الرئيسية / احدث التدوينات / عبد الغني كرم الله وأصالة الحكي

عبد الغني كرم الله وأصالة الحكي

received_901130250067691

بقلم: أمير تاج السر*

      تعود معرفتي بالقاص والروائي السوداني عبد الغني كرم الله، إلى تسعينيات القرن الماضي، كان ذلك في الدوحة حيث أقيم، وكان هو يقيم أيضاً، نلتقي بقصد وبلا قصد، ونتبادل الحكي والأفكار، ويطلعني على قصصه الغريبة المؤثرة التي كان يكتبها بشغف، ولا يظهرها كثيراً، قصص عن الحارات الضيقة، والأشجار الخضراء المتشابكة، والأحذية التي تقفز من أماكنها على فاترينات العرض، وتنتقل من قدم إلى قدم، وأذكر تلك القصة عن الكلب السعران الذي طارد مدرساً أو مديراً لمدرسة، لا أذكر جيداً، وأظن تلك القصص كانت هي نواة كتابه القصصي الجميل الذي صدر بعد ذلك بعنوان آلام ظهر حادة، وليستعير بعد ذلك قصة آلام الظهر في عمل روائي.

      قصص عبد الغني تمتاز ببساطة الحكي، لا غموض ولا فوازير ولا تشنج للغة يحتاج إلى ذهن يفكه، هي قصص تنبع من القارئ نفسه وتصب فيه، قصص ربما يحس بأنه شارك الكاتب في صياغتها، وفي الوقت نفسه تمنحه ما تجود به من إبهار، يظل مترسباً في ذهنه، وحين كتب قصصاً قصيرة للأطفال بعد ذلك، كان يكتب أيضاً لفئة، هضم أفكارها جيداً، ومنحها زاداً جيداً للمستقبل القرائي الذي ينتظرها.

     في روايته القلب الخشبي الصادرة منذ عامين عن مداد الإماراتية، أيضا يفاجئناً عبد الغني برواية قصة توجد في بيوتنا كلنا، ولكن قد لا ينتبه إليها أحد، أو ربما ينتبه لكنه يعجز عن تلك الوقفات التأملية في الذاكرة الطفلة لاستعادتها، إنها قصة دولاب كبير من الخشب، به ضلفة للأم وضلفة للأب ومساحات كبيرة من العطف والحنان، تسع أشياء الصغار والكبار كلها، هناك حيث يمكنك أن تختبئ في أي وقت، إن كان ثمة من يطاردك، أن تعثر على الحلوى المخبأة دائماً من عبث الصغار، وتأكلها كلها، أن تعثر على رائحة أبيك الراحل، وثيابه القديمة، ووثائق سفره أو امتلاكه لأشياء أيضاً يدسها عن الناس.

      لقد تحولت خزانة من الخشب إلى مستودع أسرار وتفاصيل لا يكتبها إلا حكاء ماهر، إنها رواية لكنها كتبت بعين القصة القصيرة، وقصة قصيرة، كتبت بدمع الرواية، الدولاب الكنز، والدولاب المأساة والدولاب الذي سيبكي الطفل عند فراقه، بسبب الاضطرار. ورأيي أن عبد الغني من القلائل الذين يستطيعون التنقل بين أزمان مختلفة، ويعودون إلى زمنهم، يستطيع أن يكون الطفل الصغير فجأة، والناضج، وأيضاً الكهل حين يروي عن جد أو جدة (حبوبة)، هو يستخدم مفرداتنا المحلية حين يأتي ذكر الجدة، لكأنما هي هويتنا بالفعل، والذي عاش في زمن الجدات القديمات، راويات الحكايات قبل النوم، ومانحات الملاليم التي تكفي لجلب الحلوى، يدرك بالفعل أن الجدة هي الوطن الذي يفتقده الكثيرون من أجيال الزمن الحاضر.

     شخصياً أحب قصص عبد الغني كرم الله، وأحب “حوامته” في التراث السوداني، من دون أن يرفع ثيابه الإبداعية، هو يتركها تبتل بوحل تراثنا وصفائه، ويمنحنا تلك القصص الجميلة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • كاتب وروائي سوداني.
  • البورتريه من أعمال الفنانة إباء أحمد.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة