عن الكتابة

مأمون

 مأمون الجاك :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك إصغط هنا

اللغة وحدها لا تصنع كاتبا جيدا ، فاللغة لعبة مفخخة في يدي من يشاء … كما أن معرفة البحور والعروض لا تجعل منك شاعرا … ولكن التجارب التي يكتسبها الشخص أثناء حياته هي من تصنع الكاتب فيه … يقول راينر ماريا ريلكه : لكتابة قصيدة جديدة يجب عليك أن تزور كثيرا من المدن وتلتقي العديد من الأشخاص

فالكتابة إحساس قبل أن تكون أي شئ آخر ، فقد تقرأ بيتا لشاعر لا تعرفه إلا أنت فتطرب وتدهش بينما تمر عليك أبيات للفرزدق كسحابة صيف ، ولذلك يمكن أن تعزي الدهشة التي تعتريك كلما قرأت نصا جميلا فذلك لاختلاف الإحساس والتجربة ، فلا أحد يمكنه أن يأتي بحرف جديد غير ال-28- حرفا ولكنه يمكن أن يكتب وفقا لتجربته التي ستكون مختلفة بكل تأكيد .

يقول صنع الله ابراهيم في تقديم روايته ( تلك الرائحة ) : عندما استفسرت أحد الصحفيين عن رأيه في لغة إحدى قصصي الأولى _ الثعبان _ من ناحية القواعد النحوية ، فأشاح بيده في لامبالاة قائلا إنها مسألة تافهة يمكن علاجها – بواحد أزهري مقابل شلن –

وكثيرا ما كان الطيب صالح يردد عندما يسأل عن قواعد الدراما والرواية : لا أدري وهنالك من هم أعلم مني بذلك أي النقاد والمتخصصون .

فالتجربة قد تكون إنسانية كالسفر والاغتراب … فلو لم يهاجر الطيب صالح إلى لندن لما كتب قصصه ورواياته لأن معظمها متعلق بالحنين للقرية والوطن ودفء العشيرة وكذلك المتنبي الذي كان يقول :

غني عن الأوطان لا يستخفني **** إلى بلد سافرت عنه إياب

وماركيز الذي جاب عواصم أوروبا صحافيا مشردا قبل أن يكتب رائعته ( الحب في زمن الكوليرا ) …

وقد تكون تجربة مريرة مر بها الكاتب ، كشارلز ديكنز الذي عانى في صغره من الفقر والبؤس لكي يمدنا بعد ذلك بالروائع عن الفقراء والمشردين … وديستوفيسكي الذي كان يعاني الصرع والنفي في سيبيريا فكتب لنا عن النفس حتى صار فيلسوف الوجودية الأول ، كما أنه كتب روايته ( المقامر ) عنه تحديدا بعد فترة من الإدمان على القمار في كازينوهات باريس .

كما يمكن أن يكتسب الكاتب التجربة من الاطلاع الذاتي والخلوة مع النفس وإطلاق العنان للعقل والخيال … وكان القديس أوغسطين ينصح تلامذته بالتفكر في النفس : بل اجلسوا .. اجلسوا .. وما هذه الأنهار والجبال والوديان والنجوم والفتيات .. بلادكم أولى بكم .. بل نفوسكم أعمق .. فانظروا فيها .

وأبو العلاء المعري لم يكن إلا رجلا أعمى ، قلق النفس متشائما ، لكنه خلا إلى عقله وخياله فكتب بدائع في الشعر ، كما كتب واحدا من أعظم كتب الأدب العربي ( رسالة الغفران ) ، وكذلك كان بشار بن برد أعمى لكنه كان يكتب الشعر ويصف ببصيرته لا بصره .

أما الكتابة الخالية من التجربة والاحساس فتأتي غالبا كسيحة مجردة .. وتقرأ عادة دون استمتاع لأن الكاتب لم يبذل جهدا فيها وهذا الجهد

هو التجربة .

عن مأمون الجاك

mm
كاتب من السودان

لا تعليقات

  1. ان كنت ان تكون انسانا كاملا فعليك بالقراة والكتابة

  2. ان كنت ان تكون انسانا كاملا فعليك بالقراة والكتابة

أضف تعليقاً