عبثيات

11891141_467281846785869_4283872621951159657_n

إبراهيم جعفر :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

١
إن أكثر شيءٍ يمكن أن يبدو غريباً ، هو وجود ذبابة تُجرب الخروج عبر نافذة زجاج مغلقة ؛ ذلك العبث اللا نهائي للمحاولات الفاشلة ، تفاني الهمة والإصرار .. ثم الاصطدام بحاجز شفاف غير مرئي والسقوط بخزي. فدون أن تعي السبب ، تهوى الذبابة في كل مرة إلى أسفل ، متأرجحة بأجنحتها ، متألمة على الأرجح ، وعاجزة تماماً. إنها حقاً ترى ضوء الشمس وتشعر بلسعة أشعته لكنها لا تطوله ، فقط تزنّ عندما يكون الوجع خفيفاً ، تحلق مسرعة ، تطير وتحلم وتأمل .. وحينما تتعب ، في الأخير ، ستطير بلا صوت ، سترتطم بلا استسلام ، وستموت.!

٢
عندما حاول الكاتب الشاب المبتدئ أن ينشر أقصوصة الذبابة التي احتجزتها نافذة ، قال له محرر الصحيفة إنها رائعة ، الفكرة والأسلوب وما إلى ذلك ، سننشرها لك في عددنا القادم ، حسناً أو بعد القادم ، أرسل لنا بيناتك الشخصية ، أنت تعرف ؛ الاسم والعنوان والبريد والهاتف ، وصورة واضحة تكون فيها مبتسماً … سننشرها لك بالتأكيد ، دام إنها قصة قصيرة ومناسبة ومهضومة ، … ، إنها فاتحة خير لتعاون مشترك ، نحن ندعم الشاب ، … ، سننشرها لك ، سننشرها.!
٣
بعد سنوات ، كتب الكاتب المبتدئ الذي لم يعد شاباً ، حكاية الكاتب الذي فشل في نشر أقصوصة ذبابة حجزتها نافذة . كانت قصة أخرى رائعة ومليئة بالحزن والمشاعر ، ذلك لأنها تحمل حكايته هو بالذات … لكن الناشر عندما قرأها أحس بشيء من التحامل ، فآثر أن لا ينشرها مكتفياً بوعود مموهة وشروط .. قال له بأنه كاتب جيد ، لا بل ممتاز ، لكن عليه أن يركز في ما يتعلق بمستوى سير الشخوص وفق الأحداث ، وأن ينتبه للزمان والمكان داخل النص.!
٤
لم يفهم الكاتب المبتدئ ، الذي بات عجوزاً ، معنى سير الشخوص وفق مجريات الزمكان ، لكنه قبل أن يموت ، كتب قصة أخيرة ؛ قصة كاتب مبتدئ كتب قصة شاب كتب حكاية ذبابة ، ولم يُشر فيها على الإطلاق إلى الناشر أو الزجاج أو المعاناة ، كتبها فقط وانطلق يطن.!

 

عن إبراهيم مكرم

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " ملاحم " 2015 م .

أضف تعليقاً