الرئيسية / احدث التدوينات / فلسفة الثورة الحديثة

فلسفة الثورة الحديثة

الثورة

بقلم: محمد سالم مهدي

      إن الشكل الذي يتصوره الناس عن الثورة سيظل ثابتاً دونما تغيير يُذكر؛ طالما أن هذا التصور لا يمكن مناقشته إلا بين المرء وخياله الخاص؛ حيث من غير الممكن أن يدخل خيال أحد ما في خيال الآخر. خيال آخرون في خيالك، فهذا لا يمكن حدوثه في غير الشعر. والمعلوم أن الثورة فعل واقعي مباشر، لا مجال فيه للنظام الجمالي الذي تقترحه الدواخل المسكينة المبنية ربما على شيءٍ من الفوضى المُعتقد في أنها خلاّقة.

      فمن حق الدواخل أن تقترح عالمها الذي تريده، وتمشي في سياقه خطوة خطوة، لكن بشرط أن لا تعتقد أن هذا الأمر سيقودها إلى التقدم؛ فليس التقدم مرتبطاً بالسياقات الفردية التي يقترحها العقل البشري ويحاول تنميتها في كامل الإنفصال عن حركية الحياة والآخرين.

      لكي تحدث ثورة ينبغي عليها أن تلتزم بأهدافها المصقولة عبر الزمن، داخل إطار المعرفة المُدركة لحدود إمكانياتها، والجو الذي تشتغل فيه وتتلاقح معه كحقل لزهور الوعي البشري، في تلك المنطقة التي تجري فيها أقدام الثائرين وعقولهم وأستعدادهم الأخلاقي والاجتماعي والعقلي/ الذاتي؛ كل هذا لكي تُصنع لحظة جديدة، وعالم متسق مع مراحل تكونه وسنواته القادمة.

      يعتقد الناس أن مصطلح الثورة هو المرادف الحقيقي لمصطلح التمرد، والحقيقة أن كل فعل بشري منهما يمتلك فلسفته الخاصة، ودوافعه التي تحركه لكي يكون؛ حيث التمرد ويمكننا ضرب المثال بالتمرد الفردي الطبيعي، والذي يميلُ إلى الإنطلاق دون وضع تصور لمرحلته القادمة التي يتجه نحوها تمرده، وبالتالي تتبخر طاقته وتتصاعد متكاثفة لتصُب في نهر الأشياء والبشر الذين تمرد عليهم، مما يخدمهم ويخفف عليهم ويسحق إرادة بأكملها حاولت أن تقاوم ولكن بعمى.

     أحسُ بأن المقطع أعلاه غنائياً، لا بأس، فالتفكير أحياناً يحتاج بعض الحماس المُنتبه؛ لكن التفكير في عمومه ليس مكان للعواطف في ظني.

     أما فلسفة الثورة، وهذا ما لم تمتلكه كل الثورات السودانية التي حدثت، وذلك لسبب بسيط في اعتقادي، وهو أننا، وبسبب ضغط الراحة الهائل الذي صنعته وصقلته مراحل تاريخية مختلفة؛ أصبحت مداخلنا واحدة ومتشابهة، “لا نواجه الأسباب التي تتشكل داخلنا بصرامة؛ إننا نميلُ إلى أن نرى أنفسنا داخل أعيننا؛ إننا نُلغي نظرة الآخر التي ربما تكون مؤسسة”.

     الحكومة الإنجليزية وما تلاحق بعدها من حكومات سودانية؛ تلك الحكومات الوطنية التي تم ضبطُ وعيها وإيقافه عند نقطة المُستعمر نفسه؛ حيث الوعي وللأسف ولأسباب أسطورية/ غيبيّة هو أبن الظرف الوجودي التاريخي. بجانب أننا حتى الأن لم نصنع الأسس الفلسفية والاجتماعية والسياسية التي تجعلنا نقوم بالقطيعة الحقيقة مع الدول المستعمرة ذاتها. فلم تكن كل الحكومات المتعاقبة بقادرة على صنع سياساتها الجديدة التي تصنع الحياة الجديدة بعيداً عن الأهواء والحماس الطيفي؛ ولقد أعتقد الكثيرون بأن خلق دولة أمر سهل، وربما تتم قيادتها عبر الحديث و”الكلام الدقاقة العامل زي أنبوبة الغاز”، تُثمر الإستهلاك ولا تنتج شيئاً ديمومي في قيمته ومستمر. هذه الحكومات السودانية المتعاقبة، وللأسف أيضاً ضبطت الوعي الشعبي عند نقطة محددة، وأوقفته فيها، وأصبحت الأسئلة الناهضة تنطلق وتتعلق على حبل الهواء بإنتظار الرياح.

     لقد أصبحت الأسئلة التي عادة ما تصنع عظم الدولة الفقري، وبسبب السياسات التي هي مثل طفل كبُر فجأة؛ أصبحت الأسئلة “ملولوة”، وغير مثمرة، وبالتالي حين تسأل الأسئلة نفسها، وتتحمس لتمطر كثورة منتظمة، سرعان ما تتبدد، ويصبح مطرها دماءاً مُخلدة لن تنفع في شيء بالتأكيد. إن الحياة أصلاً قائمة على الموت في أزل الغيب ف”لماذا” نُخلد الدماء الُمبعثرة لننصف عواطفنا و أشواقنا الغير متنزنة في ظني في كل الثورات القامت.

     فتنظير ثوري جديداً قد ظهر، ويبدأ ينبع في السطح. السطح المربوط بروح عالمه العميقة؛ رؤى جديدة ظهرت تحت مسمى ثورة الوعي، والتي يظن مفكريها أنه في حالة نجاحها سوف لن تعود الخطوات إلى الوراء مرة أخرى، ولكن ما الوعي بالنسبة لنا؟

     إننا نحتاج لثورة أخلاقية. إننا نحتاج لثورة تجعل الأخلاق أمراً منفصلاً عن الدين. إننا نحتاجُ لثورة تُخلص الحياة من أسطوريتها التي تنبع من الخيال المنافق اللا إبداعي، ومن النظر الطويل للذات دون تربيتها بصرامة.

     ولقد كانت الثورة دائماً مرتبطة بالصدف، ولو جازت التسمية ب”صدفة تمت محاولة تخطيطها”، وذلك لأن الفنيات التي تمتلكها عقولنا مسكينة، ولم تقرأ جيداً ولم تتواصل مع بعضها جيداً، ولم تحاول التعرف على شكل الحياة التي تسير فيها موضوعاتها التي تصنع بها وعبرها الحياة.

    الصحيح أن تأتي الثورة برغبة خالصة، بعد أن تكون الظروف مواتية، حين نكون قادرين على أن نتفلسف، ونصنع لأفعالنا أرضيتها الفكرية المرنة، وليس تبريراتها. حين يلتزم الإنسان بطاقته ويزيدها. حين تنتبه الجهود لكونها تروح هدراً بسبب الخوف من الزمن وسرعته.

     في ظني .. في اعتقادي.

     تكوين الكائن:

     *الفلسفة والتربية التي تتبعها الذات لتحقيق نفسها هي جزءاً من فنيات الثورة.

     *الثورة لازمة ولكن عليها إمتلاك دوافع واضحة الصرامة.

    *حينما تكتشف الثيران الهائجة من أين يأتي العشب ربما تحدث ثورة.

    *كيف جاء عالمنا بهذه الطريقة المريبة؛ هل ثار أدهم من أجل اللاشيء.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة