الرئيسية / احدث التدوينات / فتاة الحافلة الجزء الثاني

فتاة الحافلة الجزء الثاني

فتاة-تقرأ-في-الحافلة

3_

 

*كُنت قد تركت لها رقم هاتفي و حساب الفايسبوك ، لكن لم يظهر عندي شيء سوى مكالمة برقم مخفي لم يتحدث صاحبه .. لو كانت حقا تود الحديث معي لاتصلت بي و حسب ، لكنها لم تتصل .. هذا شأنها سأحدد أنا اللحظة التي نتحدث فيها إذن . 

 

من باب الزوار الى بني مسوس طريق طويل يقطع العاصمة طولاً من شرقها الى غربها، حوالي ثلاثين كلميتر ، و أنت من زجاج الحافلة لا ترى سوى المباني المكدّسة و السيارات و آلاف الناس ، هنا يوجد كل شيء الا راحة البال ، لا أدري لما اهل العاصمة يفتقرون الى حس الدعابة ، كل إنسان مُنغلق على نفسه ، مثلا هناك طالب يضع نظارات ظريفة يفتح امامه لاب.توب لا أدري ماذا يفعل بالتحديد، لكنه كل دقيقتين يحك انفه حكّة سريعة و كأنه يطرد ذبابة .. لكن لا توجد اي ذبابة ، ربما هي من صنع خياله و حسب . و شخص آخر وجهه عريض يضع نظارات سوداء كبيرة و أنفه شامخ في السماء كالبُندقية و كأنه يريد ان يصطاد طائرا بأنفه ، اعتقد انه يتخذ هذه الوضعية لانه يخشى على رأسه الثقيل من ان يقع . توجد فتاة نحيفة ترتدي لباسا بسيطا ليس بالفاضح و لا بالمستور مثل تلك الالبسة التي نجدها في الخردة الاوروبية بالوانها البنيه ذات المربعات الصغيرة ، هذه البنت تتبسم وحدها و كأن في رأسها خبلا او نوعا من الجنون ، معظم الاشخاص الاخرين يضعون سمّاعات منهم من يحرك رأسه قليلا و منهم من هو نائم و منهم من هو شاخص البصر ، نادرا ما ترى او تسمع حوارا او ضجّة طوال الطريق ، هذه هي العاصمة و هؤلاء هم طلبتها . 

 

                              *****************

 

لما وصلنا الى محطة بوزرعية ـ هذه المحطة ما قبل الأخيرة لنزول البنت ـ  كان المكان بجانبها قد فرغ مجددا، حملت نفسي و اتّجت اليها .. سألتها مبتسما .. هل المكان فارغ بجانبك ؟ ـ في الحقيقه كنا نحن ثلاثة أو أربع طلبه فقط متبقين في الحافلة ـ ردّت متمتمة .. أجل هو فارغ كما ترى . 

هي تعلم أنّي أستفزها ، حتى أنا في حياتي لم أسلك طريقا إلى إمرأة بجَمال أخاذ كهذا، لأنّ عندي رهاب الجميلات .. الجمال آسر و أنا أحب أن أعيش حُرّا ، لهذا لم أتطلع أن تجمعني علاقة بهذا النّوع من النساء ، رأيت رجالا كانوا كالأسود و لما ارتبطوا مع جميلات أصبحوا كالقطط تماما . 

قلتُ ، هل يمكنني أن أجلس ،و كانها قالت في قلبها ، هذا المكان محجوز لك حتى الصباح . 

 

استويت قاعدا جنبها  و قلت ، صباح الخير، نهارك مبارك سعيد ..

 

قالت : صباحك أسعد .. 

 

كانت تدرك أن ثلاث دقائق أو أربعة التي بقيت لنا لا تكفيها لتقول كل ما تود قوله و تبعثرت الكلمات في فمها . هل أنا آسر إلى هذا الحد !! .. سألت نفسي .. ثم قلت لها مبتسما . هل أعجبتك تلك الرسالة ؟! 

 

قالت : رائعة لم أتخيل يوما في حياتي ان يحدث معي هذا .. سعِدت بها كثيرا … 

لم تكد تكمل جملتها حتى توقفت الحافلة أمام كُلّية الأدب . .

 

قالت : باي .. و نزلت بعدما نست نفسها لثواني حائرة في أمرها أتذهب معي أم تنزل لتزاول دراستها . 

 

                                    ***************

 

ذهبت الى المشفى و انا سعيد ببوادر هذا الإنجاز . . هي وقعت مؤقتا تحت رحمة طلاسم حروفي . و انا أكاد أقع تحت رحمة براءتها . لا شيء يغلبني كبراءة القلوب . لقد خيّبت ظني  للأسف .. كُنت انتظر رسالة ورقية منها ..  ربما هي لا ترقى لهذا الفن ، في الحقيقة اكتشفت انها لا تحب تخصصها كثيرا في أول لقاء لنا .. أو ربما فكّرت في كتابة رسالة لكنها عجزت ان تحبِك واحدة كالتّي كتبتها لها و كأنها سحر . .

 

_4 

 

*كانت تلك فترة اضرابات في كل الكليات و بدأت وتيرة الدراسة تتذبذب الى ان تتوقف أحيانا . التقيتها بعد ذاك مرتين او ثلاث . حضور محتشم تحت نظرات صديقاتها اللائي لا يكففن عن الهمس و الإبتسام . و سمعت مرة فتاة تقول لها لقد جاء عريسك . .  لم نكن نتواعد رسميا و لا كنا نتحدث من خلال الهاتف، و المشكل أني اكتشفت انها لا ترقى لمستوى تلك الأوراق التي شدتني اليها قبل أن أحاورها و كان عندي الدخول في علاقة عاطفية جدية مع هذا الجمال الأخاذ أمر مُتعب . في الحقيقة كنت أعشق الحروف التي أحبكها في منتصف الليالي . كنت عاشقا للحرف باحثا من منبع لا ينضب . 

بسبب توقف الدراسة، اغتنمت الفرصه و عدت الى البيت . بعد أسبوعين رجعت الى العاصمة مجددا و هنا تحدث معي مفارقة أخرى . 

 

                                         ***********

 

ذهبت الى مصطفى باشا، هناك كانت تُعقد تجمعات الطلبة لاتخاذ قرار استئناف الدراسة من عدمه . حتى مستشفى ابن مسوس لم أعد أذهب له . الدراسة أجّلت لأجل غير مُسمى . حملت نفسي متجها الى محطة تافورة للطلبة ركبت الحافلة عائدا الى الإقامة . كنت في الوسط و ارى ضجة و صخبا في مؤخر الحافلة . أمر لم أعهده هنا في العاصمة . تذكرت أيام دراستي في وهران كان الطلبة يحملون دربوكة و يرقصون و يصفقون على طول الطريق . . كانت ايام لا تنسى رغم اني تخلصت منها . وهران تلك المدينة التي مزقت الأنا بداخلي حتى كدت أتلوّث . للمدن تأثير جلي على مرتاديها . لكني أحن الى أصدقاء تركتهم خلفي هناك . . 

كنت ارى نظرات مسلطة علي، لكن لما انا بالتحديد فكلنا نقف جنبا الى جنب مكدسين، لما أنا بالتحديد، لم أحاول أن أفهم لكني شعرت بشيء . رأيت فتاة هي من تدير كل تلك الضجة و سمعت كلمة ” نروح معاه و ما نوليش ” . 

وصلنا الى الإقامة . تدافع الطلبة للنزول . نزلت متجها نحو مدخل الاقامة و إذا بطالبان يوقفانني كانا في الخلف في الحافلة

قال : أحدهم . هل تعرف تلك الفتاة ؟

قلت : لا 

قالا : كانت تقصدك بحديثها و تتحدث عنك طوال الطريق . كانت تقول . ذاك الأسمر الطويل الظاهر انه يسكن الغرب الجزائري ربما هو من تلمسان سأذهب معه و لن أعود الى هذه المدينة التي لا تعرف معنى الحب . اهل الغرب يعرفون كيف يعاملون المرأة . 

قلت : هل قالت كل هذا 

قالوا : نعم 

و لمحتها قد قطعت الطريق هي و صديقتها 

 

                            **************

 

كنت مُتعباً من السفر . لكن في عرفنا من تجذبه فتاة و لا يُحدثها ليوقفها عند نقطة هو يريدها لا هي تريدها ليس رجلا ، ان الأعراف أحيانا تأخذنا الى الهاوية . كنتُ مادة دسمة في يدها، تجعل السامعين يضحكون أو ربما تنالهم بأذى و كأني كنت عصا في يدها . توجهت اليهما مباشرة لم يرياني حتى اقتربت . كانتا تمشيان أمامي على سكة الترامواي . 

قالت لها صديقتها . ذاك الشاب يتبعنا أسرعي .

كانت صديقتها تُشبه الساحرات لا ينقصها سوى مكنسة لتطير . 

و كانت الفتاة جميلة بعينين سوداوين مثل جناح الغراب سوادا يجعلك تكتب ألف قصيدة ذاك الأنف الذي يقسم ذاك الوجه الجميل مثل انف الصقور . يعلوه ذاك الجبين الذي لا يكون صاحبه الا انسانا صريحا و قوي الشخصية . فعلا كانت شخصيتها قوية و حادة . كاريزما تجعلها تؤثر في من حولها بحديثها من الرجال و النساء . راقني ان ادخل في سجال مع هذه الأنثى . 

فقلت : توقفي . أحدثك لحظة و امشي في حال سبيلك .

قالت : لن نتوقف 

قلت : اذن سأتبعك الى باب بيتكم 

قالت :اخوتي و الجيران . لا تتبعنا 

قلت :حسن بشرط . ستمنحيني فرصة للحديث عندما نلتقي مجددا .

قالت : نعم .

فتوقفت 

 

************

 

بقيت ذاك الأسبوع في العاصمة أنتظر لعل الدراسة تستأنف من جديد و يوم الخميس و انا في مصطفى باشا رأيت الفتاتين على هيأتهما يعبران الطريق أمام المصلحة التي ندرس فيها تركت محفظتي عند صديقي و رحت اليهما .

قالت الساحرة : ما بالك تتبعنا كلما رأيتنا 

قلت : ما بالكما . هذا الذي يحدثكما طبيب .

قالت الفتاة : كلنا أطباء 

قلت : ما شاء الله . لهذا السبب بقيت بلادنا في الحضيض . كنت قد وعدتني ان نتحدث . ما بالنا نحن الجزائريون لا نعطي الفرص لبعضا للتعبير عما يخالجهنا . و أوقفتها . قبل مخرج المستشفى عند جدار عتيد وقفنا نحن ثلاثتنا . أعلم أن هذا النوع من الإناث لا تنفع معه الكلمات . وقفت لها وقفة تجعلها تعيد التفكر في معنى الرجولة التي سلبت و ماتت . ربما هي ذاك اليوم كانت ترثي الرجولة بسخرية وسط الحافلة . و تناولتُ الحديث . و كانت الساحرة تقاطعني . ماذا تريد منها ؟

قلت : ما بالك هذا امر لا يخصك . اني أعرفها ، ان لها لسانا يمكنها الدفاع به عن نفسها . شعرت ان تلك الفتاة دخلت تحت تأثير هذا الموقف . أين ذهبت كل تلك الجرأة . أعجبني تمسكنها . هي الذئبة الشرسة أنا أسمع أنفاسها .

قلت :عندي رسالة لك تخصك . ان اردت ان تاخذيها اعطيتك اياها .

قالت الساحرة : هاتها و دعنا نذهب 

لم تكن تلك الرسالة سوى نسخة لتلك الرسالة التي كتبتها لمريم 

لم تستطع ان تقول أعطينيها لأن غرورها يمنعها لكنها لمّحت لي بعينها . وضعت يدي داخل الجيب الداخلي لمعطفي . من عادتي ان احمل ما اكتب معي . لكن الأوراق تشبه بعضها و كان حضورهما صدفة لم احسب لها و بينما أنا ابحث عن الرسالة سقطت بعض الاوراق و بعضها بقي في يدي الى أن وجدتها و ناولتها اياها امسكت من طرفها و شدتها هي من طرفها الاخر كانت تريد انتزاعها من يدي فتركتها لها سحرا آخر ربما تقع فيه كما وقعت تحت سحر هذه الوقفة . فذهبتا و جمعت اوراقي و كنت اضحك…

عمر النمري

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة