الرئيسية / احدث التدوينات / فوضى المهرجان

فوضى المهرجان

56a5e981c36188720e8b45a1

” وهكذا توالت نُهُرهم ولياليهم المتشابهة، نهارات وليال كانت المغامرة فيها مجرد كلمة في كتاب أو صورة على الشاشة الصغيرة المضاءة دوما؛ ومتى انفتح أمامهم الباب، يأتي الرد: ” لست مهتما . لست في المزاج لذلك “

باولو كويللو

“1”

ذا مساء شتوي أشهب مازالت الشمس تصبغ ثوب أصيله بالأرجوان ، أنزلنا نصوصنا على موقع “فيسبوك” ومن ثم جلسنا متحلقين لنناقشها “خارج إطار التعليق “, سحب خفيفة تمور بهدوء في الأفق وكأنها تجاري الشمس أو إنها تحول دونها والمغيب ،الجو المشوب بلسعات برد قتلها الحرور يجعلك تشعر بأن زخات عطرك -المستعار- تصل إلى الأنوف كما ينبغي أن تكون ، هذه هي الفكرة الوحيدة من أفكار صديقي المهووس التي وجدت طريقها للتنفيذ، إذ انه تشدق لي بها في ذات هرطقة فأعلنتها في المجموعة الأدبية خاصتنا ، وجدت ترحاب من الجميع ليجلسوا ألان على حلقة كراسي البلاستيك -زاهية الألوان- والتي تخص بائعات شاي كثيرات بينهن عجائز يبدو أن احد ما اختار لهن ألوان كراسيهن الزاهية هي الأخرى أو ربما اشتريت جميع كراسي الساحة من مكان واحد أو أنها خاصة ببلدية المدينة –كما أشاعت صحيفة بائدة- ، قبل أن نبدأ جلستنا أمّنا جميعا على عدم عمل إي إعجاب أو مشاركة أو ذكر للحبيبات الغياب في النصوص المنزّلة تواً قبل مناقشتها كاملة ، المؤمّنون كانوا ست وسبعون كاتب فيسبوكي مغمور لديه عمل انزله سابقاً على الشبكة العنكبوتية ولم يلاقي أي تجاوب ليتم مناقشة أسباب تلك العزلة في جلسة عادية معبقة برائحة البخور مع طعم القهوة بالزنجبيل في الساحة العامة لسوق المدينة الموبوء بجحافل الفقراء الضاجة على الدوام ، السحب المتمهلة في سماءها المسائية تشكلت حلقات متداخلة وكأنها تحاكي عبثا حلقات الأولمبيات ،بدأت الجلسة بالترحيب والتعريف من قبل المقدم بعدها فتحت الفرص .

تكلمت فتاة بصدر ناهد ترتدي عباءة بزعانف خرزية منبهة إلى ضرورة استعجال الحوار وتضييق أزمنة طرح وجهات النظر لان الليل سوف يدخل . صفق لها صديقي ببسالة لفتت الحضور إلى جموح صدرها ، بعدها أُثيرت مناقشة جانبية من قِبل مجموعة كُتّاب فيسبوكيين- ادعوا الشهرة عند تعريفهم لأنفسهم- فاهتز حبل الهدوء الذي علقت عليه الجلسة أمام الزوبعة التي ولّدتها تلك المناقشة حتى كاد أن ينقطع وتقع الجلسة في طين الهرج ،امسك المقدم المتأنق الحبل بصفيقات سريعة ومن ثم أعلن بدأ الجلسة بقراءة أولى كانت لي، أخرجت النص المنوط به القراءة وقد كان لصديقي الغريب ،كتبه على حائطه قبل عام ولم يعره احد اهتمام ،كنت قد اتفقت معه على تبادل النصوص فأنا معجب جدا بكتابته الجريئة للدرجة التي جعلتني أظن في قرارة نفسي انه إذا ما سنحت لي فرصة لتقديم نصا من نصوصه على جموع من الناس سوف أجد بعضاً من الذي افتقده عندما ترسم لوحة مفاتيحي الكلمات،بدأت التلاوة فيما يشبه الخطبة. كنت أحس بروحانية النص فقد كان نصا دقيقا وقويا تبّله صديقي المجنون بفلفل الدهشة وأنضجه على نار هادئة من البلاغة والدقة التصويرية ، عند بداية التلاوة كان صمتاً معزولاً يسيطر على الجميع ليأتي صوتي مثل طرق في جُب سحيق،كُسر ذلك الصمت بهمهمة هائجة تحولت إلى تلاوة متقطعة ما ورائية أدخلت الجميع في جذب نصي جعلهم يرددون أواخر الكلمات مثل تلاميذ في مدرسة ابتدائية.

“2”

بعد ذلك الجذب النصي الباعث للهث تطايرت الأيدي بتصفيق جنوني جعل جموع المارة في الباحة السوقية يحسون بان هناك ثمة حدث ما مثير للفضول في الحلقة ذات الألوان الزاهية، تجمهروا بثيابهم المتسخة التي تنز عرقا بذرات غبار، بعضهم يحمل مخلاة بها كثير بضاعةٍ فاقدة للأهلية من صنع أيدي أحفاد “ماو تسي تونغ” ،كنت قد أعلنت مِراراً عن عدم ملائمة جلسة مثل هذه للساحات العامة في غرفة دردشة المجموعة ولكن حب بعض الكتاب لبائعات الشاي وإدعاءات من شاكلة أدب الكادحين والانتماء الى قاع المدينة جعلت ذلك ممكناً ،تحلق الفضوليون وراء كراسي البلاستيك – زاهية الألوان- مادين أعناقهم ببلاهة سخيفة ، همهمتهم المستفسرة منحت الحدث هيبة جعلت المقدم يعلن ترحابه بالجموع في (المؤتمر الفيسبوكي الأول للنصوص المهملة) ومن ثم استطرد مفسرا:النصوص التي لم تنال أي تفاعل رغم شهرة كاتبيها وتأثيرهم في الوسط الأدبي على الشبكة العنكبوتية . صفق جموع الفضوليون بأريحية للإعلان -كأنهم يحيون المقدم ويقولون له شكرا للتوضيح- ومن ثم هيئوا أنفسهم ليعيشوا الحدث بكل حواسهم .سأل احدهم بسخرية ( إذاً أين هو زِرُ الإعجاب ؟ حتى لا تظل هذه النصوص بدون إعجاب حتى بعد المهرجان ) ضجت الساحة بالضحك والتعليقات الساخرة،بعدها ساد هدوء قل أن يتوفر في مثل هذه التجمعات . همّ المقدم بنطق أمر قراءة النص الثاني ليقاطعه كاتب رث الثياب يحمل بيده جهاز موبايل نوع نوكيا قديم ، كان قد فرغ تواً من إنزال نصه على الفيسبوك هاتفاً: “أيها السادة لابد من أنكم لم تُوفقوا في اختيار المكان المناسب لمؤتمركم هذا ، يبدو إن عزلة نصوصكم جعلتكم أسيري الضوء لذلك ساقتكم إلى مثل هذه الأمكنة المليئة بالرجرجة والجهلاء؛ ليس هذا مكاني سأغادر معتذرا وسأحذف نصي من مجموعتكم حالما تسعفني الشبكة “. بعدها غادر مباشرة تاركاً بعض عملات معدنية على الطاولة حمنا مساوتها ثمن كوب القهوة ، تباعا غادرت البنت ذات عباءة الزعانف الخرزية بعد أن ذكّرت الحضور بتنبيهها الأول ، على حين غرة اخترق الحلبة صبي في العاشرة من عمره ووقف جائلاً يوزع ابتساماته على الحضور على طريقة النجوم ، كان الصبي القُرصان يرتدي كنزة سوداء بأكمام قصيرة بها رسم اصفر في منطقة البطن وبنطال اسود ، يمتشق صندوق لتلميع الأحذية وبيده علبة ملمّع فارغة بها حصى كانت تصدر رنينا مع ابتسامته الجائلة ، حيته الجماهير الفضولية بمزيج من التصفير والتصفيق والصياح مثل مصارع في حلبة شعبية ، بدأ الطفل يعزف على علبة الملمّع الفارغة ذات الحصى وكأنها آلة أورقن ، عزف أكثر مقطوعات “أيمن الربع ” شهرة ومن ثم غادر وهو يرسم إشارة الإعجاب بقبضة يده ، أحس المقدم أن الجمع الطفيلي سحب البساط من تحته وبدأ يقيم مهرجان شعبي بائس فشحذ كل ما أوتي من صوت في كلمات ثناء تنضح نفاقا مدعيا سعادته بهذه المشاركة وهي بمثابة استراحة ثم أدعى بان هذا الصبي أيضا ينتمي للنصوص الأكثر عزلة ، بعدها أعلن عن تلاوة النص الثاني ولكن قبل أن يتم حديثه دلف الى الساحة حبواً رجل كسيح مقطوع الأيدي وأعلن في صوت متراخي- به حشرجة جعلته أكثر جهراً- بأنه يستطيع شراب القهوة برجله وشرع في ذلك فوراً بعد الإعلان ،جاءته فتاته ذات الطرحة البنية بإبريق القهوة ومن ثم بدأ اللعبة ، ظل تصفيق الجمهور وصفيره مستمرا طوال عملية الشراب التي صاحبها قذف للعملات المعدنية من الجمهور على طرحة الفتاة المفرودة على حجرها ، وقف المقدم مشدوها وفي طيات جبينه التي ارتسمت غضباً قرأ ست وسبعون كاتب فيسبوكي مغمور بارت نصوصهم في زحمة الصور والفيديوهات آسفا عميقا وندم خانق، بل قرءوا حقارة مشروعهم وعدم اكتراث الجماهير .

