديد),(اتفاق باريس) , (نداء السودان)” تلك الاتفاقات التي تجمع كل قوى التغيير الحية والفاعلة تلك المتبنية آلية الكفاح المسلح والآلية السلمية للنضال في السودان .

المطلب المتفق عليه في السودان بين كل الفاعلين هو التغيير, إلا أنه وبعد مضي أكثر من عامين على إبرام الاتفاقيات وحبر الأوراق بالمواثيق نجد أن عملية التغيير المنشودة استعصت وما يزال الوضع قائماً, والنظام يزداد شراسة كل يوم أكثر من سابقه, من هنا يطرح السؤال التالي نفسه بقوة :

لماذا استعصت عملية التغيير؟ أو ما هي المعوقات في طريق هذا التغيير وقد اتفقت كل قوى التغيير الحية بالسودان على حتميته ؟

وهو ما سنحاول الإجابة عليه عبر تسليط الضوء على ما يمكن أن يكون عائقاً حقيقياً للتغيير. أو على الأقل يساهم في المساعدة على إيجاد الإجابة وتحقيق الوطن الحلم الذي نريد. وسنركز على ثلاث نقاط أساسية :

قوى التغيير ” شركاء التغيير ” :

قد يُقابل الرأي بأن قوى التغيير (شركاء التغيير) هي أول عثرة في طريق التغيير بالهجوم وتُكال بسببه الاتهامات, مع ذلك الإصرار على ذلك فذهابنا إلى ذلك ليس من نسج الخيال لكنها النظرة الموضوعية للأشياء .

فالقوى الرئيسة الداعية للتغيير تمثل عائقاً بالمساحات الشاسعة التي تتركها فارغة – لا ندري إن كان الأمر مقصود – فبعد أن هبت جموع من السودانيين إبان السياسات الاقتصادية في سبتمبر من العام 2013م تحفزت القوى المختلفة أحزاب ومنظمات مجتمع مدني ووقعت مجتمعة إضافة لأفراد وحركات شبابية مع الجبهة الثورية على وثيقة وصفت من قبل الموقعين بأنها (إنجاز تاريخي) حسب الوصف الوارد في ديباجة وثيقة “الفجر الجديد” بعدها امتلأ المطحونين بالأمل والترقب .

لكن شهر العسل في السياسة السودانية لن يدوم طويلا كما قال د. منصور خالد. فالأمل الذي تفتق بعد إعلان الوثيقة الرصينة, ما لبث أن انطفأ بسبب الموقعين أنفسهم بأن ظل مشروعهم في التغيير حبيس الأدراج ونقصد هنا بشكل خاص دعاة التغيير السلمي ,لأن القوى الثورية المسلحة كانت قبل توقيع الوثيقة تُصارع النظام بما تتبناه من آلية للتغيير وتخوض معارك عسكرية ضد النظام وما تزال .

الشارع فارغ والجماهير ما تزال في حيرة من أمرها وتكاد تجهل تماماً ماهية مشروع التغيير (الإنجاز) فلا القوى المتحالفة بشرت به ونشرته ليكون راسخاً في أذهان الجماهير التي تطلب منها الخروج إلى الشارع ولا هي نشطت وتفاعلت مع عضويتها بمقتضى ما جاء فيه .

اكتفاء غالبية قوى التغيير بالأنشطة داخل المكاتب المغلقة هو ما يؤدي إلى زيادة الهوة بينها وبين الجماهير ويعمق الفراغ القديم أكثر , تلك الهوة التي يستخدمها النظام ويستغلها للحفاظ على الوضع على ما هو عليه, بل هي نفسها التي ستمثل عاملاً حيوياً عندما يجئ الوقت الذي يفرض على النظام إعادة إنتاج نفسه وتغيير جلده. ودليل استمرار الفراغ واتساعه أن السؤال القديم الذي يقول (البديل منو؟) ما يزال قائماً, ذلك السؤال الذي يزعج دعاة التغيير أيما إزعاج يصل بهم إلى وصف الشعب مرة بالجبن كما في الهتافات المتكررة في التظاهرات ” الشعب جعان لكنه جبان” وتارة يصفه بالجهل وعدم إدراك ما يقوده إليه النظام .

وهنا نسأل سؤال لا يخلو من براءة : على عاتق من تقع مسؤولية الإسهام في تشكيل وعي الجماهير وإشعال فتيل الثورة فيها ؟

الإجماع على مبادرة تتضمن محاسبة الجناة, سيجعل الجناة لا محالة ينشطون في محاربتها حال أن المبادرين عملوا على تحقيقها على الأرض فما بالك وأنهم نسوا أو تجاهلوا ما جاء فيها وانفض السامر كما يحدث في كل تحالفات المعارضة, ولندلل على ما نراه فدعونا نذكر أمثلة حية في الوقت الذي تذهب كثير من الأحزاب وتعلن أن ثمة مناطق هي دوائرها المقفولة, أحياناً ولايات كاملة تعتبرها الأحزاب قواعدها التاريخية .

