الرئيسية / احدث التدوينات / عبقرية الحوارات

عبقرية الحوارات

عثمان

(1)

      أحبُ جداً قراءة كتب السيرة الذاتية للكتاب والمفكرين، وكذلك مذكراتهم الشخصية، والحوارات الصحفية أو التلفزيونية أو الإذاعية التي تجرى معهم. وأحب أيضاً اللقاءات المفتوحة والجلوس أمام المنصات استماعاً لكاتب ما، أو إدارة الأنس العادي والعفوي معهم، وهو بالطبع غير الخطابة، فمَلكة الكتابة تختلف عن الخطابة، فهناك من قُدر له أن يكون خطيباً مُفوهاً على أن يكون كتاباً مجيداً.

(2)

      أعود إلى المذكرات والسير الذاتية، فحبّي لها وشغفي بها نابع من رأي شخصي؛ لا أعرف متى تبنيّته، ولكن دوماً يُخيّل لي أن القراءة عن الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي مر بها كاتب ما ( مفكر، شاعر، روائي، …الخ) تساهم بقدر كبير في فهم مُنجزه الكتابي، تحليله وتفكيكه وفقاً للسياق الزمني والتاريخي الذي كتب فيه؛ والذي بالطبع يُساهم في تقديم قراءات ودراسات وافية عن الكَاتب المَعني. وأيضاً تقنين كتابته وقولبتها وقياسها مع من يكتبون معه في نفس الحقبة الزمنية، أو في ذات النسق الكتابي، مما يمكّننا كقُراء تحديد مدى جودة أو ضعف الكاتب مقارنة برصفائه.

(3)

      إنّ قراءتي لرواية (الخبز الحافي) للروائي المغربي محمد شكري، والتي قدّمها على اعتبار أنها سيرته الذاتية، كانت علامة فارقة جداً في مسيرتي القرائية. وأيضاً كتاب (عشت لأروي) لغابريال غارسيا ماركيز والذي سرد فيه مسيرته ككاتب. وكتاب (أنا) لعباس محمود العقاد والذي تحدث فيه عن أفكاره وحياته الخاصة واهتماماته اليومية.

     أما متابعتي لحوارات الطيب صالح، وخيري شلبي، وامبرتو ايكو، وبول اوستر، وابراهيم الكوني، والبرتو مانغويل، واليف شفاق …الخ، جعلتني اُقبل بشغف أكبر، وشهيّة أعلى؛ للتعاطي مع مشاريعهم الكتابية.

     فأن استحضر نبرة صوت الطيب صالح وأنا اقرأ في (عرس الزين)، أو نظرة غاليانو الدقيقة وأنا اقرأ (ابناء الايام) أو (صائد القصص)، أو ابتسامة امبيرتو ايكو الساخرة ولطفه وأنا أقرأ في روايته (إسم الوردة)، أو كتابه المُهم (تأملات في السرد الروائي)، كل هذه الأمور مُحفّزه وأكثر حيوية وواقعية. 

(4)

     أذكر هنا حواراً أجري مع الطيب صالح في قناة النيل الثقافية؛ سُئل فيه عن: هل هو مصطفى سعيد في روايته موسم الهجرة إلى الشمال!! فأجاب بسخريته المُحبّبة وقال: “أحتار في من يصفني بأنّي مصطفي سعيد ولا يقول بأني الزين (بطل رواية عرس الزين). واستدرك مضيفاً: “أم أنّ الزين أهبل، وأنا لا أخلو من الهبالة.” إنّ مَقطع حِواري مثل هذا قد يجعلك تُعيد قِراءة عُرس الزين أكثر من مرة، وإن كُنت تَحفظها كلمةً كلمةً، لأنّك ستحاول الوصول إلى المُبتغى الذي يريده الطيب صالح.

     وأذكر حواراً مع الروائي الليبي ابراهيم الكوني سُئل فيه عن: لماذا لا يكتب سِوى للصحراء؟ فقال: “إنّ الصحراء التي يقصدها ليست الصحراء بمفهموما الفيزيائي، والتي تتكوّن من رمل وصخور وسهول وسكان وتضاريس، بل الصحراء بمفهومها البعيد، والتي قد تَعني النفس البشرية بكل جموحها واتساعها وغموضها، أو القصد منها الموت، أو الحياة البشرية عموماً.” وهذا المقطع الحواري يساهم بدرجة كبيرة في تفكيك عوالم الكوني الغرائبية والمدهشة.

    وفي مُجتزأ من حوار للروائي والفيلسوف والمفكر أمبرتو إيكو قال إنه يَحتار في الكُتاب المُتحمّسين الذين يَكتبون رواية كل سنة، كيف لهم أن يُفوّتو فُرصة أن يَعيشو مُتعة التجهيز للكتاب لمدة خمسة أو ستة أعوام. وهو الأمر الذي يُبرر  بصورة أو بأخرى، تأخّر إنتاجه الروائي والذي تجاوز العشر روايات، حيث انتج روايتة الاولى المسماة بـ(أسم الوردة) في عمر الثامنة والأربعون.

(5)

     اقترح هنا كُتباً تساهم بدرجة كبيرة في تقرّيبك كقارئ من بعض الأدباء والكتاب وهي:

– فيزياء الرواية موسيقى الفلسفة (حوارات مختارة مع روائين وروائيات” من ترجمة الأديبة لطيفة الديلمي).

– تأملات في السرد الروائي لامبرتو ايكو.

– عشت لأروي لغابرييل غارسيا ماركيز.

– ترويض الخيال (حورات مع 15 كاتباً وكاتبة من العالم) ترجمة وإعداد/ على عبد الله الأمير.

– أنا لعباس محمود العقاد.

– قوة الكلمات، حورات أفكار. تقديم وترجمة الأديبة لطيفة الديلمي.

– حرائق السؤال. ترجمة محمد صوف.

عن عثمان الشيخ

mm
كاتب من السودان