الرئيسية / العدد الثالث والعشرون / عن مختارات الطيب صالح

عن مختارات الطيب صالح

مأمون

عرض : مأمون الجاك

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

بالنسبة للكثيرين فان مختارات الطيب صالح – مقالات نشرت في صحف عديدة ثم جمعت بعد ذلك في 10 كتب – لا تقل أبداً في أهميتها  عن أعماله الروائية ، اذ أنها كتبت بذات النبض والثراء المعرفي ، فبعد توقفه عن الكتابة السردية اتجه عبقري الرواية العربية الى الكتابة المقالية الحرة ويبدو أنه وجد فيها متسعاً لعرض أفكاره ورؤاه وشهاداته لأحداث عاصرها … يقول محمود صالح عثمان صالح عن المختارات : ” الطيب صالح – في رأيي – كاتب شامل مكنته ثقافته العميقة وإطلاعه الواسع باللغتين العربية والانجليزية على : علوم اللغة ،  الفقه ، الفلسفة ، السياسة ، علم النفس ، علم الأجناس والأدب ، والشعر ، والمسرح ، والاعلام أن يروي ، ويحكي ، ويخبر ، ويوصف ويحلل ، ويقارن ، وينقد ، ويترجم بأسلوب سهل عذب ينفذ الى الوجدان والفكر كما تشهد هذه المجموعة من المختارات “

يطوف بنا الروائي العظيم عبر هذه المقالات الى أماكن مختلفة ويسير بنا عبر أزمنة متعددة وطرق متشعبة ، ويعرفنا الى شخصيات شاركته مسيرته الابداعية وأخرى تقاسمت معه المسرح ، ففي ” منسي … انسان نادر على طريقته ”  يرجع الطيب صالح الى عادته المحببة في تدوين حياة الشخصيات الفريدة والمبهرة ، ذات الطباع والمواقف الغريبة ، بدءًا بالزين ، مرورا بمصطفى سعيد وضو البيت وانتهاءًا بمنسي ، كل واحد من هؤلاء نسيج لحاله ، عجيباً في تصرفاته وأحواله ، سلط الأديب الضوء عليهم وترك لهم مسرح الأحداث يعبثون فيه كيفما شاؤوا ، فرسخوا في ذاكرة القارئ ، كما يمثل هذا الكتاب توثيقاً لجزء من سيرة المريود ، رغم أنه ينزوي عن الأضواء طائعاً وهي توجه وتبرق نحوه ، فنرى ها هنا قبساً من رحلاته ، وهو المصاب بداء الرحيل كأنه يسير على خطى المتنبي :

غني عن الأوطان … لا يستفزني الى بلد سافرت عنه اياب

 وكأن أبو الطيب يعنيه حين قال :

مضت الدهور فما أتين بمثله … ولقد أتى فعجزن عن نظرائه

 ونتعرف على آرائه في أدباء كـ” صامويل بيكت ” الذي كال له التقريظ والمديح  كذلك الحال بالنسبة لجيمس جويس ، ومواقفه من بعض الأحداث كالحرب الفلسطينية الاسرائيلية ، الحرب الأهلية اللبنانية ، عمله في الـBBC ، يتخلل ذلك الوقائع المضحكة والغرائبية التي تقع له رفقة منسي وهما يتنقلان من بلد لآخر .

 وفي سفره البديع ” في صحبة المتنبي ورفاقه ” يأخذنا معه الى مدن موغلة في القدم فنراها رأي العين ونسمع خطوات من مشوا على تلك الدروب ، انه يعيد صياغة حياة الشاعر العظيم ، بكر الزمان وفلتة الدهور كما يصفه هو ، يحلل وينقد ويوضح مع امتلاكه لأدوات النقد الحديثة  ونظرة الأديب العارف المتمكن وذائقة الفنان ومعرفة بدقائق أسرار اللغة العربية واطلاع ثر على ما خطه المستشرقون عن الأدب العربي ، يسبر أغوار نفسي  المتنبي والمعري ، ويشرح البيت من القصيدة فيتجلى الجمال الكامن فيه ويغدو لوحة منفصلة ويبين المعاني الخفية والمجهولة ، مستشفاً لآثار عبقرية المتنبي ، مدافعاً عنه ضد منكري فضله ، مفنداً لمآخذهم عليه إنتهازيته وسعيه وراء السلطة ، لكنه مع ذلك لا يتمادى في تقديسه ولكن يلومه ويؤنبه ويذكر أخطائه ، فها هو يعيب عليه قوله بمدح أحد الأمراء من آل البيت :

 وأبهر آيات التهامي أنه أبوك … وأجدى ما لكم من مناقب .

يسوق تبريرات القدماء له ثم يعود ليوضح أن ذلك البيت فيه اساءة أدب مع النبي – قصد الشاعر بالتهامي ” النبي محمد ” وأن أوضح آياته هو أنه جد لذلك الأمير – ، ثم تراه يقف الى جانب كافور ، منافحاً عنه ومفحماً لمن قالوا أن المتنبي لم يمدحه وإنما هزئ به ، ويعيد بعث المعارك الأدبية القديمة فتنظر الى طه حسين ينتقص من قدر المتنبي وتسمع محمود شاكر يرد عليه ثم يأتي الطيب صالح ليوفق بين هذا وذاك وينصف المتنبي  ، مستدلاً بما كتبه جهابذة شارحي ديوانه البارع ويلتفت الى معاني قد فاتهم إدراكها فاذا هو يبذهم ويتفوق عليهم .

 ووسط هذا كله لا يغيب عنه همه الأكبر ” السودان ” ، فاذا بك تراه يستثير البيت من القصيدة كوامن أشجانه فيذكر الوطن وما فعله به الساسة ، يحزنه ضياعه وتكدر حروب أبناءه عليه صفائه :

” ان تعجب فأعجب لرجال يقتحمون مسرح التاريخ – من أين لهم كل هذه الثقة بالنفس ؟ – الأوطان صفحات بيضاء تخط فيها كيف تشاء ، كأن أحدا لم يجئ قبلهم ولا أحد سوف يجئ بعدهم . وقد زعموا أنهم أهل تقوى وقرآن ؟ أفلا يتدبرون معاني كلام الله الكريم ؟ ومن أين لهم أن يحيطوا بكل احتمالات المستقبل “

 انه أيضا لا ينسى أدب السودان ، يستشهد بأبيات من الشعر العامي وقصائد الحردلو ، بل ويعقد مقارنة بين الحردلو والشاعر الأموي ذو الرمة …

     هاجس الوطن يعاوده مرة أخرى في كتاب ” وطني السودان ” ، يتسائل هل ما زال السودان كما تركه عام 88 ، وهو يتابع تلك الأحداث بعين فاحصة من على البعد ، يضع السياسيين على ميزان عادل ، يذم بعضهم ويتنبأ لآخرين بمستقبل جيد ، يسائل جعفر نميري وهو يتوق للعودة للسودان من منفاه : تعود لأي شئ يا رعاك الله ؟ أما حكمت قرابة عشرين عاماً فكنت مثل طفل شرس أطلق سراحه في متحف للخزف النادر ، فكسرت وهشمت ؟

ثم يتحدث حديث العارف عن الصادق المهدي قائلاً : لقد عرفته في لندن حين كان طالباً ، ثم عملت معه فترة وجيزة عام 66 حين كان رئيساً للوزراء ووزيراً للاعلام وهو لم يتجاوز الثلاثين ، ثم هاهو بعد نحو عشرين عاماً .. هو هو ، لم يتغير كثيراً ، أدبه الجم نفسه ودماثته المعهودة ، ويقول عن عبد الرحمن سوار الذهب : لقيت سوار الذهب منذ شهرين في صلاة الجمعة ، لمحني في الصلاة فلبث ينتظرني عند الباب ، كذلك هو انسان مهذب . وأكثر ما لفت انتباهي في حديث الطيب صالح عن السياسيين كلامه عن باقان أموم فقد تنبأ له بلعب دور بارز في ملعب السياسة السودانية ، وقال عنه أنه سيكون ذا شأن .. وقد كان – رغم أن باقان كان حينها شاباً صغيراً ، يرافق البعثات هنا وهناك –  ، ولا ننسى أنه اضافة لبكائه السودان فقد بكى رموزه – محمود محمد طه بعدما أعدمه نميري – كما أن له رسالة شهيرة وجهها لحسن الترابي بعد المفاصلة ، يدعوه فيها الى الى أخذ العظة والتوبة والتكفير عن ما فعله بالشعب والوطن ولكن ” سفاه الشيخ لا حلم بعده ” .

و كتاب ” مقدمات لدواوين شعر وكتب ” جمعت فيه المقدمات التي كتبها الطيب صالح كتقديم لدواوين بعض الشعراء : صلاح أحمد ابراهيم ، الحردلو وغيرهم

وفي ” خواطر الترحال ” و ” للمدن تفرد وحديث – بجزئيه : الشرق والغرب ” و ” المضيئون كالنجوم من أعلام العرب والفرنجة ”   ، يستكمل الطيب صالح ما بدأه قديماً ، بشأن  عالمية رسالته ، فتجده يتحدث عن الشخصيات التي كان لها أثر كبير في تكوين حضارات الشرق والغرب  .

بينما خُصص كتاب ” في رحاب الجنادرية وأصيلة ” لمقالات كتبها عن هذين المهرجانين .

عن مأمون الجاك

mm
كاتب من السودان

تعليق واحد

  1. hi ingo, at rays just got back from match.3 1 win for super blues, got arsenal or them from over the road in next round,city won yesterday,united not in it till next year,liverpool 1 down at moment,keep goin lar.dad

أضف تعليقاً