كالحزب الشيوعي الذي يعتبر (ولو داخل أروقته) أن ولاية الجزيرة منطقة انتشاره مع هذا لم تشهد الولاية ذاك الحراك المتوقع إبان سبتمبر حتى بعد توقيع الحزب على وثيقة “الفجر الجديد” , و نجد حزب الأمة القومي أيضاً لم تشهد مناطق انتشار وتركز عضويته أي حراك ملموس فلا النيل الأبيض اشتعلت ولا الجماهير بود نوباوي بأم درمان خرجت بعد صدور بيان الإمام الصادق المهدي وإعلان موقف حزبه من الاحتجاجات الأخيرة في الأسبوع المنصرم, وغيرها أمثلة عديدة . تجعل الشارع في حيرة من أمره يتساءل عن مدى الجدية في مطالبته بالخروج ومقابلة الرصاص ليحدث التغيير.

حال استمرار قوى التغيير في المناداة من داخل مكاتبها فستكون تحالفاتها غير ذات جدوى والوثائق الموقعة بينها قبل أكثر من عامين من 2013م لا تعدو إراقة الحبر على الورق ولن تخرج عن كونها تمثل نصوصاً لا تتحقق كقصص خيال تحكي عن مستقبل مشرق للبلاد .

انفصال وجداني :

يتفق جميع الفاعلين والمراقبين للراهن السياسي بالسودان على أنه ليس هناك من لم يتضرر من سياسات النظام وقمعه ووحشيته واستهتار مبالغ فيه يبصقه قادة النظام على وجه المواطن من حين إلى حين, مع هذا كلٌ يعزف منفرداً, يلوك الصبر بطريقته ويمضغ المر وحده, و وحده هذه كثيراً ما تستند لمعايير متغيرة بحسب ما يمس القوم من ضرر, أحياناً تكون جهوية أو مناطقية . وقد بلغنا درجة لم يعد يثير معها تضامناً أو دعوة تضامن تحث روح القبيلة أو الحزب أي مشاعر استغراب أو دهشة .

انفصام عرى الوجدان في السودان قديم والنظام استثمره ليخلق بيئة ملائمة تضمن تمدده و انتشاره وهذا موقفه الذي أصبح بشكل ما معلن ومعروف بخاصة لدى القوى الفاعلة , رغم ذلك لم تقدم أي مساع جادة لرتق هذا القطع في وجدان الشعب, كما لم تبادر أي جهة مؤسسة حزبية كانت أو منظمة مجتمع مدني بنحت مشروع حقيقي يسهم في خلق رابط وجداني بين شعوب السودان المتناحرة الكل ضد الكل في حروباً حرفية عندما تتعب منها توقع اتفاقيات ومصالحات شعبية لتنهمك في حروبات معنوية .

هذا الانفصال يجعل النظام في وضع مريح يخطط برامج استمراره دون أن يعكر صفوه معكر ويجعله قادر على بث ما يزيد المسافة بين مكونات الدولة أكثر ويجدد تكتيكاته فنجده أحياناً يخاطب سكان وسط السودان وشماله بل ويقنع الكثيرين منهم بأن زوال النظام القائم معناها تصفيات أن الجبهة الثورية الناشطة في مناطق النزاع (دارفور, النيل الأزرق , جبال النوبة) ستقوم بتصفيات عرقية واثنيه لهم نتيجة أحقاد وغبن تاريخي. هو ما يؤكده الصحفي خالد فضل في مقال له نشرته صحيفة التغيير الإلكترونية تحت عنوان “من دواعي التغيير الملحة أن ما ارتكب باسم العرب في السودان من الجرائم ومن الإذلال يجعل كثيرا منهم يعيش في حالة رعب من انتقام متوقع ” يقول :

” قل لأي عنصر أمن من طلبة الاستبداد عن ماذا تدافع, لماذا تقتل زميلك الطالب في الجامعة؟ سيتردد ألف مرة قبل أن يختلق سبباً, لم يعد للإسلام والدفاع عنه موقع بعد انكشاف حيلة المتاجرة باسم الإسلام, سيقول لك لأن العبيد يريدون سحق الأضان الحمراء في السودان؟ الإجابة الصريحة لأن ما ارتكب باسم العرب في السودان من جرائم ومن الإذلال للآخرين يجعل كثيراً منهم يعيش في حالة رعب من انتقام متوقع, وقد لعبت الفئة المستبدة من عصابة القتل على هذا الوتر . ”

ما ذهب إليه الصحفي خالد فضل يؤكد شيئين أولهما ما هو معلوماً للجميع- لكن عدد مقدر ما يزال ينكره في إصرار – أن المشكل الاجتماعي والإثني بات متفشياً منتشراً بل أصبح من محددات الحراك السياسي وحتى التضامن في القضايا الإنسانية. وأيضاً يثبت ما نذهب إليه من قول بأن قوى التغيير تترك الفضاء فارغ يرتع فيه نظام الاستبداد كيفما اتفق ومصالحه .

