الرئيسية / احدث التدوينات / صورة ونص : عدّاء الطائرة الورقية

صورة ونص : عدّاء الطائرة الورقية

img-20160924-wa0016

خالد حسيني :

كنا في مكتب بابا بالطابق العلوي، غرفة التدخين، عندما أخبرته بما علمنا إياه الملا فتح الله خان في الفصل. كان بابا يصب لنفسه الويسكي من البار أنشأه في ركن الغرفة. أنصت، هز رأسه، وتناول رشفة من شرابه، ثم غاص في أريكته الجلدية، ووضع المشروب، وأجلسني على حجره. شعرت وكأنني أجلس على جذعي شجرة. سحب نفسا عميقا ثم زفر من أنفه، واستمر هسيس الهواء يتخلل شاربه لزمن بدا لي أبدياً. لم أستطع أن أقرر ما إذا كنت أرغب في معانقته أم القفز من فوق حجره هلعاً.

قال بصوته الغليظ:

– أرى أنك خلطت بين ما تتعلمه في المدرسة وبين التعليم الحقيقي.

– لكن إذا كان ما قاله صحيحاً فهل يجعلك ذلك آثما، بابا ؟

– هممم.

طحن بابا مكعب ثلج بين أسنانه:

– هل تريد أن يعرف ما يعتقده أبوك عن الإثم ؟

– نعم.

– إذن سأخبرك، لكن عليك أن تفهم هذا أولاً، وأن تفهمه الآن يا أمير: لن تتعلم أي شيء ذي قيمة من هؤلاء البلهاء الملتحين.

– هل تقصد الملا فتح الله خان ؟

أشار بابا بكوبه، فطقطق الثلج:

– أقصدهم كلهم. أتبول على لحى كل أولئك القردة مدعي الصلاح.

شرعت أقهقه. كانت صورة بابا وهو يتبول على لحية أي قرد، مدعي صلاح أو غيره، أكثر مما أحتمل.

– إنهم لا يفعلون شيئاً إلا التسبيح وقراءة كتاب كتب بلسان لا يفقهونه حتى.

أخذ رشفة.

– وليكن الله في عوننا جميعاً إذا سقطت أفغانستان في أيديهم.

استطعت أن أقول بين نوبات القهقهة:

– لكن الملا فتح الله خان يبدو لطيفا.

– وكذلك “جنكيز خان”. لكن يكفي هذا. لقد سألت عن الإثم وأنا أريد أن أقول لك. هل تنصت ؟

قلت:

– نعم.

ثم ضممت شفتي، لكن ضحكة خرجت من أنفي مثل الشخير، فقهقهت ثانية.

حدجني بابا بعينين حجريتين، وعندها توقفت عن الضحك.

– أريد أن أتحدث إليك رجلاً لرجل، هل تعتقد أنك تستطيع تحمل ذلك لمرة واحدة ؟

همهمت، وأنا أتعجب، ليس للمرة الأولى، من مقدرة بابا على إيلامي لهذا الحد باستخدام هذا القدر القليل من الكلمات:

– نعم، بابا جان.

كنا في لحظة طيبة عابرة – لم يكن بابا يتكلم معي كثيراً، ناهيك عن جلوسي على حجره – وكنت سأصبح أحمق إن ضيعت الفرصة.

قال بابا:

– عظيم.

لكن عينيه كانتا حائرتين:

– الآن، أياً كان ما يعلمك الملا، هناك إثم واحد فقط، واحد فقط، وهو السرقة. كل إثم آخر سرقة من نوع ما. هل تفهم هذا ؟

– لا، بابا جان.

قلتها وكنت أتمنى لو أنني فهمت. إذ لم أكن أريد أن أحبطه ثانية.

تنهد بابا في نفاد صبر، وأوجعني ذلك أيضاً، لأنه لم يكن رجلاً نافد الصبر. تذكرت كل تلك الأوقات التي ظل فيها حتى حلول الظلام، كل الأوقات التي تناولت فيها عشائي وحيداً. كنت أسأل علياً أين بابا، ومتى سيرجع، مع أنني كنت أعرف جيدا أنه في موقع البناء، يتابع هذا، ويشرف على ذاك. ألا تتطلب تلك الأمور صبراً ؟ كنت قد بت أكره بالفعل كل الأطفال الذين يشيد دار الأيتام لأجلهم، وأحيانا كنت أتمنى لو أنهم ماتوا جميعاً مع آبائهم.

قال بابا:

– عندما تقتل رجلاً، فأنت تسرق حياة، تسرق حق زوجته في أن يكون لها زوج، تسرق من أطفاله أباهم. عندما تكذب، تسرق حق شخص في معرفة الحقيقة. عندما تغش، تسرق الحق في المنافسة الشريفة. هل تفهم ؟

فهمت. عندما كان بابا في السادسة، تسلل لص إلى دار جدي في منتصف الليل. وقد تصدى له جدي، وكان قاضياً محترماً، لكن اللص طعنه في حلقه، فأرداه قتيلاً على الفور – وسرق من بابا أباه. قبض أهل البلدة على القاتل قبيل ظهر اليوم التالي، وتبين أنه مشرد من منطقة كندوز. شنقوه على فرع شجرة بلوط قبل ساعتين من صلاة العصر. رحيم خان، وليس بابا، هو من أخبرني بتلك القصة. كنت دائما أعرف أشياء عن بابا من الآخرين.

قال بابا:

– ما من فعل أخبث من السرقة يا أمير. الرجل الذي يسطو على ما ليس له، سواء كان حياة أم رغيف “نان” … أنا أبصق على هذا الرجل. وإن لقيته في طريقي، فليكن الله في عونه، هل تفهم ؟

كانت صورة بابا وهو يصرع لصا مبهجة ومرعبة في آن.

– نعم، بابا.

– إذا كان ثمة إله، فآمل أن تكون لديه مشاغل أهم من كوني أشرب ال”سكوتش” أو آكل لحم الخنزير. والآن، انزل. كل هذا الكلام عن الإثم جعلني عطشان من جديد.

راقبته وهو يملأ كوبه على البار وتساءلت كم من الوقت سيمر قبل أن نتكلم ثانية بالطريقة التي تكلمنا بها للتو؛ فالحقيقة أنني كنت أشعر طوال الوقت كما لو أن أبي يكرهني قليلاً. ولم لا ؟ ففي نهاية المطاف، أنا من قتل زوجته الحبيبة، أميرته الجميلة، ألم أفعل ؟ وكان أقل ما يمكن أن أفعله هو أن أكون من اللياقة بما يكفي لأكبر شبيها به ولو قليلاً، لكنني لم أصبح شبهه على الإطلاق .

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً