الرئيسية / العدد الثالث والأربعون / صورة ونص : ضو البيت / بندر شاه

صورة ونص : ضو البيت / بندر شاه

14031016_1416954261651820_1340998107_n

الطيب صالح :

جمع حمد ثوبه حول هيكله النحيل وقال :

” حين كنا صبية ندرس القرآن في مسجد حاج سعد، كان مختار صبي عاجباه نفسه، مفتول العضلات مرهوب الجانب. نجتمع بعد الدرس تحت شجرة السيال الكبيرة الموجودة إلى يومنا هذا، ويقف مختار وسط الحلقة عاري الظهر يركز للمبارزة. كانت تلك الأيام أيام فروسية ومرجلة والولد الخواف لا يقدر يعيش وسط أولئك التماسيح، والمبارزة بإيش، سوط طول الذراع من عروق السنط. اللهم صل على نبينا؛ ما كان صبي يحتمل أكثر من سوط أو اثنين بالكتير من مختار ود حسب الرسول، أما هو فكان ظهرة زي ظهر عجل البحر قدر ما تضرب فيه بالسوط ولا أثر.

أنا ما كنت أحتمل الضرب أبداً، أقف بعيدا لا بي ولا علي وكفى الله المؤمنين شر القتال. طول النهار مختار راكز وسط الحلقة والأولاد يدخلوا واحد ورا واحد.

وكان مختار كلما يلقاني يهزأ بي يناديني باسم أمي من شدة الاستحقار، يقول لي يا ود حليمة متين تبقى راجل تدخل الحلقة مع الرجال؟

المغصة تحش قلبي زي السكين، وأزعل غاية الزعل، لكني أنا قليّل وكحيان. كيف العمل؟

يوم من الأيام حزمت أمري موت حياة ما علي شيء وأخير من قولة ود حليمة، أقول لك بني آدم مصيبة معلقة بالسببية إذا دست على طرفه ما يغلب حيله أبدا.

بعد الدرس جريت إلى بيتنا، كيس شطة يمكن رطل، شلته وانطلقت فوق الخلاء لحد ما البيوت ظهرت رهاب رهاب، شطة حمراء نار الله الموقدة أكلتها كلها وقلعت عريان ومسحت بيها جسمي كله، العياذ بالله من النار الولعت في بدني، نار الجحيم انطلقت وأنا أصيح بطول حسي واي واي والدنيا خلاء ولا حد سامع وأبرطع وأتمرمغ في التراب، والعرق نازل شل شل. يا زول ألم أجل الله السامعين شي يمخول العقل، بعد داك لم يهمني أبدا، أدخل النار ما أحس بأي شي، جريت وقميصي في أيدي وعيوني شرار والرأس ورمان قدر الزير.

وصلت السيالة لقيت مختار ود حسب الرسول أل ما يخفى علي راكز عامل عنتر خلص على الجماعة كلهم، تش دخلت ووقفت قدامه وركزت، عاين لي باحتقار قال ود حليمة اليوم بقيت راجل؟

أنا ما أقاشط واحد ولد مره.

الله أكبر رمقته بي عيون زي الشرر، قلت له أبقى راجل اضرب، اتبسم وضحك، وعاين جاي وجاي والجماعة يضحكوا صبركم بالله؛ ود مفتاح الخزنة وود رحمة الله ضحكهم عالي، قالوا ود حليمة راح في داهية؛ مسك السوط وختاه بين ايديه الاثنين، وفرقعه في الهوا وج وج، بعدين لف حوالي ونقرني بالسوط نقرات خفيفة هنا وهنا، عاوز يزعزعني، وأنا راسي فيه ستين ألف عفريت، وبعدين ركز وضرب رجله اليمين في الأرض ولولح السوط ونزله، وحياتك نزل علي بردا وسلاما بعد نار الشطة؛ جلدي خدران كأنه ميت، إذا جرحته بالسكين ما يحس، هبدني بالسوط الثاني والثالث وأنا راكز زي الحيطة، إذا كان الباب دا يحس أنا أحس، وقت وصل السوط السابع وقف، زح لي ورا وعاين لي باستغراب.

حدرته بنظرة زي سم الله الهاري.

