فندق 13

f1be04b08fe48191d06aff5fa387e127

بقلم: محمد حسن النحات

عندما طالعت ظهره وهو مسجى على بطنه فوق طاولة الفحص , هالني ما رأيت , خطوط عرضية وأخرى شبه طولية تتقاطع مع الأولى في غير ما انتظام , بعض الجروح دامية والبعض تخثر, ولم يحتج الأمر لكثير ذكاء لأستنتج أنها آثار سياط , كان الصبي يئن بصوت خفيض , عدلت نظارتي الطبية , وبدأت أطببها. سألت الرجل الأربعيني عمن آذى الصبي , تنحنح مطلقاً سعالاً مفتعلاً دون أن يجيب , فواصلت عملي وأنا أرجئ تساؤلاتي .

 

لسبب لا أدريه كان هذا المشفى غير معروف , فعندما تسلمت ورقة توزيعي به تجمدت للحظة أمام الموظف المتجهم وأنا أطالع الاسم , اسم عادي من شاكلة ما يطلق على المشافي , اعتصرت ذهني وأنا أبحث داخل ذاكرتي الخربة دون جدوى , سألت الموظف فألقى علي بنفاد صبر وصفاً سريعاً لموقعه حاثاً إياي بالاختفاء من أمامه، تهت في الشوارع الجانبية حتى عثرت على المشفى بعد جهد , وقفت أمام البوابة أتأملها… مبنى أبيض من طابق واحد تكلس طلاؤه , حديقة صغيرة ذبلت ورودها وشجيراتها , ولوحة معدنية مائلة على إحدى قائمتيها كرجل أعرج وانطمست حروفها إلا من سهم يشير إلى البوابة , ولجت إلى الداخل فلفحني هواء بارد اقشعر له بدني.

جلس الصبي قبالتي وأنا أخط بخط مرهق وصفته الطبية , كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة صباحاً , أطرقت برأسي مفكراً… الصبي ومن معه لم يفصحا عن سبب الجروح , التزما الصمت والصغير لم يستجب لإلحاحي حتى بعد أن انفردت به , كان هادئاً ولم يبد أي هلع , مددت الوصفة للأربعيني وأنا أملي عليه كيفية استخدامها , شكراني وشد الصبي على يدي , عندما استدارا التمع بذهني سؤالاً لم ادر كيف فات علي طرحه هتفت : ” هل أنت والده ؟ “.

ابتسم الصبي ابتسامة واهنة فيما أطلق الرجل ضحكة قصيرة قائلاً: ” لا…هو أعز من ذلك…إنه زميل الكفاح “

خرجا وكفاهما متعانقين.

ليلاً كنت أنام بغرفة استراحة الطبيب لوحدي فكما تعلم لا طبيب غيري هنا , فيما ينام الصيدلي  والممرض في غرفة أخرى , ويتوسد الحارس العجوز بساطاً بالقرب من البوابة. ورديتي تنتهي في الثامنة صباحاً لتتسلمها مني طبيبة وهكذا أعود ليلاً للمشفى مرة أخرى , ما كان يجعلني أحسد زميلتي أن عدد المرضى نهاراً يعد على أصابع الكف فيما يتضاعف عددهم بورديتي بصورة موجعة تجعلني أسهر حتى الصباح في معظم الأيام , وحتى عندما أهجع مبكراً يقلق منامي صوت ضحكات خافتة , وهمهمات مكتومة , وأنات ضعيفة , وهسيس خطوات تجول في الممر أمام غرفتي , كنت لا آبه بكل ذلك ما دام بابي لم يطرق إيذاناً بوجود مريض .

عندما قابلت مدير المشفى يومذاك استقبلني بترحاب كبير بسعة الفرجة بين سنتيه  الأماميتين ,  طالع أوراقي باهتمام وجال بي في الأنحاء معرفاً إياي بالمكان والمكان بي وتحدث عن طبيعة العمل وأمور أخرى , وعند البوابة ربت على كتفي وقرب عيناه من وجهي قائلاً بجفنين يرفان كجناحيّ عصفور : ” ستسمع أصواتاً… ستقابل أناساً… لا تأبه لشيء مهما كان غريباً… ستمر فترتك هنا بسلام “.

وقتها لم أفهم ولكنني اكتشفت أن إحدى عينيه حولاء !.

تزايد عدد مرضاي مع الأيام… وكان ذلك مزعجاً لعدة أسباب , أولاً لا يأتون إلا بعد منتصف الليل , ثانياً معظم شكواهم عن ضربات سياط وجروح مجهولة المصدر, حروق وصعقات كهربائية في جميع أنحاء أجسادهم , ثالثاً صباحاً ينكر الصيدلي أن أحدهم قد صرف دواءً بعد منتصف الليل , فإذن من أين يجلبون الدواء الذي أراهم خارجين به وغرفة الفحص قبالة البوابة ؟!. لم أشك في قواي العقلية وشككت بعقلية الرجل , فإما أن يكون مخبولاً أو لصاً غبياً .

أيقظتني مثانتي طالبة إفراغها , خرجت إلى الحمام وأنا أتخبط في ظلمات النوم والليل والممر أمامي يبدو بلا نهاية , اصطدمت برجل منحني لم أره في الظلام , اعتذر واعتذرت… قال لي أنه يبحث عن حذائه الضائع , كان يرتدي حذاءً واحداً مهترئًا ويحمل تحت إبطه كرة لم أتبينها , واصلت سيري وأنا أنفي أي صلة لي بحذائه . أفرغت مثانتي وعندما عدت شاهدته يواصل بحثه ومع ضوء الشارع الواهن رأيته بوضوح أكثر, ضخم الجثة وطويل كنخلة معمرة , فركت عينيٍّ , صحيح أني لا أرتدي نظاراتي لكن بصري ليس بهذا السوء , هل الرجل بلا رأس ؟! وهل الكرة تحت إبطه لديها شفتين وصفي أسنان ناصعة البياض؟! أعدت فرك عينيّ لأفتحهما على اختفاء العملاق.

تزايدت الأحداث التي تطير العقل , زملائي ينفون ما أتحدث عنه ويؤكدون أنها الهواجس التي أخافت الأطباء من قبلي فتركوا العمل_ ويبدو أنني أسير في الطريق نفسه_ والمدير ذو الجفنين اللذان يرفان كجناحيّ عصفور لا ينفك من ترديد جملة غبية خاوية : ” لا تخف… فقط لا تأبه لشيء”.

والحارس العجوز الذي أحس أنه يداري سراً ما يقول وهو يخلع طقم أسنانه : ” يمكنك أن تذهب… لكني أؤكد لك أن المرضى قد أحبوك…أنت طبيب طيب … لا تخذلهم !”.

في تلك الليلة الباردة قررت ترك العمل , سأخلد للنوم وفي الصباح سأعلن قراري للمدير وليضرب رأسه بالحائط. أيقظتني طرقات ببابي وصوت أحدهم يعلمني بوجود مريض… ارتديت البالطو فوق ملابسي وحملت سماعتي وخرجت… وعند غرفة الفحص هالني عددهم… كانوا بالعشرات وربما المئات!… وكأنني لست أنا… خطوت بهدوء حتى جلست خلف الطاولة… جلت بنظري فيهم… ذاك الصبي والرجل الأربعيني… وهذا المسن صاحب المرض العضال والمصعوق كهربائياً… وبجواره شاب جبرت كسر يده قبل أيام والآن يده مِعوجَة كما رأيتها أول مرة… وهنالك الرجل النخلة الذي يبحث عن فردة حذائه , حقاً كان يحمل رأسه المقطوعة تحت إبطه… لم أكن خائفاً بل هادئاً كجبل… معظمهم كانوا مرضى ما بعد منتصف الليل وآخرين أشاهدهم لأول مرة … شبكت أصابعي وقلت : ” هه.. وماذا بعد؟!”

اختلطت أصواتهم وعلا ضجيجهم , كانوا يتحدثون في نفس الوقت لكني كنت أسمع كل واحد منهم على حدة… كما قلت لك لم أكن أنا… إذا هذا المبني كان قديماً معتقلاً لتهذيب من قالوا لا في وجه من لا يرضى إلا بنعم , أخبرني بذلك الشاب ذو اليد المِعوجَة , مقطوع الرأس أجابني بأن الجلادين أطلقوا على المكان ” فندق الشيطان” ومن يلجه لا يخرج… الصبي حدثني عن أم مكلومة مازالت تنتظر عودته… أخر جال بي في زمان الشعر الكثيف والبناطيل الواسعة وموسيقى الروك… رأيت وقفات احتجاجية ومظاهرات واعتقالات ليلية وعريس انتزع من أحضان عروسه في ليلة الدخلة. ثقل رأسي بحكاياتهم وآلامهم فأسندته بيدي… وساد صمت كثيف ، وفجأة بدأت تتعالى أصواتهم ، ببطء وإيقاع رتيب من الصمت إلى الهتاف ثم الصراخ الحاد…

ساعدنا …ساعدنا… ساعدنا

دسست أصبعي في أذني

” كيف أساعدكم ؟! “

وضع أحدهم أمامي دفتر ضخم أسود الغلاف معنون بخط دامي ” فندق 13.. القصة الكاملة “

” أكتبنا أيها الطيب.. أكتب قصصنا لتمسح أحزان أحبابنا ويكفوا عن انتظارنا , أكتبنا لتطارد الكوابيس جلادينا , أكتبنا لتفك أسرنا من هذا المكان اللعين ولنبدأ رحلتنا  الأبدية “.

وجدت نفسي أفتح الدفتر وبدأت أخط حكاويهم. ما أن ينتهي أحدهم من إملائي حكايته حتى يتحول إلى فراشة زاهية الألوان ترفرف في سعادة , ثم تتحول إلى نقطة ضوء مرحة تطوف فوق رؤوسنا ثم تخترق السقف مسافرة إلى الأعلى.

عن محمد حسن النحات

mm
قاص من السودان