الرئيسية / العدد الأربعون / صائد الملائكة

صائد الملائكة

large (8)

طلال الطيب 

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

***

وضعت شبكتي جوار الباب ،نظرت لبائعة الخمر أعطتني كوب شاي ساخن،كانت كلما عادت لصنع الخمر سقط على بيتها نيزك صغير من السماء وأحرق كل شيء ،نيزك صغير بحجم حصى ؛لهذا بدأت تصنع الشاي 

ورغم ذلك للحكومة رأي آخر ،إذ أن عقوبة صنع الخمر الغرامة مع الجلد ،وهي تفتقد هذا العائد المهم من العقوبة ،الرجس الذي من عمل الشيطان يشكل مورداً مهما من موارد الدولة ..

لهذا كان ثمن كوب الشاي مرتفعاً ؛إذ أن الحكومة صادرت أدوات عمل ست الشاي وأجبرتها على تأجير كل شيء من أدواتها من الكرسي البلاستيكي وحتى حب الشاي الرديء .

وضعت شبكتي وراء الباب،كانت ثقيلة و مخيفة بحيث أنني لا أخاف عليها من اللصوص ،مصنوعة من الفولاذ ،تشبه الشباك العادية التي يستخدمها الصيادون في صيد الأسماك من نهر النيل ،إلا أن كل شيء في شبكتي حاد مثل مباضع الأطباء .

ولم تكن نظيفة كانت قذرة مثل أدوات تعذيب .

كان بجواري شرطي يدخن النارجيلة نظر إلي كأنه يفتشني في ذاكرته ،حقاً عندي وجه عليه آثار معارك كثيرة وخصوصا مع رجال الشرطة ،رأى بأني بارد مثل الصخر ،وأن يداي تبدوان قويتان،فآثر السلامة .

لكنه استعرض مهارته في نفث الدخان ،إذ جعله على شكل دوائر تلك التي ترمز لطلب النجدة ،وبعدها أطلق الدخان على شكل طلقات صغيرة ومتتابعة.

نظر إلي متوقعاً نظرة إعجاب ،حركت رأسي بمعنى أعجبني ما فعلته . هنا قال لي وهو يشير للشبكة : أنت صياد ملائكة ؟

هززت رأسي بمعنى نعم .

كم ثمن الملاك هذه الأيام ؟

قلت سبعون ألف دولار . وقال : اممم لكنها مهنة صعبة .

قلت له : هي كذلك . كان شاباً لونه أسود ،وعليه علامات الشجاعة ،أحببت عيناه تبدوان ذكيتان . أمثاله يحصلون على رواتب ضئيلة يدخنون سجائر رديئة ويأكلون طعاماً رديئاً ويضاجعون نساء رخيصات .

شيء ما جعلني أتمنى لو أنه يساعدني في عملي،حتى أعطيه جزءً من ثمن الملاك ،لأن الصيد عمل مرهق حقاً .

لكني وجدته هادئاً وقد بدا أنه نسي وجودي ،بدأت أسمع صوت الرعد وتساقط المطر ،ورغم أن الوقت كان عصراً إلا أن البرق كان يضيء الأفق .

ارتديت معطف المطر وقبعة من السعف ،وأخذت الشبكة وبدأت أركض وأنا أنظر للسماء ،ثم سمعت صوت ارتطام جسم بمبنى إسمنتي وأصوات صراخ نساء وأطفال ،رأيت نافذة محطمة ،صعدت السلالم بسرعة حتى اصعد إليها ،رأيته يقف أمام الثلاجة يأكل أرزا بلبن بينما كانت هناك جثة امرأة وطفل تحت قدميه مباشرة ،كما أن بقعة دم كانت تلوث باب الثلاجة وأجنحته كانت له جناحان كبيران من الريش الأحمر والأزرق .

التفت نحوي بسرعة كقط ينتبه لوجود فأر زمجر بوجهه السمكي المليء بالحراشف وركض نحوي ،ركلني على بطني بقدمه بحيث أنني طرت ككرة واصدمت بالحائط،تشقق الحائط وتحطم لأنه كان من الخشب . رمى بصحن الرز باللبن جانباً ومسح فمه بيده قبل أن يلكمني عدة مرات على وجهي وكان يصفني بالبشري الحقير ! ثم أمسك بعنقي ورفعني عالياً وكانت قامته هائلة بحيث أنني بدوت مشنوقاً من على شجرة .

ثم صوت أربعة رصاصات تخترق ظهر الملاك لتصيبني أنا أيضا ،عندما سقط جسده رأيت الشرطي الأسود الشاب يمسك المسدس بيدين مرتجفتين ،ثم بدأت أفقد الوعي .!

أيقظني الشرطي بعدة صفعات ،كان يصفعني وعلى فمه سيجارة نحيفة مثل إصبع ،كان يدخن التبغ مخلوطاً بالحشيش،سألني وهو يشير لجثة الملاك : بكم سنبيعه ؟ كنت في الستين من عمري ومصاب بالصداع ولم اعترض عليه عندما اعتبر نفسه شريكاً لي .

قلت له : بثمانين ألف دولار في السوق السوداء ،وبسبعين ألفا للحكومة .

