الرئيسية / احدث التدوينات / عبد الغني كرم الله يهزم المحاصرة بيقينية أن الحياة (فكرة إنسانية)

عبد الغني كرم الله يهزم المحاصرة بيقينية أن الحياة (فكرة إنسانية)

received_903985596448823

      يوماً ما، في أمسية سودانية، كان بيني وبين المثقف عبد الغني كرم الله حواراً حول قضية (ثقافة الوسط)، اتجاهاتنا في نقاشاتنا، أنه من المفترض صناعة (مثقف يستطيع)، والاستطاعة فعل مجيد، لابد من أن يكون زينة لكل مثقف. يومها قلت: بعضنا له موجِدة على ثقافة (الوسط)، ويعتبرها ثقافة تحاول، أو تمارس الإستيلاء على المسارات والمساحات واحتواء أو إقصاء أو إبعاد للثقافات الأخرى، هذه الفكرة تضع كل الأطراف في مرافعات واتهامات، وهكذا يمارس كل طرف ما يريد ممارسته من غير توضيح أو تلميح بقول علمي وأكاديمي، لكن بشكل قراءات نستطيع القول أن ثقافة (الوسط) بشكل أو بآخر تمثل ثقافات السودان بنسبة معينة، فهي جماع تلك الثقافات، وقد يُرى فكرة سيطرة بعض الثقافات على أخرى، لكن تلك السيطرة لا يمكن أن تقود لوضع يصنع الأزمات وتأطير لثقافات مهمشة في الأطراف، صحيح أن هنالك بعض الضعف في عرض كل الثقافات السودانية على مستوى مناهجنا وإعلامنا، لكنه ضعف ممارسة وليس ضعف منهج إقصائي يمارس على ثقافة ما، لنقرأ حركية ثقافاتنا مع بعضها البعض على المستوى الاجتماعي الشعبي، نجدها متحركة بشكل مؤسسي ومسارات ومحددات متعددة، والقناعة أن تشكيل ثقافة الوسط كان على طريقة تلاقح وانفتاح واقتراب بين المجتمعات السودانية، وخرجت بقوتها الكاملة من هذه التباينات والاختلاف، إذا يمكننا القول أن ثقافة الوسط في وضعها المعرفي والشعبي نستطيع وصفها بقولنا إنها ثقافة تؤسس للاختلاف على قواعد الجمال، ووصفنا هذا نريد به ترسيخ ما يفيد بأن البحث عن مسببات في عقلية بعضنا إلى وضع ثقافة الوسط كأنها في موضع اتهامات بسيطرة وإقصاء وإبعاد، لكن الحقيقة الجلية أن مصنوعة من تلاقح ثقافي نتيجة لهجرات سودانية للوسط في أزمان متباينة وبأسباب مختلفة من كل أطراف الوطن، هذا التلاقح صنعها، وبالمقابل كانت هنالك في مكانها في الأطراف راسخة ومتطورة في ذاتية وقيمية، لم تضعف هنالك، لكن جاء ضعف في المعرفة بها هنا وهناك على أطراف الوطن وفي المجتمعات، سببه مجموعة من التعقيدات في سياسات اعلامية وفي مناهج تعريفية ضعيفة بأجزاء الوطن كمجتمع وثقافة، هذا أمر حقيقي، لكن محافظتها على رسوخ وتأريخ يبدو أمراً يستحق الدراسة والعمل علمياً به، الثقافات السودانية في كل مكان تجدها متطورة ومحافظة وفيها قيمة تواصلية بين أصحابها، وهذه فكرة وطنية، إذ أن المحافظة على الثقافات يبدو من الأهمية بمكان، ومن الأشياء التي يجب الحرص عليها من الجميع.

       أريد القول أن من يرسخ لتهميش ثقافات معينة يبدو كمن يحاول القول بأن حركة السيطرة حقيقية في مجتمعاتنا وهي ليست كذلك، قد تكون هنا وهناك، لكنها ليست مركزية، وفي الامكان العمل على نشر كل ثقافة مع النهضة الإعلامية العالمية بوسائطها المختلفة، حتى يتحقق لها الانتشار والإضافة للإنسانية، نعم هنا يتم نفي الضعف للثقافة ومن يحملها ومن يدافع عنها، وما زلت عند قولي بأن الضعف والاتهامات من بعضنا بأنه في محاصرة يشكل أجيالاً سودانية ضعيفة في مفاهيمها الثقافية والمجتمعية، لا أحب الصراخ دائماً بأن هنالك سيطرة على ثقافة معينة في أجهزتنا الإعلامية، والواقع ينفي ذلك جميلة وتفصيلاً، لكن بالمقابل كمثقف تحمل رؤية ثقافية لمنطقة ما، ما هو دورك نحو ذلك، ماذا تعمل وما هي رؤيتك لوضع فكرة تنطلق منها معرفية مجتمعية بتلك الثقافة، العمل وحده هو من يشكل الإنقاذ لما يحمله عقلك من أقاويل تهميش وسيطرة ثقافة معينة، لا تكن ضعيفاً ولا تكن من الذين يصرخون وهم على كسل معرفي وكسل عملي وكسل علمي، ثم تضع الاتهامات لأولئك الذين يعملون، بإمكانك صناعة رؤية معرفية بكل ثقافة تحملها وتأكيد قوتها وإضافتها للعالم والانسانية لو أنك قمت بمحاصرة ثلاثة أشياء (ضعفك الذاتي، ضعف رؤيتك، وضعف القيمة المحركة لك كمثقف)، فلو نجحت في فعل ذلك، فأنت فاعلٌ بقيمة حقيقية وثقافية، وغير ذلك تكون بوصف (فاعلٌ) كثيراً باتهامات وصرخات وهنا لن تأتي قيمة إيجابية، وتظل الحركة منك المزيد من الإضعاف لثقافة ما، كان من الممكن أن تكون فاعلة بحق.

