الرئيسية / احدث التدوينات / فصل من رسول السلام … عدد “11”

فصل من رسول السلام … عدد “11”

 

22016469_801997226647661_1516977674_n

 

    تفاجأت حبيبة وهي ترى خيمة أسمر خالية عدا من أبيها، رأت والدها مستيقظا، سألته:

     – أبي ، أين أسمر؟

     نظر إليها صلاح وأجاب:

      – لا أعرف

     تركته وأسرعت إلى نوف، كررت عليها سؤالها:

     – أين ذهب أسمر يا أمي؟

     ردت عليها نوف:

     – بكر بالسفر إلى البحير.

     سمعت صوت خاطر بالخارج، خرجت إليه، تبعتها حبيبة، حياها:

     – نوف، كيف أصبحت؟ أين الأسمر؟ اتفقنا على أن يعرج علي عند الثامنة لنتحرك بحافلة العاشرة، إنها الثامنة والنصف الآن

      أجابته بتلعثم :

     آه، الحقيقة أنه سبقك بحافلة الرابعة صباحاً.

     ذهل خاطر:

     – ماذا؟!

      سألها بجزع:

     – هل حل شيء ما بعابد؟

     ترددت:

     – لا، ما من جديد عن عابد. هكذا قرر فجأة فقط.

     وضع يده على جبهته ورفع رأسه للأعلى ثم اعتدل:

     – سألحق به.

     أوقفته حبيبة:

     – انتظر يا خاطر.

     عادت إلى الخيمة، أفرغت حقيبتها المدرسية بسرعة وحشرت بعض الملابس بها ثم خرجت إليه قائلة:

     – سأذهب معك.

     ربتت نوف على كتفها:

    – حبيبة، أخبريه أن نوف تنشدك بالله أن تدير بالك على نفسك وبلغي عابد سلامي.

    بغتة برز صلاح من الخيمة المجاورة ومانع بشدة سفر ابنته مع ابن الخطاب، صاحت به نوف:

    – صلاح، لا تلف وتدور، أسمر لن ينقطع عنا، وستسافر حبيبة إليه. ما حكايتك بالضبط، غسلوا دماغك بالأموال وصرت لا تعرف معنى للجميل؟ ستصل حبيبة إليه وإياك أن تعارض طريق ابنتي!

     كانت نورا قد استيقظت من جلبة حبيبة الأولى ومع تصاعد المشادة بالخارج، أطلت برأسها وقالت ببساطة:

     – عليك أن تختار يا أبي إما حبيبة أو أذهب أنا بدلاً عنها.

     بلغ صياح نوف بعض الجيران الذين هبوا لاستطلاع الأمر ما اضطر بصلاح الرجوع إلى الخيمة. أما ابن الخطاب فكان قد تسمر بحقيبته في محله، تأكد لديه من تلك الضجة التي شهدها أن خلافاً ما نشب بين أسمر وصلاح ليلة البارحة جعله يغادر خيمته وينام بالمحطة ليسبقه بالسفر بتلك العربة التي رأياها مساء أمس والتي لا شك بذل الفنيون عليها جهداً مريعاً لإصلاحها.

     ودعا نوف وسارا سوياً، قطعا الوادي، استقلا تاكسياً بالطريق العام أوصلهما المحطة في غضون ثلث ساعة إذ كانت الشوارع غير مزدحمة ذلك الصباح. كانت الساعة حينها قد بلغت التاسعة، وبعد خمس دقائق بدأ قطع التذاكر، أسرع خاطر بالوقوف في الصف، حان دوره بعد دقائق، دفع النقود وكان أن وقع له بالتذكرتين مقعدين متجاورين. أغلقت نافذة القطع عند التاسعة والنصف وبدأ شحن الحقائب بأعلى الحافة، وبحلول العاشرة إلا ربع شرع الركاب بالصعود والعاشرة بالضبط تحركت الحافلة.

     كانت حبيبة تجلس قرب الشباك وخاطر عن يمينها، سألها وقد تذكر فجأة:

     – يا فتاة، ماذا عن امتحاناتك؟

     ـ اليوم السبت، قد يفوتني امتحان أو ثلاثة، لا يهمني إن لم أشهد بقيتها، ما دام هذا يعجب أسمر.

     ـ بالتأكيد هذا لا يعجبه.

     ـ أسمر يدرك بما فيه الكفاية كيف نقلق عليه ـ أمي ونورا وأنا ـ حينما يتغيب بغتة.

     ـ لكنه لم يختف فجأة، لقد أخبر نوف بأنه سيلحق بعربة الرابعة.

     بلعت ريقها وصمتت هذه المرة إذ كان مع خاطر حق فيما قاله. فتح خاطر جيب حقيبته الخارجي وأخرج كمية من البسكويت اشتراها من المحطة، مد ثلاث لحبيبة واحتفظ لنفسه باثنين. أبصر صورة ما ليست بغريبة عليه ـ بهاتف الشخص الذي أمامه، دفع رأسه للأمام قليلاً ليتأكد من شكوكه ثم عاد لوضعه الأول نظرت إليه حبيبة مستفسرة، مال عليها هامساً:

     – الكل يتابع رميساء.

     ـ ومن هذه الرميساء؟

     ـ إنها روائية معروفة.

     ـ أهي منا، منا؟

     تعجب لتكرارها الكلمة، سألها:

     – وما هذه الـ “منا” الثانية؟

    ـ أعني ذاقت شيئاً من جحيمنا، أم من أولئك المترفين الذين يعيشون خارج البلاد؟

   تحرك شيء ما بأعماق ابن الخطاب وبقي مسمراً بصره بابنة نوف قربه، كانت قد اقتربت منه بوجهها وهي تحدثه، لاحظ بوضوح الحبوب الدقيقة ببشرتها الكاكاوية والتي لا يراها المرء إلا حين يكون منها بهذا القرب، وعينها اليمنى الناعسة جداً، أجابها بهدوء وهو يحول بصره إلى الأشجار بالنافذة:

    – بل هي منا، منا.

     أخرج محموله وتصفح صفحة الكاتبة رمي، مالت عليه حبيبة تلك اللحظة ـ إذ كان احتكاك الحافلة القوي بالطريق المسفلت والهواء الذي يضرب صفيح العربة بحدة يصدران صوتًا يجعل من الصعوبة بمكان لأذن راكب أن تلتقط بيسر ما يقوله راكب قربها دون أن يميل على صاحبه  برأسه قليلا – لتسأله:

     – كم عمرها؟

    ـ رميساء! تقريباً في الرابعة والعشرين.

    نظرت إلى جوال خاطر، قرأت “الكاتبة رمي”، سألته ثانية:

    – من أين هي؟

    ـ بلد الخيال.

    ثم ابتسم قائلاً:

    من البحير غرب الجبيل.

   ـ متزوجة؟

   ـ كانت على وشك.

   ـ ماذا تعني!

   ـ فقدت خطيبها بسرفاي.

   صاحت حبيبة:

    آه، تذكرت، كأنني سمعت هدباء تتحدث عنها ذات مرة، كان ذلك أثناء حوادث الفوضى بقرى سرف عمرة أذكر أن هدباء قالت إنها انضمت إلى صف الطاهر بعد أن قتل خطيبها بسرفاي.

    ـ صف الطاهر! ماذا تعني؟

    ـ أي أنها لن تتزوج حتى يحل السلام بهذا البلد.

    ـ آه، صحيح، لقد ذكرت شيئاً كهذا.

عن مريم خميس

mm
كاتبة من السودان