الرئيسية / العدد الثامن عشر / طفلة المقبرة..

طفلة المقبرة..

1460990_379761455518101_6395047694823601140_n

حسين إدريساي :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

في الهزيع الأخير من الليل وفي مثل هذا الوقت من كل عام ..

تستيقظ طفلة ما من المقبرة المجاورة لأطلال منزل متآكل ..

تنفض الموت من عينيها الفضيتين برفق فتسقط كمية لا بأس بها من الدود ..

تسعل غبارا أصفر ..

تجدل ضفيرتيها المبعثرتين ..

تتأبط ذراع دميتها الذاهلة ثم تمضي ..

ربما تكون في الثالثة أو الرابعة هي نفسها ليست متأكدة ..

وما تعرفه يقينا أنها أصغر عمرا من القناصة المتجولين بثلاثين أو أربعين طلقة ..

أصغر من الجنرال المتغطرس الذي يضع ساقا فوق ساق بعشرة نياشين ..

أصغر من الصدأ الذي يجرح سيقان الدبابة المتبججة الواقفة بمدخل القرية ..

أصغر من أن يراها الطيار دامع العينين

الذي يقود طائرة ورقية ضخمة تقذف ألعابا نارية من فمها وتحلق فوق سطح منزلها ..

وفي الحقيقة كان هذا آخر مشهد تذكره قبل أن تفقد معظم ذاكرتها للأبد ..

بخطوات حذرة تدلف إلى داخل المنزل تصعد الدرج بلهفة وتشق طريقها إلى العلية ..

تدلف إلى غرفة ما ..

تحتضن بذلة عسكرية تعشعش داخلها العناكب تلثم أكمامها وتسكب داخل جيوبها دمعها الغزير ..

ثم تعود بذاكرتها المشوهة بضع محطات إلى الوراء ..

فتقرص روحها وتثلج خاطرها مشاهد محببة وقديمة ..

تذكر بفخر أباها بقامته الفارعة المديدة ..

تذكر صرامته ورزانته الدائمة ..

وكيف كان يعود من العمل متعبا فيرفع عقيرته صائحا لتتراكض هي وأخواتها هيبة وإجلالا ..

وعندما كان يسترخي في مقعده كن يرتمين داخل حضنه وينزلقن فوق أكتافه كأنهن سناجب وحلزونات عشبية ..

كانت ضحكته تطلق أعيادا في المنزل ..

وتقطيبته تجعل الجميع غضابا ..

وعندما قرع ناقوس الحرب وأذن مؤذن الواجب المقدس لحماية الوطن شمر عن ساعديه ثم مضى ..

وبعدها علق الجميع أنظارهم على أكرة الباب وألصقوها بغِراء اللهفة والترقب لشهور طويلة ..

حتى إذا ما مات اصطبارهم رأت هي وأهلها ذلك الطيار دامع العينين الذي يقود طائرة ورقية ضخمة تطلق ألعابا نارية من فمها وتحلق فوق منزلها ثم لم يعودوا يذكروا شيئا !

الآن هي تأخذ شهيقا وداعيا وعميقا من بذلة أبيها العسكرية ومن جيبها الصدري بالذات حيث كان يضع صورتها هي وأمها وأخواتها ..

تذرف دموعا ثكلى وتنشج بحرقة طفلة موءودة ..

ثم تهبط الدرج سريعا الذي أطلق صريرا مواسيا وموجعا ..

تقذف بدميتها داخل القبر المظلم ..

تتغطى بالتراب جيدا وتنهمر عليها الأسئلة المعتادة ..

– هل عاد الغالي ؟

– هل انتهت الحرب ؟

فتهز رأسها نفيا ..

بعدها يعلو الوجوم والحزن جميع الأوجه ..

ويخلد الجميع إلى سبات عميق !

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً