صـابـر

صابر 1

 

راشد يسلم :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

حين شاهد صابر من مكانه في المقهى كلبان عند ناصية الشارع يمارسان الحب باستمتاع مستفز غير عابئين بسنوات عمره الثمانية والثلاثين في عالم العزوبية ، أراد في تلك اللحظة زجرهما كيفما أتفق ، لكنه تذكر أقساط شقته التي لم تكتمل بعد فتجاهل الفكرة شاعراً أن هذا واجبه إزاء الأرواح المعذبة في الأرض ، ثم راوده خاطر جعله منقبضاً ، حاول تجاهله في البدء مدعياً الاستمتاع بنفث دخان سيجارته والتحديق في العابرين أمامه ، إلا أنه بمجرد أن عادت نظراته لتلتقي بالمشهد الحميمي مجدداً حتى أحكم الخاطر بخناقه وشعر لوهلة بضيق في صدره ، فألقى بعقب السيجارة وسحقها بقدمه كأنها عدوه الكوني الوحيد ، قبل أن تجرفه الذاكرة للوراء بعيداً ..


– كم يكلف العرس يا أمي ؟
في تلك الأيام قبل أكثر من عشر سنوات كان صابر شاباً مصاباً بحب الحياة ، رغم أنه لم يكن قد حصل منها على شيء ، لكنه لم يخسر شيئاً بعد ، حيث أن لديه وظيفة في المجال الذي يحبه ، وأحلام عظيمة في انتظار تحقيقها ، لكنه كان يدرك أن هنالك حلقة مفقودة ، وفي ذلك اليوم دخل إلى البيت وفي رأسه تضج عشرات الأصوات والصور التي فشل في تركيبها جيداً ، كان عائداً من حفل صغير أقامته زميلة جامعية قديمة بمناسبة عيد ميلادها ، لا يذكر الآن لماذا دعته ولماذا أجاب ، لكنه لا ينسى أبدا أن ما شاهده في الحفل قد أزاح الغبار قليلاً عن صورة الحلقة المفقودة في حياته ، حيث أكتشف فجأة أن لديه نظرات متطفلة وذلك لأنه صعد ببصره أكثر من مرة ليوصل السيقان التي نُحِتت بإتقان حتى اختفت أسفل التنانير القصيرة مختلفة الألوان والأحجام ، مما جعل الدماء تغلي في عروقه معلنة عن نفسها بهذا السؤال :
– كم يكلف العرس يا أمي ؟
ورغم أنها قد تفاجأت من السؤال لكن فرحاً غامضاً داخلها أراد أن يصل بالقصة إلى نهايتها فأجابت :
– هل تريده عرساً فخماً أم عرساً ” أي كلام ” ؟
تذكر صابر حينها عرس جارهم المغترب والذي كان حديث الحي لشهور عدة ، حيث هبط العروسان إلى مكان الحفل داخل منطاد كبير وزِع فيه اللون الأحمر بفوضوية لا تخطئها عين أسخف تشكيلي ، وكتب عليه بكلمات ركيكة قصة حبهما الجارفة ، لكن ما أحبط صابر بالفعل هو الرقم الفلكي الذي كلفه العرس ، ثم لاحت له بطريقة مربكة وكأنهما لازمتان الأجساد الناعمة البضة التي شاركها الحفل قبل ساعات وهي تستعرض مفاتنها بما ظنه حينها أمراً مقصوداً وغير مقصود معاً ، فبدت له المسافة بينهما بعيدة لدرجة أن صورة الحلقة المفقودة عادت لتبدو أكثر ضبابية من قل ، ليجيب من فوره :
– أريده عرس أي كلام طبعا
لتبدأ أم صابر حساب تكاليف العرس عبر عملية حسابية معقدة لا تتقنها سوى النساء صاحبات الباع الطويل في تنظيم المناسبات الاجتماعية سعيدة كانت أم حزينة ، ولأن صابر كان لا يزال تحت تأثير النشوة الهلامية ، لذا لم ينجح في متابعة الأرقام التي تصعد باضطراد متزايد ، حتى ذكرت أمه في النهاية المجموع الكلي ، وهنا أنتفض صابر كسجين في قفص المحكمة وقد سمع حكماً جائراً من فم القاضي
– هذا عرس أي كلام ؟
– نعم
– كم يكلف العرس الفخم إذا ؟
– أوووه .. أترى هذا الرقم ؟
– نعم
– اضربه في خمسة !

كان صابر يدرك تماما بعد ذلك الحوار ، أنه لو ظل يعمل كالثور حتى آخر يوم في حياته ، فإنه لن يحلم بأن يجتمع بامرأة تحت سقف واحد ، ومع هذا ظل كغراب بائس يبني عشه قشة قشة وكان ذلك في لحظات يؤمن فيها بأهمية أن تكتمل في حياته الحلقة المفقودة ، لكن لا يمكن بأي حال من الأحوال القول بأنه كان دائم الصبر في تلك الأيام التي أصبحت شهوراً ثم سنوات ، وهو كسيزيف يصعد بالصخرة خطوة وتتراجع هي به عشراً ، لأننا بهذا نجافي الحقيقة ، الحقيقة التي تقول أن الحياة داخل صابر أضحت في جسده أكثر مما هي في روحه ، وقد تبنى أراء مختلفة في تلك الفترة تجاه المرأة وعلاقتها بالرجل في موضوع الزواج ، بل إنه حين يزداد تطرفاً كان يقول أن أكثر الكائنات تطوراً هي تلك التي تستطيع الحفاظ على نسلها دون الحاجة لشريك لإتمام هذه العملية ويتجاهل بالكلية موضوع الحلقة المفقودة ، وكثيراً ما كانت هذه الآراء سبباً أصيلاً في فشل خِطباته العديدة التي قام بها ، حيث لم يكن بإمكان الفتاة الرومانسية في ذروة الشعور بوجود فارسها بجوارها أن تقبل منه حديثاً على شاكلة : ” قال أحدهم ذات مرة : شاهدت شحاذاً يبكي بجوار زهرة وقد ساعدها هذا علي النمو أسرع ، لا شك أن هذا ما يحدث لي الآن وأنا أجلس بجوار وحدتي وأراقبها كيف تنمو بطريقة موحشة ” ، أو الواقعية التي تنتظر هذه الليلة طوال حياتها ، وبعد أن أسرت لصديقاتها بمخططاتها لها أن ترضى بما يطلبه صابر من إلغاء لأغلب أركان العرس بحجة أنها عادات اجتماعية بالية مضارها أكبر من نفعها ، فالنساء – كما أكتشف صابر لاحقاً – يتزوجن لألف سبب وسبب ، من أهمها الخوف من الوحدة عندما يسدل الستار على آخر فصول العمر ، إنها نوع من الأنانية ، لكنها أنانية لطيفة بلا شك – يستطرد صابر – ، أما آخر هذه الأسباب هو أن يكُنَّ مع رجل تحت سقف واحد ، بعكس صابر – مثلاً – الذي كان بحاجة لامرأة والسلام ثم يأتي موضوع السقف لاحقاً .


أشعل صابر سيجارته الرابعة ولم تكن تلوح في الأفق بوادر نهاية للمشهد الذي يحدث أمامه ، لوهلة شعر بغيرة من الكلب ثم قال موجها حديثه للكلبة :
– لو أنه كان يتوجب على هذا اللعين الذي يستبيحك أن يجلب شقة فقط من دون أثاث ، لكان جالساً بجواري الآن ، فلا تغرنّكِ منه فحولة لن يدفع ثمنها .
وحين بدا له أن الكلب يحرك ذيله بانتشاء ولذة لا تخطئها عين الأعزب وحرمانه استشاط غضباً وقال :
– أراهن برأس أمي أنه ما كان ليتزوجك ولو بعرس .. ” أي كلام ”
ثم ما لبث أن شعر باحتقار عظيم تجاه نفسه لأنه فكر بهذه الطريقة أولاً ، وثانياً بسبب قسمه برأس أمه التي توفيت وهي تُمنِي نفسها بأن تحمل ابنه قبل أن تموت ، وشعر أنه لم يعد يستطيع البقاء في هذا المكان أكثر ، فقرر الانصراف بعد أن وضع ثمن الطلبات على الطاولة ، وفي اللحظة التي استقام فيها واقفاً ، ظهر عند أول الشارع رجلٌ يركض بكل سرعته وكأن العالم يهرول من ورائه طالباً دَينه ، قبل أن يقذف بالعصا المقوسة التي يحملها تجاه الكلبين ، أطلق الكلب ساقيه للريح بعد أن أخطأته الضربة القاتلة بقليل ، وبقيت الكلبة ساكنة بلا حراك تحدق في الأرض حين وصل إليها لاهثاً ، ركع على ركبتيه ليلتقط أنفاسه ثم قال وكأنه يبرر للجمع الذين شد انتباههم ما يحدث :
– هذا اللعين يراودها منذ مدة ، سأقتله في المرة القادمة
وبلهجة متوددة كأنما يخاطب ابنته قال للكلبة :
– أنت من سلالة نادرة يا عزيزتي وهذه الكلاب القذرة ، سوف يأتي بعد أيام من الخارج الكلب الذي سيمنحنا فرصة لتحسين السلالة أكثر
ثم حملها بين يديه ومضى ، شعر صابر بأن الحلقة المفقودة قد أحكمت إغلاقها حول رقبته بقوة حتى تكاد تقتله ، فألقى بجسده على الكرسي بوهن ملتقطاً أنفاسه ، وفي تلك اللحظة بالذات خامرته مشاعر متناقضة تماماً حيث أحس بتعاطف عظيم مع الكلب القذر ، وتمنى بشدة لو كان مثله .

عن راشد يسلم

mm
سوداني .. مُصابٌ بالديانّات .. والشُرودْ . أكتُب .. لأن هذِه الصحراءُ شاسِعةٌ وأنا لا أجيدُ الغِناء .

تعليق واحد

  1. Mir sind keine weiteren Probleme mit FFox 26 bekannt, das müsste man im Einzelfall prüfen. Die uns bekannten Fehler wurden mit dem Fix behoben.

أضف تعليقاً