طفولة

إبراهيم جعفر :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

■■

رغيف

عادة ما تقطع الطفلة المشوار بين المخبز والمنزل بسرعة تكفيها فقط لأن تأكل نصف رغيفة… لكن هذا لم يحدث اليوم، ولا في الأيام التالية.. وذلك ﻷن البنت الصغيرة، ذات الأعوام الثمانية، تلكأت في طريق عودتها للبيت، ومشت دروباً أخرى لم تخطوها قبلاً.. كانت تسير على مهل، كيفما سمحت لها قدماها الحافيتان.. فرحة، تغني أنشودة البنات، وتتمايل ضفيرتاها مع أغصان الشجر. البنت الحلوة رقصت للحمام، وأبداً لم يراودها التعب.. غازلت بتؤدة شمس العصر الناعسة، ورسمت على الهواء، بأصبعيها، كل ما تحفظ من أماني… لكنها في اللحظة الموازية، تلك التي تفصلها عن الحياة والرحيل، والتي تحوي سر الألم، وتكفي أيضاً ﻷكل نصف الرغيف الآخر، ماتت.!

■■

لعبة

كانت تحمل بين يديها -مع كيس الخبز- لعبة لدمية بلاستيكية شقراء.. تنادي عليها بابنتي، وتمنحها بخيالها اللا محدود شعوراً وحساً؛ فهي تنام معها وتصحو، تأكل حين تأكل، وتلزمها أينما حلّت.. كان للدمية عينين زرقاوين، وشفاهاً باردة، وفستاناً مورداً، وإذا ما حدث وهزتها كانت تضحك بلا انقطاع، وتضيء كقمر دافئ مساحات الحب… لذلك، عندما تألمت البنت، واعتصرها فزع لم يستطع عقلها الصغير إدراك كنهه، ضغطت بشدة على دميتها، وتشبثت بها مستعصمة. كانت أنفاسها تخفو شيئاً فشيئاً، وصرخات استنجادها تسكن دون أن تصل إلى المغزى… ببساطة، كانت تحتضر!

■■

حلم

أولاً، فكرت الفتاة في أنها تحلم، ﻷن الألم بدا رهيباً ولا يعقل أن يكون حقيقة، وأنها ما إن تستيقظ ستجد أمها بجانبها تمسح عن جبينها قطرات الأسى.. لابد وأن أمها ستهذب لها شعرها الطويل بالزيت والدهان، وستوضب الكراسة وتجهزها للحاق بالمدرسة. وفوراً، استجمعت ما بقى من قواها الخائرة، وظنت أن بإمكانها النهوض من الكابوس.. لكنها لم تقدر، فالألم ظل عصيّاً ومستمراً، وبطريقة ما يعجزها. كان الظلام الخافت يثير لدى الطفلة عدم اليقين، ورائحة الأسمنت والطوب -للبناية الجديدة- أزكمتاها وجعلتاها تعطس… كانت بالكاد تسمع زفرات الرجل الملتصق بها كأنها غمغمة قادمة من بعيد، وتشتم منه بنفور رائحة العرق النتن الممزوجة بالقشعريرة.. هي لم تبالِ مطلقاً لكونها الآن فاترة، ولا للزوجة الدم التي اندلقت ولطخت الأرض كزهور منطفئة… كل الذي شغل بالها هو: متى تصحو لترجع الرغيف؟!

■■

حمامة

حينما ناداها الرجل لم تجد داعٍ للريبة، فلطالما اعتادت على رؤيته يعمل بالجوار. ذهبت إليه مباشرة واستفهمته عن ما يريد… لكنه قال بأن هناك عصفورة يودُّ أن يهديها لها، فرحت البنت وتبعته إلى العلية، وحقاً كان أجمل قفص طيورٍ شاهدته، مليء بمختلف أنواع الشقشقات والهديل، تغريدات ورفرفات أجنحة… سألها ببساطة أن تختار واحدة، أشارت إلى فرخ حمام أبيض ببقع بنية، لكن قبل أن يُسلّمها إياه، بريشه البض وذيله الحريري، خافت البنت وتركته يطير، فعيون الرجل تبدلت فجأة إلى فراغ، وبنيته الضخمة، حينما انقضّ عليها، لم تستطع مقومتها… في الأخير قتلها!

■■

غناء

ارتبك الرجل حين أدرك أن الصغيرة ماتت، ذعر وشرع في التخلص منها عبر مجاري الصرف الصحي، ثم هرب مسرعاً بلا عودة..

بحث أهل الطفلة كثيراً لكنهم لم يهتدوا إلى شيء، لأيام وأسابيع، لكن قبل أن ييأسوا سمعوا غناءً صاخباً ومتواصلاً من أعلى البناية الجديدة، كانت كل الطيور قد جنت تماماً، مصدرة جلبة غير مفهومة حول بقايا الرغيف، ومن بينها كان فرخ الحمام الأبيض بالذات، الذي أضحى الآن حمامة كبيرة، يضرب على الدمية ليجعلها تغني..!

عن إبراهيم مكرم

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " ملاحم " 2015 م .

أضف تعليقاً