      هذه المقولة: بإمكانك صناعة رؤية معرفية بكل ثقافة تحملها وتأكيد قوتها وإضافتها للعالم والانسانية لو أنك قمت بمحاصرة ثلاثة أشياء (ضعفك الذاتي، ضعف رؤيتك، وضعف القيمة المحركة لك كمثقف)، وضعتها في مسارات المثقف عبد الغني كرم الله، فاكتشفت أنه يمثل كل تماثلات الرفض لها، فلسفته أن يكون مثقفاً بين الناس، حوارات كثيرة ومتعددة ومتبانية في اتجاهاتها بيني وبينه في أماكن مختلفة، الملتقيات الثقافية، الساحة الخضراء، معرض الخرطوم الدولي للكتاب، أخذتُ في توصيفه الفعل الحقيقي كرؤية حاكمة لحياته الثقافية، أفصح ما فيه ليس حواراته مع كل الأجيال السودانية، بل في تحريضه لها لتكتب، لقناعته التي يجادل بها الزمان والمكان في السودان، وهي أننا لم نعرف بعد كيف نوثق لتفاصيلنا وأشياءنا، وإن لم نصل لمرحلة التوثيق الحقيقي لن نكتشف بعضنا البعض، وعدم اكتشافنا لبعضنا البعض هو الفكرة المسيطرة على حركة حياتنا، فصنعتنا بين نزاعات وصراعات، ولم نعرف يوماً حوارات ونقاشات حقيقية، والذي لم يكتب حول تجربة عبد الغني كرم الله الثقافية أنها تجربة تحريضية على الفعل الحقيقي للكتابة، وعلى التحريضية في قيمية أن صوت الشباب محركاً للمستقبل والحياة في بلادنا، ثم يرى واحداً للحُسن في تواصلية وحميمية مع كل صوت سوداني، واكتشفتُ قيمته في كونه سوداني له احتمال جميل للمختلف معه، ويؤسس لعلاقة وثيقة على مسارات أن نتفق بعشق ونختلف برؤية، وكثيراً ما كان يقول إننا نحتاج للمختلفين عنا، والمثقف الذي يصدح بذلك يقيناً هو المثقف الذي نحتاجه فعلاً لوطننا، ولحياتنا.

     هذا الصوت، ظني أنه وزارة ثقافة ووزارة وطنية، وكثيراً ما كنت أسمع قيمته الأسنى في محددات الانتماء للوطن وقوله أننا كمثقفين واجبنا قيادة الوطن للأجمل، هذه الفكرة هي المحركة له، في حياته، لذلك حرفه كقيمة وحواراته كرؤية، ونقاشاته كفكرة هي كلها ترتكز على حياته مثقفاً يريد قيمة (عليا) للوطن، من هنا فالمحاصرة بالضرورة تأتي له بإشارة طاغية، ومحاصرة لروحه و نفسه ووجدانه، ولأنه (مثقف مختلف)، فالمحاصرة له تبدو مثل تماثلية الأرواحيات التي يسكن فيها، يهزم المحاصرة بذلك، يستطيع صناعة حوارات مع (المحاصرة) نفسها رغم طغيانها بالفعل الوطني الذي يقود المثقف في روحه، ومن هنا فهي نفسها محاصرة بقلبه وعقله ولنقرأ: تفترض المحاصرة أنه سياسياً، وتكتشف أنه (مثقف) فاعلٌ برؤية فعل الفعل المجيد للوطن بطريقة ثقافية، وتضع المحاصرة كل فكرته في كونه مناهضة لها، فيقول للمحاصرة : لو أنكِ ضد قيمة (الإنسان)، فأنا معها، وعلى ذلك فكل حياتي مناهضة لكِ. ثم تهمس المحاصرة له، ولماذا حواراتك ونقاشاتك الكثيفة مع الأجيال السودانية، فيهمس لها: وهل قيمتي كمثقف غير أن أفعل ذلك، وتصرخ المحاصرة فيه: ولكن هنالك مثقفين صامتين؟ فيهمس لها الهمس الجريء : وأنا أرفض الصمت، ولرفض الصمت ثمن محاصرة كاملة لوجدان عبد الغني كرم الله، القناعة أن الوجدان ينتصر كثيراً ودائماً، فلماذا؟

     تفترض تلك المحاصرة، أنها الحقيقة كاملة، ويرفض عبد الغني كرم الله برؤية مفادها، وهل الحقيقة إلا بيننا جميعاً، والمحاصرة ترفض صوت يصرخ بالكل المجموعي، المحاصرة تحب الصوت الواحد، تحاول ترسيخ فكرة الذاتية، والتي يرفضها جملة وتفصيلاً، بل يقول (صوتي في صوتهم، وصوتهم في صوتي)، وهكذا فكل المسارات مختلفة بينه وبين تلك المحاصرة. دائماً ما تلجأ المحاصرة للفعل الذي يهزمه، فتحاول قتل روحه فتكتشف أنه الروح فيه مواجدها كثيفة عليها ومساراتها باذخة ومحدداتها يقينية بأن الحياة (فكرة). لذلك لن ينهزم عبد الغني كرم الله، لأنه يرى الحياة (فكرة إنسانية كاملة).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • البورتريه من اعمال الفنانة أبرار إبراهيم

عن هيثم الطيب الفقي

mm
صحافي وناقد سوداني متخصص في الفنون الأدائية...دبلوم عالي في الصحافة التنموية.. معهد البنك الدولي،واشنطن