صـوت الهاتف

0812150952474Nxc

إسلام أحمد منير :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

كلُ من حَولي يعرِفُونَ كم أني أُصابُ بالفزعِ بِسُرعة…كلُ شئٍ يُخِيفُني حدَّ الهلَع…خشخشةُ الحشائش…إرتطامُ الأبواب…صوتُ السياراتِ المُسرِعة…صراخُ الأطفال…أشياءُ كهذهِ حين تُفاجِئُنِي تُرسِلُني إلى الزاوية….تَترُكُني تماماً كقطةٍ صغيرةٍ دلقَ عليها أطفالٌ مشاكسون دلواً من الماءِ البارد….

لا أعرِفُ تحديداً متى بدأتْ عندي تلكَ العادةُ الغبية بالإضطرابِ من كلِ شئ….والإرتجافِ من كلِ شئ…حتى الآن أنا أحاولُ بصُعوبة السيطرةَ على إرتجافاتي التي تُسبِبُها الأصواتُ العالية…أُصابُ بالحرَجِ كثيراً من ردودِ فِعلي غيرِ المُتسِقة مع المواقِف…في الحقيقة أنا متصالحةٌ جداً مع الأخبارِ السيئة فقط يُفزِعُني وُصُولُها والضجةِ التي تُحيطُ بهِا….

حتى العامِ السابِق كنتُ أحيا مع إرتجافاتي وفَزَعي بِسُكُون…وعدا أهلِ بيتي وأُمي التي تمتلئُ بالقلقِ أن عيناً شريرة أصابتني قليلٌ من يُمكِنُهُ أن يلحظَ إضطرابي…

كنتُ أبدو عاديةً إلى أن إقتنيتُ هاتفاً…

في عالمٍ إنقطعت خيوط الإتصال جميعُها فيه عدا تلك التي تُمسِكُها شاشةُ الهاتف كان لابد من أن أقتنيَ هاتفاً…هاتفاً من أجلِ أُمي القلِقة عليَّ طُوال الوقت…ومن أجل عملي الذي يُلاحِقُني بكلِ مكان…ولأجلِ خطيبي الذي هجر بلدتنا ليحتمِي بأرضٍ بعيدة تمنحُه الدراهمَ التي قد تبني بيتاً يجمعُنا الإثنين…

صوتُ الهاتِف يخرِقُ طبلةَ أُذني…ورغماً عن أني إخترتُ له نغمةً حنونة لتُجنِبَني فزعي الطُفولي إلا أنَّ نغمةَ الهاتِف تستحيلُ تماماً عند قدومِ أي مكالمة لصوتِ منشارٍ كهربائيٍ كبير يندمِجُ مع صراخِ جوقةٍ من حيواناتِ الغابِ المتداحِرة…خليطٌ سمعيٌ لا أتمنى لأحدٍ أن يجرِبَهُ أبداً….

كلما دقَ هاتِفِي الصغير أُصابُ بسكتةٍ قلبيةٍ مُصغرَة…أمُدُ يدِي نحوهُ برِيبَة…الهواتِفُ لا تحمِلُ الأخبارَ الجيدَة…الأخبارُ الجيدة تُحكَى وتسمعُها بصوتٍ حقيقيٍ من مصدرِها بعيداً عن إنحناءاتِ أسلاكِ  الهاتِف…الأخبارُ الجيدة يتمُ تداولها طازجة…والهاتِفُ يبقى لنقلِ الأحزَان…

حاولتُ مراراً إقناعَ نفسي أن الهاتِفَ حين يدُقُ لا يتحولُ لكوم عقاربَ تُحاولُ أن تلدَغَني…حاولتُ مرةً تخيُّل الهاتِف لوحَ شُوكولا فاخِرة…مرةً أُخرى حاولتُ أن أتخيلَهُ باقة وردٍ تُناديني لأرشِفَ منها…ولكني فَشِلت…الهواتِف هي الهواتِف…شريرةٌ وبارِدة

حين يدُقُ الهاتِفُ في حقيبَتِي…وبعد أن أستوعِب أنَ مُرسِل الصوت هو هاتِفي الثرثار وليسَ صوتُ نهايةِ العالم..أحاوِلُ ببطء طردَ موجةِ الإرتجافِ التي تسرِي فينِي كصعقِ كهرباء…وأُغمِضُ عينيَّ برهةً طويلة قبلَ الرد…سماعُ نغمةِ الهاتِفِ اللعين هو نِصفُ الجحيم وسماعُ المكالمة نِصفُهُ الثانِي…

أنا لا أنتظرُ شيئاً مُعيَناً ولستُ خائفةً من شرٍ ما…الأشياءُ السيئة لا ننتظِرُها…الأشياءُ السيئة تنتظِرُنا…ورُبما تختبئُ لنا تماماً في مُنعطفِ المُكالمة القادِمَة!!