حرك الشرطي قبعته إلى الأمام قليلاً وقال : سنبيعه في السوق السوداء .وضرب بكفيه دليل على الشروع في العمل .

كان للملاك جسد رجل ابيض بصحة جيدة ،قدمين ويدين جميلتين وكان يرتدي لباساً يواري سوءاته من الجلد ،وكما أنه له جناحان كبيران وأذنان صغيرتان مثل أذني نسر يغطيها الريش،له جمجمة صلبة مثل جمجمة تمساح مع وجه مكسو بالحراشف والقواقع البحرية الصغيرة والتي بعضها باللون الأصفر والأحمر والذهبي .

وضعنا جثته على طاولة الطعام التي كانت للعائلة المنكوبة ،لم نكترث بجثثهم وإن أزعجنا منظرهم ،كانت الأم ميتة وفي يدها الريموت ،نظرت إلى التلفاز كان مطفئاً،أما الطفل بجواره غير بعيد مسدس من البلاستيك ،وعلى رأسه اثر شق واضح يقطر دماغه منه .

كانت جثة الملاك تفوح منها رائحة الغيوم ،وكانت يده تقطر ماء ،اضطررت أن أطلب من الشرطي بأن يأتي بدلو ماء كبير .

حل المساء ولا زالت السماء تمطر والبرق يهرول في الشوارع مثل كلب يبحث عن سيده .

صديقي الشرطي أخذ يفكك مسدسه و يركبه ويلقمه بالطلقات ،يعجبني أنه يعرف بأنه يجهل الكثير ،مثل لماذا لا زلنا جالسين هنا ولم نغادر هذه الشقة ،ولماذا أغلقت النافذة ؟

قلت وأنا أخلع قميصي الثقيل مثل ملابس الجيش حتى انزع من جلدي الطلقات الساخنة التي التصقت به : إنه من ملائكة المطر ،ولابد بأن أصدقائه يبحثون عنه الآن .

كنا نسمع نباح البرق من بعيد ،وعندما اقترب منا النباح قلت له : يبدو أننا سنخوض معاركنا معهم .

قال : لا تقلق ،معك رجل و مسدسان . توقف البرق أمام النافذة وأخذ يخترق الستارة والشقوق ويسقط فوق كل زاوية مظلمة ،حتى سقط بنوره على وجهي ،عرفني وبدأ ينبح ويزمجر تراجع نحو الخلف وفجر النافذة ،وبعد هذا الانفجار قفز إلى الداخل ملاكان غليظان حتى بدا أن الملاك الذي قتلناه قبل ساعات أخوهما الأصغر ،البرق كان يقف في النافذة يضيء لهما الشقة ،ومن لا مكان برز شريكي الشرطي وأخذ يطلق النار ،تصدى له أحدهما ،وكان له جناحان لونهما أزرق غامق بدأ يتلقا بهما الرصاص ،كان ريش أجنحته يتناثر هنا وهناك وكذلك دمه المضيء مثل نور شمعة .

ثم بدأ صوت مسدس شريكي يصدر صوت طك طك طك بمعنى أن ذخيرته نفدت ،وقبل أن يرفع مسدسه الثاني قفز البرق إلى عنقه وبدا يعضه .

هنا رميت شبكتي الفولاذية والتي أخذت تركض نحو الملاكان مثل ذئب ،إنتبه البرق لذلك وبدأ يركض نحو شبكتي حتى يحمي سيديه ،لكن لا فائدة إذ أن كهرباء البرق جعلت شبكتي أكثر شراسة ،صرخ الملاكان مثل رجلين مذعورين عندما أخذت الشبكة المكهربة تلتهم ريشهما وتجرح جسديهما جروح شديدة العمق .

انتهى القتال،وتوقف المطر ،بعد أن تأكدت من سلامة الشرطي ،غفوت ،واستيقظت عندما سقط علي نور الشمس ،حملت داخل الشبكة جثث الملائكة الثلاثة وأخذت أجرها ؛أجسادهم ليست ثقيلة جداً لو كانت ثقيلة لما استطاعوا الطيران ،أثقل شيء فيها أجنحتهم القوية ،والتي يستخدمونها في القتال ضربة واحدة تستطيع أن تحطم جداراً.

عندما رآني الناس أجر هذه الجثث في الشارع ،دخلوا إلى بيوتهم ،ومن النوافذ والشرفات بدأوا ينظرون لجثث الملائكة الثلاثة التي أجرها .

بعت ريشهم الملائكي بثلاثة ألف دولار لمصنع أثاث وثير.

ثم بعت جثثهم لباحث علمي ب32،000دولار قلت له : لقد مات صديقي في هذه العملية .

لكنه لم يمت كلما في الأمر أنني قيدت يديه بقطعة قماش ووضعت على بعد أربعين مترا سكينا ، عليه أن يزحف وأن يحاول جاهداُ ليحرر بها نفسه .

وقبل أن أغادر المدينة رأيت شهاباً صغيراً مثل برتقالة يسقط نحو المدينة ،وبعدها رأيت دخان يظهر في تلك الجهة التي تعمل فيها ست الشاي .

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .

أضف تعليقاً