ما لا يبشر بالخير أو يجعل أملاً يلوح في الأفق أن القوى المعارضة تصارع النظام وفق قواعد وضعها النظام نفسه (بل أصبحت شروط استمراره ) ففي الأعوام السابقة شهدنا احتجاج لفاعلين وقوى تغيير في الخرطوم تندد بانتهاك النظام لحرية النشر أو احتجاجات بسبب الضائقة المعيشية إلا أنه لم تشهد البلاد أي حراك أو تظاهرات تقودها أحزاب لوقف الحرب في أطراف البلاد أو وقف قصف المدنيين مثلاً في مناطق النزاع (دارفور, وجبال النوبة, والنيل الأزرق ) .

وهذا ما يسعى إليه النظام أن ينشغل كلٌ بالمشكلات التي يعاني منها في الوقت الذي يعتبرها من لا تمسه مباشرة أمراً لا يعنيه في شيء, وهذا ما نجح في تحقيقه إلى الآن بشكل ملموس .

ثقة مضيعة :

اغلب القوى التي تدعو للتغيير عبر الخروج في هبة شعبية أو ثورة جماهيرية تقتلع النظام كانت في سدة الحكم في تاريخ قريب سوء إدارة هذه الأحزاب وقادتها للبلاد طوال فترات حكمهم عالقة في ذاكرة الكبار ممن حضر فترتهم وموجودة في أذهان من لم يحضر عبر الحكي الشفاهي أو القراءة لمن هم أكثر اهتمام بالسياسة . فمثلاً نعلم أن الحرب في السودان ظلت مستمرة في جنوب البلاد بجغرافيته القديمة وأجزاء من وسطه طوال ثلاث حكومات ديمقراطية لم يبذل قادتها الجهد الكافي بقدر ما يوقف تلك الحرب وهم اليوم و دون أي نقد لتجاربهم يعيدون طرح أنفسهم قادة التغيير في البلاد .

فضاء فقد الثقة أيضاٌ يخلق بيئة ملائمة لتمدد النظام واستمراره ليس ذلك فحسب فالنظام له باع طويل وخبرة في جمع التناقضات واللعب بها في ظل تصفيق من منسوبيه وذهول يكاد يعمي أبصار معارضيه .

الكاتب محفوظ بشري في مقال بعنوان (أين مفتاح الشارع) منشور في صحيفة “الترا صوت الإلكترونية” يقول :

” حسنا الحاكمون في السودان طبقة, يحكم بعضها ويصبح بعضها في المعارضة, إلى أن يزيح هؤلاء أولئك ويحكمون فيصير أولئك معارضة… وهكذا, بل حتى المعارضات الجديدة بسلاحها وأطروحاتها, مستعدة لنسيان كل شيء حين أول تلويح لها بمقعد في مائدة الحاكمين, بمكان في الطبقة تلك ” .

هذا حقيقي لدرجة اكبر من أن يقدر أحد على إنكاره, وعند كثيرين عاشوا تجارب تهميش ممنهج من الدولة وعانوا ما عانوا لأسباب ثقافية واجتماعية في حقب مختلفة تأخذ عندهم (طبقة) بعد آخر يذكرني حادثة صغيرة أيام الجامعة إبان زيارة قائد النظام لولاية القضارف وأنا طالب بجامعتها وخطابه الشهير فيها .

في جو متوتر ومشحون يهتف فيه الطلاب رافضين زيارة البشير للجامعة, وعندما علقت زيارته للجامعة واكتفى بخطاب الجماهير خارجها, كالعادة قدم طلاب النظام بالعصي والسيخ والأسلحة البيضاء وافتعلوا معركة, بعد أيام قابلت أحد عمال الجامعة وهو ينحدر من إحدى المناطق المسماة (الهامش) في الأدبيات السياسية السودانية الحديثة. تحدث إلي بنبرة أسى وهو يقول :

” يا ولدي لو أسقطتموهم سيجيئُ إلى الحكم أبناء عمومتهم, فكل حكام السودان متفقين بشكل ما ”

حاولت جاهداً وجاداً أن أقنعه بأن الوضع قد تغير, فما كان منه إلا أن أنهى جلستنا بجملة لا تنسى قال :

” يا ولدي نحن من صُمِمَ مفهوم الوزارات السيادة من اجل الحط من قدرهم بأن لا تصلح هذه الوزارات إلا لأبناء العمومة حكام البلاد ومعارضيهم ”

قد يكون كلامه هذا من شخص غير مدرك لما ننشد من تغيير لكن علينا معرفة أن قطاع عريض ينظر للأمر من نفس الزاوية لكن من منصات مختلفة وعلينا إيجاد حل لهذه الوضعية .

ختاماً :

التغيير قادم لا محالة لكن التخطيط والتنفيذ الجاد يضمن منع البلاد من التشظي والانزلاق إلى ما لا تحمد عقباه, وحتى نعجل بالتغيير ونضمن تحقيق أهدافه علينا أن نعيد تقييم الأشياء بصدق اكبر وشجاعة أكثر .

عن متوكل الدومة

mm
قاص من السودان

2 تعليقات

  1. I am constantly browsing online for tips that can aid me. Thx!

أضف تعليقاً