الرئيسية / احدث التدوينات / عودة إلى الحياة

عودة إلى الحياة

7a8d5e9ea818a2f493b96db33f2e0d2c

كل شيء اليوم سريع ، كل الأمور تحدث بسرعة ، الأحداث تتقلب بسرعة ، كل شيء يأتي بسرعة و يذهب بسرعة ، و لهذا يطلق الملاحظون حول العالم على هذا العصر : عصر السرعة … فيما أن البعض الآخر يطلق عليه : عصر السرعة ، لأن كل الخدمات فيه تتحقق بسرعة ، كل الرغبات متاح تحققها بسرعة !

بمعنى آخر: كل الرغبات تأتي بسرعة، و لما كانت بطبيعتها سريعة انتهاء الصلاحية، فهي إذا تأتي بسرعة و تذهب بسرعة ! …

هذه السرعة التي تزعج البعض ممن يميلون إلى الوحدة ، من يميلون إلى التأمل ! …. و كأن السرعة تحقيق الرغبات لا تشبع جوعهم ! … لهذا يلجأ الكثير إلى استهلاك الألم ، إلى حد الإدمان ! كأنهم يحاولون إشباع الجوع الذي تخلفه السرعة ، بإدمان الألم

لذلك ظهر مذهب جديد يحاول استخراج معنى الحياة من المعاناة ، فأصحاب هذا المذهب يعتقدون أن المعاناة هي معنى الحياة الحقيقي !

و على هذا جاز لنا أن نتساءل : فيما يكمن معنى الحياة ؟ في الاستهلاك أم في المعاناة ؟

أما عن الاستهلاك ، فبالبعد المتجاوز للوجود الحيواني ، أي البعد الذي يرضي الكائن المتسائل ، هو تغذية الذات قصد إمدادها بمزيد من الطاقة الحيوية ، أي توسيع نطاق حياة الذات ! … أي أن الاستهلاك في حقيقته هو إنشاء علاقة بين الذات و الغير ، لذلك فإن الاستهلاك يجعل الغير يحل في الذات !

و أما المعاناة ، فهو شعور ناتج عن مصارعة الغير ، قصد إيجاد المعنى الحياة العميق عند البعض ، كما سبق و قلنا ، في محاولة لإحلال المعنى العميق للحياة محل الاستهلاك في الذات !

و بمعنى آخر ، بما أن المعاناة غير ، ما دامت هي ناتج عن تصادم مع الغير ، فالبحث عن المعاناة هو في حقيقته : استهلاك لها ، بمعنى آخر ، أن مذهب المعاناة يقوم على استهلاك المعاناة !

فإذا ، لا فرق بين المذهبين الشائعين السائدين اليوم ، إلا من حيث المحمول في حامل الاستهلاك ، فالأول محموله : اللذة ، و الثاني محموله : المعاناة !

و عليه يصح لنا أن ندعي أن المذهبين السائدين اليوم ، هما مذهبا المتعة و المعاناة ، قطباهما السادية و المازوخية ! …. و كلاهما قائم على مبدأ الاستهلاك ، و الذي هو كما قلنا سابقا إحلال الغير في الذات

و في ظل هذا الصراع الحامي الوطيس بين القطبين ، نجد الحضارة الغربية تتشقق بفعل هروب الإنسان المعاصر من النسق الاستهلاكي المتصاعد في حياته ، إلى خلوة التصوف … حيث يبحث عن السكينة في فلسفة التوحد مع الوجود ! عله يجد فيه معنى الحياة … ما دام أن النسق الاستهلاكي قد فشل في إرضائه …

قد يطلق أصحاب المذهب الاستهلاكي على هذا المذهب الصوفي : مذهب الهروب من الحياة ، ما دام أنه يرى الحياة محض استهلاك ! … إلا أن العقل يسلم بأن لا حياة بدون معناها …

فالحياة في حقيقتها ليست سوى تقاطع الذات مع الوجود الزماني و المكاني للكون من حوله ، فهذا ما يفرضه نداء العمق الحيوي في أعماق الإنسان … هذا التقاطع ، الذي ظنه أصحاب المذهب الاستمتاعي هو حث على استهلاك المتعة ، بينما ظنه أصحاب مذهب المعاناة هو حث على طلب المعاناة …

بينما يخالفهما المذهب الصوفي بادعائه بأن عمق الحياة يكمن في طلب معناها العميق ، و هذا لن يكون إلا بتحقيق السلام مع الكون من حوله في ظل هذا التقاطع الحيوي ، أي أنه يدعي أن السكينة هي العمق الذي يطلبه الإنسان في حياته …

و هذا السلام في حقيقته ، ليس سوى طلب التداخل بين الذات و الغير ، يتجلى ذلك في فتح قنوات نفسية للمتصوفين يمر بها الوجود الذي حول الذات ، بزمانه و مكانه ، و على الوجه أدق : يمر فيه زمانه ، إذ في مذهب المتصوفة : الزمان هو أصل المكان ، و العمق يطلب الأصول دون الفروع ! لهذا يتأمل المتصوفة تأملا ذاتيا أكثر من تدبرهم الكوني … و هذه نقطة خلافهم مع أصحاب مذهبي الاستهلاك كما سبق و أوضحنا !

و عليه فإن مذهب التصوف في حقيقته ، لا يفعل شيء سوى استهلاك الوجود الكائن من حول الذات ، و لو في أصوله الزمانية ، كما يعتقدون !

و في كل الحالات ، مذهب التصوف لم يرق لأن يجد معنى الحياة الأعمق ، لأنه لم يفعل شيء سوى أنه وضع معنى الحياة الظاهر على أنه معنى الحياة الأعمق ! …

إذ ليس معنى الحياة الأعمق هو عيش الحياة ، بل عيشها من أجل غاية تتجاوزها دون أن تنكرها –بطبيعة الحال- ! … فغاية الحياة لا يمكن أن تكون هي الحياة ، و إلا كانت غاية الحياة هي العبث ، و الغاية و العبث لا يجتمعان أبدا ! … بل إن وضع الحياة غاية للحياة يعدم الحياة ، لأنه يجعل الغاية وسيلة لها ! و هذا الخلط يقتل المعنى ، يقتل معنى الحياة ، و بالتالي يقتل الحياة تباعا … لأنها من حيث كونها تقاطع ، فهي شعور بالمعنى الأعمق ، و بدونها لا حياة للكائن المتسائل !

فإذا غاية الحياة لا يمكن أن تكون مجرد محض معنى الحياة الظاهرة ، و الذي هو تقاطع وجود الذات مع الغير ، بل هي ما تجعل الحياة وسيلة ، و بالأولى : تجعل الاستهلاك وسيلة ، لا غاية !

و بالتالي فإن العودة إلى الحياة في حقيقة الأمر يتطلب الإنعتاق من ثقافة الاستهلاك ، نحو ثقافة التجاوز ، ثقافة التجاوز التي تجعل معنى الحياة الأعمق ، غاية تتجاوز الحياة ، يسخرها الإنسان من أجل تحقيق الغاية ، ففي تحققها يكمن معنى الحياة الأعمق …

عن فوزي بسام

mm
كاتب جزائري ، مهتم بالفكر و الفلسفة ... و التفكر بهما في خلق الله ، يبحث عن الحق و الحقيقة ، ﻷنه لا يستقيم حال إلا بالحق ، و ﻷن عز اﻷمة لا يستعاد إلا بالحق .