الرئيسية / احدث التدوينات / فيما وراء الخلود

فيما وراء الخلود

عن-الحب-والموت-باتريك-زوسكيند

1

يُعدد كل منا أيامه بطريقة ما. هناك من يحسبها برزنامة على طاولة مكتب الشغل مع نهاية دوامه وثانٍ بصباح الخير من حبيب بعيد وأخرَ يحسبها من الحبوب المتبقية في شريط دوائه. من هذه الاختلافات وغيرها نتمايز عن بعضنا وننظر لذات الشيء من منظور مغاير، لكن يبقى للحب دور التغيير الذي يُحدث في جوهرنا دويًا أعمق. أن تحب يعني بالضرورة أن تكون مبدعًا. فعند وقوع حدث قدري كهذا تتغير رؤيتنا للأمور من حولنا وتتغير معها نظرتنا لأنفسنا. ينفتح باب سري على ممر جديد نسلكه ببراءة تارةً وبتوقعات مقلقة تارةً أخرى، لكننا لا نصل إلى نهايته وهذا أجمل ما في الأمر. نستسلم للحالات المتولدة من الحدث، ونصل إلى خلاصنا بأن تخلق ذاتك كما هي لا كما يكتبها لك الآخرون.

منذ أيام وصلتني رسالة رقيقة عبر البريد من صديق ومعها كتابين. أحدهما بعنوان (عن الحب والموت)1 للروائي والسيناريست الألماني باتريك زوسكيند والآخر (في مدح الحب)2 للفيلسوف الفرنسي آلان باديو. تناول الكتاب الأول في شكل مقالات أعظم ما يشكل ماهية الوجود عند الفرد؛ الحب والموت،وكيف يلتقيان رغم تناقضهما الظاهري.

بينما كان الكتاب الثاني عبارة عن تسجيل لحوار تم مع الكاتب ضمن سلسلة ( مسرح الأفكار) الذي نظمه نيقولا ترونج مع مهرجان أفينيون سنة 2008وفيها يدور الحوار عن الحب وارتباطه بعدة محاور كالفلسفة والسياسة والفن.

في كتابه، يتحدث آلان باديو عن هجر الأنا الشخصية واتحادها مع الروح الكلية للعالم حتى تتحرر في الذات المشتركة مع الطرف الآخر. هناك مقولة لكامو تقول: “لَم أشعر من قبل بأني متحد بعمق مع ذاتي، ومنفصلًا عنها بذات الوقت وحاضرًا في العالم.”3

تذكرني هذه المقولة برؤيتي لذاتي كالدمى الروسية- الماتريوشكا- التي تتوالد. فحينًا أكون الدمية النُّواة، وأحس بثقل الدُعاءات الجديدة عليَّ، بثقل الحاضر الغريب عني والمستقبل الذي بدأ يضغط علي ليزيد من حملي ثقلًا ويقلل من حجمي.وحينًا آخر أراني الدمية الأم، في السطح على تماس مع العالم الخارجي، منتفخة بكل الدُعاءات القديمة داخلي، تمنحني دفئًا باحتراق ذكريات بعيدة كادت أن تبهت.

نبهنا باديو في الفصل السادس لسكوت الأدب عن تناول استمرارية الحدث حيث تنتهي أغلب القصص بنهاية سعيدة فيخيل إلينا كقراء أنها ستظل خالدة دون تغير. في رواية كونديرا (الخلود) امتدت قصة حب غوته بعد وفاته بسبب محرك خارجي تمثل في شخص الفتاة المحبة، وهنا نرى حدث الحب مفتوحًا وعدم التحديد هذا هو ما يمنح الحدث معناه. أيضًا ناقش فيلم ( Before Midnight ) للمخرج ريتشارد لينكلاتر كيف يستمر الحب برومانسيته وواقعيته.

2

من زاوية مماثلة أرى أن فعل اقتفاء الأثر الذي به نُبصر الماضي بعدسة مكبرة، يجعلنا نتوهم مدى استمرارنا في الزمن كأننا صرنا شبه خالدين. يربطنا بالحنين لبدايتنا حيث العودة للمطلق هي الرغبة الأولى، وهي الخوف. من أين يأتي الحب ولمَ؟وما جدوى أن نعرف مصدرنا؟.  تستهوينا البدايات والعودة لها.. هذا الحنين للمطلق فينا كيف نشبعه.تقول لي بالتذكر ربما. وها أنت تتذكر أحيانًا أو تعتقد أنك تتذكر موقع جملة تركت فيك أثرًا عميقًا برواية ما، فتعود تبحث عنها مقلبًا الصفحات بلهفة مركزًا بصرك على الناحية اليسرى لتفاجأ بعد حين أن موقعها قد تغير. حينها لا تعترف بضعف ذاكرتك البصرية، بل تصر على لوم الجملة بتغيير موقعها بعيدًا عن جهة القلب وخيانة الذكرى.

ولا أخفيكم أمرًا أنه لطالما فتنتني فكرة اقتناء الكتب المستعملة، لكني كنت دومًا ما أحصل على كتب جديدة كأي ابنة مدللة من قبل والدها. ما يتركه الآخرون على صفحات الكتب يشي بهم ولو قليلًا، وفي ذات الوقت يفضح حاجتنا إلى استعادة ذواتنا المشتتة في الآخرين. ننسى أنفسنا ونحس بالزمن يمضي بطيئًا وممتدًا كلحظة واحدة هي الخلود.

3

وهذه العودة إلى الماضي هي ذاكرة للمستقبل. فالذاكرة شيء مُلتبس. هذا ما أستنتجه من روايات كونديرا، حيث يتشكل وعينا من خبرات حياتية وأشياء أخرى لكن القسم الأكبر يكمن في الذاكرة والتي بدورها تصور لنا الماضي أحلى مما كان عليه ملونًا بصبغة النوستالجيا.وتحديدًا في روايته(الخلود)، أراد روبنس كما جاء على لسان الراوي: ” أن يعود ويلتقي بنساء الماضي، أن يعانقهن مرة أخرى، أن يمضي حتى النهاية ويستغل كل ما بقي بلا استغلال. فهم أن الإثارات الكبرى أصبحت من الآن وصاعدًا موجودة خلفه، وأنه إذا أراد إثارات جديدة يتوجب عليه أن يذهب للبحث عنها في الماضي.”4

هذه الرغبة عند روبنس تماثل رغبة جاتسبي العظيم5 في العودة للماضي.. حيث الحب.نفس الرغبة أجدها مع الذات الكاتبة فيني، التي بحكم فعل الكتابة غالبًا ما تحيا في الماضي الذي تدونه في كلمات، وبالتالي يصير الماضي هو(المكان) الجميل الذي أتردد إليه باستمرار، وينتفي بكونه بعدًا (زمانيًا). لذا أرى أن استعادة ذكرى واحدة فقط كل فترة مع تقلب الوعي تجعل الماضي دوما متجدد ودومًا كما هو ماض –كالبحر- يكشف لك شيئًا عن لؤلؤك المخبأ في ذاتك، بينما لا يعلمني المستقبل غير الانتظار السلبي وتضخيم المخاوف فيما لا وجود له خارج رأسي. رأسي الذي أعيش بداخله.

4

من منظور مغاير تكون العودة للماضي بالرحيل إلى ما قبل الوجود. بالرجوع إلى العدم الذي منه أتينا. يأتي ذكر كلاريست في كتاب (عن الحب والموت) برؤيته العنيفة للحب متمثلة في الانتحار مع المحبوبة كتعبير أسمى للحميمية والإخلاص تمامًا كما هي النشوة عند المحبين.ولم ينسَ زوسكيند استعراض أمثلة عديدة من الأدب العالمي الذي يتناول الثيمة التي تجمع النقيضين معًا بانسجام، الحب والموت. فحين يصبح الوجود بتأثير الحب أكثر مما نحتمل، نرحل إلى اللانهائي باختيارنا، مبتلعين حبوب دواء بكميات كبيرة، أو محلقين من علو شاهق، أو غائصين في النهر من حافة الجسر.

كنتَ- يا صديقي-  تكتب لي في اللحظة التي كنت أشعر فيها بخوف وجودي. فكانت رسالتكـ هذه بمثابة اليد الممدودة من خلفي تناديني للحياة قبل مرور دقائق معدودة من نية القفز تجاه الزرقة.

سأكون دومًا هنا، فاتحة قلبي لتعددية الاحتمالات،وبكل انتظار المرافئ المنسية لصدفة تحمل بداخلها رسالة الخلود.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش

1- عن الحب والموت، تأليف باتريك زوسكيند، ترجمة د. نبيل الحفار، دار المدى.

2- في مدح الحب، تأليف آلان باديو ونيقولا ترونج، ترجمة غادة الحلواني، دار التنوير للطباعة والنشر.

3- “And never have I felt so deeply at one and the same time so detached from myself and so present in the world”. Albert Camus

4- رواية الخلود، تأليف ميلان كونديرا، ترجمة روز مخلوف، دار ورد للطباعة والنشر والتوزيع- ص337

5- جاتسبي العظيم، تأليف فرانسيس فيتزجرالد.

 

عن دعاء خليفة

mm
مترجمة من السودان