بلع ريقه، صاحبي بدا يتزعزع، بعد ما في ضحك، الناس سكتوا بم، ضحك ود مفتاح الخزنة وود رحمة الله يبس في حلوقهم.

عليك أمان الله حسيت زي كان شيطان مارد في بطني بقى يتحرك ويكبر ويفرهد ويفرد جناحاته فوق العالم كله، حسيت كأني جبار شمهورش إذا كان سقف السما وقع أسنده بإيدي.

الشطة أجارك الله وحرقة القلب، صرخت فيه يا زول بي صوت ما أعرف جاني من وين، قلت له يا وليد ميمونة، أحقره باسم أمه، أبقى راجل واضرب بالسوط، قسما النهارده يا أنت يا أنا يشيلوه من هنا للجبانة.

الناس ساكتة صن.

ضربني التامن والتاسع والعاشر، ضرب بي غل، ضرب القوي لما يعرف إنه ضعيف، ضرب الضعيف وقت يعرف إنه ضعيف؛ لما وصل تلاتين، جدك وبندر شاه الله يمسيهم بالخير وقفو، مسكو السوط من أيده، قالوا خلاص انت أخذت حقك، الضرب لي حمد.

أنا أخو البنات؛ يا زول، حسيت كأني زي سر عسكر الترك، بقيت أنفخ وأقدل، قلت لهم خلوه يضرب، قسما بسورة كاف لام ميم، شوف عندك جنس قسم، ود ميمونة الليلة لازم يشيلوه جنازة. جدك وبندر شاه قالوا أبدا، تلاتين سوط كفاية. مسكت السوط لقيته مليان دم، الله أكبر. هزيته فوق الحاضرين ولفيت في الحلقة لفتين وأنا أقدل وأتبختر.

ود مفتاح الخزنة وود رحمة الله منكمشين يعاينوا للأرض من الخوف، نقرت كل واحد بالسوط فوق راسه، بعدين طلقت الزغاريد..

أيوي أيوي أيويا.

عاينت لي مختار ود حسب الرسول لقيته راكز متماسك لكين جبهته ندت بالعرق، بقيت أدور حواليه وأنقبشه بالسوط مرة مرة، وأصرخ وأبرطع بعيد وأجيه راجع، وأقيف قدامه وأنط في الهواء عملت ليه حرب أعصاب، لحد ما اتأكدت زولي خلاص حالته بقت حالة.

ود مفتاح الخزنة وود رحمة الله بعد ضحكهم ما كان ضدي بقى معاي، الوحيدين أل بقوا يضحكوا وراي كل ما ضحكت؛ الله يخيبهم، دايما مع الغالب.

رفعت السوط فوق ونزلته شر، عليك أمان الله كأنك شرطت لك قماش، مختار ما اتزعزع لكين عينه رمشت.

نزلت السوط الثاني سمعته قنت، أنا أخوك يا السمحة.

أديته الثالث زح ورا شوية.

السوط الرابع اترتع.

السوط الخامس وقع بب غمران.

الناس ساكتة ولا حس، مبهورين؛ أنا التعبان الكحيان حمد ود حليمة أهزم مختار ود حسب الرسول، الفارس المغوار والبطل الهدار.

أقول لك شعرت كأني سيد الكون، مالك الليل والنهار. والحكاية كلنا أطفال أكبرنا عمره ما يحصل ثمانية سنين. بقيت أضرب من طرف، وأغير يمين وأغير شمال، أجوط بي جاي وبي جاي، أكتر ضرب ضربته ود رحمة الله وود مفتاح الخزنة؛ يا زول، ركبني جن، وقفت وسط الحلقة وختيت رجلي فوق مختار، وهو راقد جثة هامدة، زي كأني أسد واقف فوق الفريسة، بقيت أتكلم كلام خارم بارم ذكرني بيه جدك وبندر شاه بعدين، قالوا خلاص كفاية.

جدك قال لي خلاص عرفنا إنك راجل.

رد عليه بندر شاه قال إذا كان ود حليمه يفتكر إنه راجل، في أرجل منه، وما أحس إلا وضربة في بطني من بندر شاه، بعدها ما عرفت حصل شنو.

وقت صحيت لقيت نفسي في بيت بندر شاه، على عنقريب وجنبي راقد مختار، والألم أجارك الله، أنا أصرخ واي، ومختار يصرخ واي.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً