الرئيسية / احدث التدوينات / غناء القسوة في مدح الحب: فلسفة آلان باديو -3-

غناء القسوة في مدح الحب: فلسفة آلان باديو -3-

 

badiou_alain_france_tele_0

طمأنينة اللوح بعناق مجيد مع حبر الدواة، اكتفاء اللوح بتلقي الطهارة من روح القارئ وصوته المرتل، اختلاط فخار الماء مع ناقع اللون، التحام هريس الكربون ودريشة الرصاص ودماء الصمغ مع مسحوق الجير، التعميد بالحبر لهو أجل من غسل القلوب بالقراءة، اللوح يبتز الكلمات يطالب بالتصاقها مع غشاء السطور الفارغة بردائه، الحلق يصدح بمخارج الأحرف، الجمل والعبارات والمفردات تتقافز لتبصقها الشفاه، ما كان بالسابق ينشدها بغناء فخم وأنيق، اليوم ينغمس في ملذة الحب كالحاج يسكر بماء زمزم في مقام إبراهيم

(الحب ابتكار للحياة)/ الآن باديو   

                                                                                                                                                           

 “اسمع، لو لديك رغبة جنسية، أشبعها، إنك لا تحتاج أن تقع أسير فكرة أنك يجب أن تحبّ شخصاً ما، انسَ كُل هذا وأشبع رغبتك فقط“. الآن باديو

 “اعتبر الحب أنه نوع من الدهاء الذي تمارسه الغريزة الجنسية” شوبنهاور

/استشعار/

لم أكن يوماً من المغمورين بالقسوة، لكنتي  كانت هي الحب والعاطفة، لكنني اليوم أعلن عن ضجاجة ضمور القهقهة حين أتحدث عن القسوة بعد مدح الحب

حين يتلف الحب تخرج القسوة لتعكر بيئة الحياة…

القسوة تعسر معاناة العتاب، دعاؤك ينقلب عليك بالضد والشح في العطاء، حين يجهض القلب العاشق الحب، تنكمش شرايينه وتضعف ويجف عنها حراك الحياة، فيزف ذات القلب نبأ انفتاق مشيمة القسوة ورحمها…

/الحب غير قابل للاختزال إلى مجرد تصورات ومفاهيم. إنه أغنى وأعمق من ذلك بكثير: إنه بناء للحقيقة والعالم، ممارساً باثنين من خلال الاختلاف لا الهوية/ الآن باديو في مدح الحب/

/الأمر ليس بكثرتهم حولك إنما بمن يأتيك دون أن تناديه ومن يربت على كتفك دون أن تخبره بأنك مثقل /دوستويفسكي

الحب أن نجد الأمان

ألا يضيع العمر في القضبان

ألا تمزقنا الحياة بخوفها

أن يشعر الإنسان بالإنسان

 – فاروق جويدة

/أيًا كان الحُب فهو يعطينا دليلاً جديدًا على أننا نستطيع أن نقابل العالم ونختبره بوعي آخر غير الوعي المُنعزل/ الآن باديو

انفتاح/ انغلاق/…

حبيبتي حين تكون معي، تحتضن أهوائي عيناك، و حالي تغلفه خواطر  حبيبة وصادقة لا تشبه ما اختبرته من مسافات فارغة بدونك، تصنع معي الحلم وترشدني للطريق.

الحب هو سرقة اللحظات الثمينة من جيب القدر. ثمة لحظات ينشأ فيها حبٌ عميق وثمين (نفيس وغالي)، معضلتها أنها لا تتكرر، الحب هو خبث اللقاء من غير تخطيط، محاورة الزمن بدون فعل أو حركة، تتحرك المشاعر بلا ترتيب أو تنظيم، كل حب يتم الترتيب له هو كالولادة القيصرية تحف به كل المخاطر، الحب هو بعد التنازلات الأول وخط التضحيات الأخير بالعمر، وكل عمر لا حب فيه لا يستحق أن يعاش.

الرغبة المذعورة في إنعاش القلب بالحب، ترويضه بالخوف من الوحدة، ترميمه بتجديد الوعد بالحب من بعد الغرق والانزلاق، انتفاضة العمر الاصطناعي بالرعب من استمرارية قسوة هلاك العمر من غير وجود الشريك، تغب القلب بالشقاء، أرق شفيف يخطو نحو نعاس الأيام، الإنسان بلا حب هو كائن مكتوب عليه الصرع والهلاك.

كيف يمكن إصلاح عطب القلب من غير حب؟؟!

يا للون معفراً بالحب، وبالأشياء الصادقات من حليب الدعاء، يا لشهادة التخمة بالحنان معظمة تمجد باب الدخول لكيان الحب، حين ينفعل أحدهم ويقرر إدخالك شرعاً في فناء حياته، يقسم بالدعاء لكَ، حينها تتبين لك الألحان التي لم تستوعبها، الألوان التي لم تكن تستطيع رؤيتها، الغناء الطويل الخافت الرقيق لك، لم يتوغل في غابة أذنيك قط، عيناك ثملة بابتهالاته لصالحك، مواردك القديمة عن الحب من بعد أن توقفت وهمدت سكوناً، عاودها الحنين واخضرت وأنبتت صلصالاً وقمحاً ومعجوناً للصلاة وقش نبيذ، ثم إنك الآن تهمهم بكلمات لأغنية لم تعهدها ولم تعرفها ولم تخطر على همدية خاطرك الخامل قط، الحب الحب الحب ومدح الحب لا يأتي إلا بتلقي الحب ومبادلته بالمثل.

أنت الساكن في لحن الدعاء….

(فالحب فكرة وان العلاقة بين تلك الفكرة والجسد علاقة فريدة تماماً ويعلمها دائماً كما يقول انطون فيتز : العنف الجامح ، نختبر هذا العنف في الحياة، وحقيقي جداً أن الحب كما يمكن أن نلاحظ ليس نهراً طويلاً هادئاً، الحب تراجيدي ورفض وغضب كذلك، إن العلاقة بين المسرح والحب هي كذلك علاقة اكتشاف للمتاهة التي تفصل الأفراد، ووصف كهشاشة الجسر الذي يرميه الحب بين كيانين منعزلين،  لابد أن نعود دائماً إلى هذا السؤال،  أي فكرة تتكشف روحه وجيئة بين جسدين يمارسان الجنس) الآن باديو / في مدح الحبّ..

من أين تأتي هذه القسوة في الحب؟!

الحب الحقيقي قد لا يطلب الكثير،الحب الحب الحب فقط…

هذه الكلمة المفرقعة التعسة…القسوة…!!

يبدأ الأمر بميلاد التعاسة من على طنجة التهميش، يتعالى صوت اللامبالاة، يتطور الأمر لتغيير الخلق والأخلاق بالذات المحبة (التي لم تكن يوماً محبة)، الانغلاق فيها يعلن عن وجوده بصلف وكبرياء مخادع وسيء، همسات التجاهل تتصاعد إلى حد الضياع في السعال، نكبة النمو في المسافة التي قامت من العدم بين المتحابين العاشقين، غدت واقعاً لا يمكن تجاهله.

صعود متغيرات دامغة بوجود القسوة على سطح ما يربط سلة الحب، متغيرات أخرى تنشأ على اشتقاق لون المرارة، الإهمال بينهما هو ما يضخ سطوة القسوة ويبسطها فوق عالمهما، لا يوجد بالحب الحقيقي قسوة ولا نكران، توجد مسامحة صرفة لكل أفعال المحب، غفران عميق لكل هنات الأزمة بينهما، وفي حال أن غاب الغفران عن حالهما، فإن التيبس والتلبس بالفعل الخطأ واقعٌ لا محالة بينهما ووشيك الصراخ عن حالته.

(الحب هو الاستعارة، ومعروف بأنها مفتوحة وغير مغلقة، فالحب هو العاطفة بوصفها الحدث، أي الكينونة بمفهوم هايدجر) الآن باديو

الاستمرار في المجاهرة أو الصياح بالقسوة في الحب، كالمشي فوق سطح الماء، لا قاعدة ولا قانون يفترض أو يؤكد ثباتك على هذا المبدأ.

الثقل منكْ هو ما يحملك على الغطس، وما الثقل هنا إلا الحزن والعناد العتيد والمكابرة على تحميل النفس فوق طاقتها.

الحب هو تنعيم القسوة وإبعادها عن كيان الاثنين …

عندما تأخذنا الفكرة بالقناعة الواعية، أن للحب كينونة شريفة وملطخة بالعفاف، فلن يزول من قلوبنا هذا الحب.زوال الحب لا يقع إلا باستواء القسوة وجلوسها على عرش العلاقة.

الحب لا يطلب الكثير حقاً

مراعاة الذوق وإغلاق فضاء القلب عما عداه من فضاءات أخرى، التعامل بنفسية باذخة بالاحترام، التلحين والتطريب بعاطفة لصيقة ومرتبة ومتجددة بشكل آسر وثابت، التحديق والنظر في عيون المحبوب من المحب حين تباشر الحديث معه، ثمة رسائل لا تقال إلا بالنظر، الإصغاء والإصغاء ثم الإصغاء والاستماع، إدمان الاهتمام بالحبيب والحب وكل التفاصيل الصغيرة والدقيقة في كل شيء، مجاراة الأحداث الخاصة به والركض خلفها والاستعداد لها دون إخبار الحبيب بذلك، تبني سياسة الإغداق بالهدايا بلا مناسبة، فدور المحب هو التنقيب عن مناجم السعادة لحبيبه.

حين تحب، لا تخبر أحداً، اعمل جاهداً على الاحتفاظ بحبك لنفسك ولا تدع الآخرين يعلمون به

الآخرين يفسدون قصص الحب وبشكل متغطرس وحاد، ابدأ بتجنبهم وتحاشى الحديث لهم

الحب إعلان ثنائي ولا يخص الآخرين، وهو صراع ليكون ناجحاً لابد فيه من تجنب الآخرين من حوله.

كل من تغطى صدره بالقسوة وجفت ضلوعه بتكيسها بالقسوة المالحة، هو محروم من الحب وسيعمد للتسبب في حرمانك أنت منه، هو من الضائعين في فساد الروح وصديد القلوب، تجنبهم كأمطار الكبريت وغازات الرشق فهم قوم لا مستقبل لهم بالحب، يتحاشون النساء كفعل النسيان..

ومن هم بغير النساء يكونون ؟؟

)ما يحدث في الحب هو أن الرغبة قوة آنية، ولكن يتطلب الحب فوق ذلك الاستئناف والرعاية، يعرف الحب نظام التكرار، الحب يعزز الحاجة إلى الحركة إصرار الكلمة، والإعلان الجديد دائماً) الآن باديو -عن الحب والفن

(إننا في الحُب نثق في الاختلاف عوضًا عن الشك فيه، أما الرجعيّة فترتاب دومًا في الاختلاف باسم الهُويّة)-  الآن باديو

يرى أبيقور بأنّ “خطاب الفيلسوف يكون خاوياً إذا لم يساهم في شفاء ألم النفس“، فهل يساهم الحب في شفاء النفس العليلة ويقتلع الضنى وجذور الشقاء بها أم يمثل وجوده امتدادًا لألمها !؟ إذ يتفق كلا من أود لونسلان وماري لوموانييه، أن الحب كما كتبا مستدعياً للهلاك وجالباً لحيرة الفلسفة فهما يصفان العلاقة بينهما بالتالي (تدير الفلسفة الظهر للانشغال بالحب، لوهم بأنه مقترن بالرثاء والحوادث الغامضة والرواسب النفسية، وكلها أمور لا تشرق عليها شمس العقل) في كتابهما الأخير -الفلاسفة والحب، من سقراط إلى سيمون دو بوفوار-، يكشفان في كتابهما المميز – الكتاب الذي سبق ذكره – عن وجود “جانب دونجواني” كبير لدى الفيلسوف الفرنسي الكبير جان بول سارتر، و”غياب” شبه كامل لأية غرائز “حسية” لدى إيمانويل كانط أو -كانت- ، وميل الألماني فريديريك نيتشه نحو الفتيات الشابات والمراهقات واليافعات صغار السن،  و”تأليف” مارتن هايدغر لـ “أشعار رديئة” وهي مجموعة كثيفة لعواطف ذاتية وخالصة الوجود بشكل صرف موجهة للفيلسوفة “حنّة ارنت” حيث كانا قد تقاسما الحياة المشتركة لعدة سنوات، وعاشا معاً وتبادلا عشرات الرسائل بعد هجرة “حنّة” إلى فرنسا، ومنها استمرت الكتابة بينهما إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد هجرتها إلى البلاد البعيدة.

هل توجد حاجة ملحة في أية علاقة -حب- تسمح بميلاد القسوة أو أي نوع لها أو ما يقاربها؟!

كما هو مسلم به فإن الفلسفة تدفع الإنسان إلى التخلص من المتاعب، أما القسوة فهي تكن سبباً في ضياع و فقدان الحب، فلا توجد حاجة مهما كانت الدوافع والمبررات في أية علاقة حب أو تلحين ثنائي لوجدان كيان الرجل والمرأة، لأي شكل أو نوع أو حتى نمط سلوكي للقسوة، فهي مكروهة ومنبوذة وغير مرحب بها بينهما.

وفي الخاتمة يقول الفيلسوف الفرنسي:

 “أحبّك” تعني: أنت ينبوع وجودي في هذا العالم، في مياه هذا الينبوع، أرى فَرَحنا، وأرى فَرَحك أولاً، أرى كما في قصيدة مالارميه: في الموجة التي تكوّنها نشوتك العارية“.

 

 

عن محمد حامد محمد

mm
كاتب من السودان