“3”

قبيل انتهاء طقوس الشراب القدمي للقهوة دخل شاب أخر نصف مشلول ، كان يمشي بطريقة مثيرة للضحك فقد كان مشغولا بالمشي وكفكفت اللعاب السائل من فمه المائل تجاه اليسار قليلاً في آن واحد فأضحى مشيه ضربا من الالتواء الزاحف.

بدأ القادم الجديد يخرج أغراضه من مخلاة عتيقة وينثرها كيفما اتفق ، علب لبن مجفف فارغة ، أسلاك نحاس رقيقة ، عود طري وبعض أوتاد حديدية، وكأنه في عرض ختامي للمهارات قلب العلب الفارغة رأساً على عقب مثبتا عليها السلك النحاسي بسرعة تسابقيه ومن ثم باعد بينها وثبتها على الأرض بالأوتاد الحديدية، قوّسَ العود الطري وشدة بنهاية السلك ليكوّن مع العلب سلسة مشدودة بالسلك، امسك بالقوس منتظرا تلاشي دهشة الجمهور بشراب القهوة بالأرجل ليبدأ عرضه ، كان نصف المشلول مغني قدير وعازف ماهر غنى بكل شجن أغنية ” خاينة يادنيا وظالمة يادنيا” هطلت عليه عملات المعدن كالمطر ، لكنه أطال الغناء حتى ظنناه لا يسكت أبدا ، لم يخيب ظننا ذلك فعندما وصل به الغناء حدا بعيدا من الصدق قلبه بكاء فكان بكاءً مدوزن على إيقاع علب اللبن الفارغة يرسل للنفس استفسارات تجعل العالم كله قبضة من بؤس ،لما مل منه الجمهور حملوه خارجا وألحقوا به مخلاته بعد إعادة ترتيبها ، كنت اجلس وصديقي بعيدا بأكواب قهوتنا،نراقب الجمع الهائج وهو يمارس لعبة الهرج على رؤوس الكُتّاب الفيسبوكيين التعساء، بعد انتهاء عملية إجلاء المغني الباكي دخل رجل أعرج ادعى انه يمشي على الماء وتحدى كل من يكذبه بأن يذهب معه الى النيل ليريه صدقه. بكى المقدم بدموع لزمها كبرياء جرحه ثم غادر وهو يضرب كف على كف وكأنه أضاع أباه في زحام الحجيج ، تبعه النصف المتبقي من جمع الكتاب الفيسبوكيين المغمورين لاعنين بلد الفوضى والجهل .

بعد أن تولى شرطيَان نصبا نفسيهما كمنظمين وحيدين للمهرجان إخراج الرجل الماشي على الماء ادعاءً استمعنا الى رجل كان يعزف على صدقيه، لم يلاقي ترحاب من الجمهور الذي تكاثر مثل ذباب الخريف، على شجر النيم ، رؤوس محلات تصليح الهواتف الخلوية و مناضد باعة الطماطم المتهالكة، بعده دخل (عبده شاينا) ليُري الجمهور مهاراته في الجمباز ، أثناء بهلوة عبده وزعيق الجماهير الأهبل غادرت آخر فتاتين من جموع من سموا أنفسهم كتاب، الفتاتان المغادرتان كانتا متحمستين للإلقاء والاستعراض أيضاً ، حيث كانتا ترتديان تنورتين قصيرتين ببناطيل ضيقة وبلوزات تُظهر حافظات الصدر بكل تفاصيلها ، غادرتا بإنكسار الهزيمة لنبقى أنا وصديقي كفلول من العهد القديم ،استمرت الحفلة الضاجة بمنظميها البوليسيين وجمهورها ومبدعيها كما يجب لحفلة شعبية في سوق وسط المدينة إن تستمر.

عندما ألح صديقي على المغادرة بحجة أزمة المواصلات كان المقدم الجديد يعلن بصوته المرح وطريقته الدرامية قدوم “أسامة دبيب” مروض الثعابين الذي أتى من الأدغال لتوه ومعه المفاجأة التي سوف يعلن عنها غداً في موقع المهرجان الجديد الكائن في الساحة المسيّجة وراء موقف الحافلات الكبيرة وانه سوف تكون هناك مواهب عديدة سيشاهدها الجمهور منوهاً الى إن المهرجان سيكون يوميا وعلى الجماهير فقط دفع التذكرة المخفضة والمدعومة من قبل رجال البر والإحسان القائمين على هذا المشروع الثقافي العظيم.

عن دهب تلبو

mm
قاص وشاعر من السودان

أضف تعليقاً