الهاتِفُ حين يدُق هناك دائماً إحتمالَين….أن تعرِفَ المُتصِل أو أن تكونَ جاهِلاً بِه…أن تكونَ جاهلاً بِه دائماً هو الخيارُ الأسوأ….الأشخاصُ الذين لا تعرِفُهُم نادراً ما يحمِلًون لك شيئاً مُفرِحاً…والأرقامُ الغريبة أغلبُها تأتي بِمُصِيبة….

كلُ شئٍ يعودُ لطبيعتِهِ بعد إنهائي المُكالمة… في أغلبِ الوقت ما مِن شخصٍ يحتضِر…لا أحدَ من أقرِبائي تمَّ الزجُ بهِ في السجن…وحتى الآن لم يتِم طَردِي من العمل…أحاديثُ عادية وأسئلةٌ ساذجَة هي كلُ ما يُكلِمُني عنهُ الغَبيُ في الطرفِ الآخَر…

لا أُحِبُ إطالةَ الحديثِ في الهاتِف…لا أسألُ كثيراً في الهاتِف…أُحبُ أن أطمئنَ على الأشياءِ بنفسِي وبِعينَيّ…أنا لا أثِقُ بِه…منذُ متى كان الهاتِفُ أميناً في نقلِ الأخبَار!!

*******************************

والِدَتِي صارَت تُراقِبُني بقلَقٍ أكثَر…تُكثِرُ مِن دَعَواتِها لي لأُشفَى مِن هذا الإرتِجَاف…حتى الآن هِيَ لا تعرِفُ  قِصَتي الحَزِينة مع الهاتِفِ الثرثار…كيف أُخبرُها بأنَ للهاتفِ عينين حمراوين تُحدقانِ فيَّ بشماتةٍ ما إن يتصِلُ أحدُهم بِي…وكيفَ أن قهقهتَهُ المُتواصِلة تَرِنُ في أُذُني حتى أثناءَ نَومِي…وكيف أن أزراره تلدغُني كُلما إقتربت منه….

الهواتِفُ من حولي كُلها أراها مُسالمةً ووادِعة إلا هاتفي..يُزعِجُني طُوال الوقت…وفي كلِ مرةٍ يرتفِعُ صوتُهُ بالرنين يتسارَعُ نبضي ويزدادُ تعرُقِي وخوفِي من هذا الشئِ الذي لا أعرِفُه ويختبئُ في هاتفي ويوقِظه صوتُ محدِّثي القادم…

قبل وقتٍ كنتُ أتمشى بهدوء في قارعة الطريق المؤدي لمنزلنا قادمة من يوم عمل طويل…حاولت جاهدة طرد أصواتِ الشارعِ المؤذية…وجهتُ بصري لبقعةٍ خضراء وحيدة بداخلي وتخيلتُ نفسي مسافرةً وحيدة بعيدةً من كل شئ…لبرهة كنتُ كاملة الهدوء وإبتسمتْ… إلى أن دقَ هاتِفي الغبي… قفزتُ حينها كعادتي قفزةً صغيرة وأرهقتُ قلبي بتسارعٍ أربعة أضعاف دقاتهِ في الدقيقة..صوتُ الهاتف هو الشئُ الأكثرُ إزعاجاً بحياتي..إزدردتُ رِيقي وأغمضتُ عينيَّ بخُشُوع لأُعيدَ صوابي إلي…”لِمَ الفزع..إنه فقط الهاتِف يا غبية”…أعرِفُ الرقمَ جيداً إنه الخطيب البعيد…حسناً يفاجئُني الهاتف بشخصٍ أحبه في موعدٍ غريب… ينقبضُ قلبي لهذا الخاطر….وبأصابع متثاقلة أستقبل المكالمة….

تحايا حارة إنسكبت بيننا الإثنين…أنا مشتاقةٌ لهُ جدا…إنقضى عامٌ منذ الرحيل…عامٌ كامل ممتلئٌ بإبتعاده وخوفي الذي يكبر…

– “لدي أخبار مفرحة…أنا في المدينة…عدت البارحة” كانت جملته تلك كفيلةً بجعلي غمامةً تطيرُ من الفرح….

صِحتُ صارخةً من دهشتي:”لا أُصدقك…”

ودون أن أدري كان يقول لي:”صدِّقي…أنا تماماً في الجهةِ المقابلة من الشارع…وأراك حيثُ تقفين”

إلتفتُ لأجدهُ بكامل الحضور…وفقط أخذتني قدماي نحوهُ دونَ تفكير…لحظتها بدأ الصوتُ من الهاتف يصرخ:”توقفي….إحترسي من الشاحنة!!”…لم أنظر للشارع ولا للشاحنة بل رمقت يدي التي تحمل الهاتف برعب… ولعنتُ الهاتف الذي كان يمدُ نحوي لسانا لا أدري من أين أتى وقتها…إنسدل أمامي ستارٌ ثقيلٌ من السواد ولا أذكرُ شيئاً بعدها

*************************

أنا الأن في مكانٍ ممتلئٍ باللونِ الأبيض…وكُلي مُغطاةٌ بالبياض…هل هي الجنة؟ بالطبعِ لا…لا أظنُ أن عملي الدُنيَوي يؤهِلُني لدخولِ الجنة بهذهِ السُهولة والسُرعة…هل هو مَشفى المَجانين…لا أظنُ ذلك…أنا حاولتُ إخفاء جُنوني بما إستطعت…ولا أظنُ أن أحدا غير أمي يشُكُ بي…وهي لا تملكُ الشجاعة لتخبرَ الجميع وترمي بإبنتها الوحيدة في مشفىً للمجانين….

تتحركُ عيناي ببطء…أنا أعرفُ هذه الشاشات التي تُومض والأسلاكَ الكثيرة المُتصلة بي…لابُدَ من أني في غرفةِ العنايةِ المكثفة بمشفىً ما…أفتح عيني أكثر بصعوبة لأرى بقية المشهد….أحاولُ تحريك جسدي ولكن كل شئٍ فيَّ يُؤلِمُني بشدة…حاولتُ إحصاء الخسائر…ساقٌ مكسورة من لفافةِ الجبص الضخمةِ هذه ويدٌ أخرى مهشمة…ولفافةٌ تحيط أعلى عيني…وتؤلمني حين ألمسها لا بد من أنه جرحٌ كبير!!

على المنضدةِ القابعة بجوارِ الفراش كان هاتفي الغَبيُ حاضراً فقط بخدشٍ صغيرٍ على الجانب…لا أعرِفُ من أتى بهِ إلى هنا…ولكنَّ هذا الوحشَ الصغير يجدُ دائماً طريقةً ليُثير أعصابي…

بدأتُ أصرخ…أتت إليَّ ممرضةٌ مُسرعة…

-صرخت فيها:”خذيه من هنا…لا أريد رؤيته…أبعديه عني”…وقفتِ المُمرضة واجِمة

بدأتُ أصرُخُ بصوتٍ أعلى:”هذا الهاتف…خذيهِ عني!!”…..

سحبَتِ الهاتِف وانصرفت مُسرعة…لابُد من أنها ستعودُ ثانيةً بحُقنةٍ كبيرة تُفرِغُها في وريدي…وجيشٍ من الاطباءِ الصِغار

مرت دقيقتان…وعادتْ تماماً كما توقعت…لتجدَني هادئةً جداً ومبتسمة…تراجعتْ بِإبرتها الكبيرة…وتبادلتْ مع الطبيبِ بعض الحديثِ الذي لم أفهم منهُ شيئاً ولا أريد…مالي ولحديثِ الأطباءِ المعُقد…هم يسمعون بعضهم ويسألون بعضهم ولا أحدَ يفهمُك…

مرتِ الأيامُ بعدها هادئةً جدا… فقط بعد نوباتِ هياجٍ مشابهة فَهِمَ الجميعُ أني لا أريدُ أن أرى هاتفي مرةً أخرى ولا أريدُ ان أسمع قصة الحادِث أو أن يسألني عنها أحَد….

***************************************

المكانُ الأبيضُ الذي أنا فيه هادئٌ جدا….يتيحُ لي فرصةَ الإستماعِ لنفسي…لا أصواتَ لتُزعجني…ولا هواتِف لتدُق…فقط أنا وهذهِ الأغطية البيضاء وبعضُ الألم…في الحقيقة هو ألمٌ شديد ولكن مقارنةً بالأصواتِ التي كانت تَخنقُني خارجاً الألمُ يبدو وكأنهُ لاشئ….

وأنا في فِراشي هذا بدأت أراقبُ الناس من حَولي بصَمت…هناكَ الكثيرُ من الأشياءِ لتُلاحِظها…سأحتاجُ عمراً آخر مثل عمري ليستقبلَ عقلي كلَّ هذهِ التفاصيل…

شئٌ وحيدٌ فقط إسترعى إنتباهي أكثرَ من البقية….وحبَس أفكاري كُلَها بهالتِه…(هواتِفُهُم)

لدى العديدِ من حولي صناديقُ صغيرة مؤذية…ترتفعُ بالرنينِ بين حينٍ وآخر…لابدَّ من أن الجميعَ في هذا الكوكَب أضحى يمتلك هاتفاً كما يمتلكُ إسماً وفماً وأُذنين!! لا شئ آخر لأفعله…عيناي بينَهُم…فقط بعدَ أسبوعٍ من المُراقبة وجدتُ الجميعَ يخافُ إن دقَّ هاتِفُه…كلُهم تأتيهِ رعشة خفيفة حين يرتفِعُ الرنين…بعضُهُم ربما أغمضَ عينيهِ قبل أن يرُد على المكالمة..بعضُهم يُتمتِمُ بصلاةٍ قصيرة..بعضُهم يهذي بسبةٍ أو سبتين وبعضِ اللعنة…بعضُهم يتوارى..بعضُهم يستندُ على أقربِ مِقعد…والكل يُخرجُ تنهيدةً طويلة بعد إغلاقِ سماعةِ الهاتف

إكتشفت حين ترتفعُ الهواتِفُ بالرنين يُصابُ الجميعُ بسكتةٍ قلبيةٍ صغيرة…لا فرقَ من تكون أو ما قد يحمِلُهُ صوتُ الهاتف…لوهلةٍ سينسى قلبُك أن يدق مرةً أو إثنتين…إلا أنَّ بعضَهم ماهرٌ جداً بإخفاءِ سكتتِه!!

تعافيتُ من وعكتي الصِحية ومن أشياءَ أُخرى لازمتني طويلاً…عدُتُ لحياتي العادية…وسافرَ خطيبي للبعيدِ من جديد…بعد أن أنفقَ كلَ ما جمع لبناءِ بيتِنا الصغير فداءَ رقدتي تلك على السريرِ الأبيض…لقد أحببتُهُ أكثر…

عدتُ بعدها للحياةِ أخرى….تغير الكثير فيني…الكثيرُ من الندبات…عكازتين…عرجٌ في مشيتي..وعينان تريان أكثرَ من أي وقتٍ مضى….فقط حُبي لغائبي البعيد ما تَغير.. ووحشتي من صوتِ الهاتِف!!

رُغم ذلك ولدهشةِ الجميع إقتنيتُ هاتفاً جديداً حالما خرجتُ من المشفى…إقتنيتُ هاتفاً ولم أُحببه…ولكني كنت أحبُ رجلاً يأتيني بصوتِهِ نبضُ الهاتِف…

حبي لرجلٍ يحيا في غربتِهِ بكلِ سوادِها فقط لأجلي…يجعلُ تضحيتي بعقد هدنةٍ مع الهاتِف تبدو ضئيلةً جداً…يحتاجُني بجانبه…وأحتاجُه بجانبي…ويبقى بيننا الهاتِف!!

في الحقيقة لم تَعُد دقاتُ الهاتف تُخيفُني كما في السابق…فماهو أسوأُ من أن يأتيَك خبرٌ عبر الهاتِف أن شاحنةً ستدهسُك وقبل أن تنتهيَ الجملة تكونُ أنت تحت عجلاتِ هذهِ الشاحنة….كلُ شئٍ آخر يبدو تافهاً…وكلُ الأخبارِ السيئة التي يمكنُ أن تحدُث تفوقَ هذا عليهَا….

وللحق فأنا لا زلتُ بين مرةٍ وأخرى أنتفضُ إن دقَ الهاتِف…ولكني لا أرتعِبُ كما كُنت…ورُبما في بعضِ الأحيان لمحتُ الهاتف يمُدُ لسانَه لي…لم يعُد هذا يثيرُ أعصابي… وبعد أن أتأكدَ من خُلوِ المكان رُبما مدَدَتُ لهُ لساني أنا أيضاً….

لم أعُد خائفةً من جُنوني فبعدَ الأشهرِ التي قَضيتُها في مراقبةِ الناس…أصبحتُ أعرفُ أن الكثيرين مثلي… بين حينٍ وآخر تصيبُهُم هواتِفُهم بالجُنون….

عن إسلام أحمد منير

mm
كاتبة من السودان

أضف تعليقاً