الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: في أُلفة التداعي

قراءات: في أُلفة التداعي

1

من ثقب في جدار قوقعتي شاءت الطبيعة إحداثه أطلت عليّ فكرة الوحدة الكونية متمثلة في القوة المحبة المحركة للعالم، و انشغلت بمحاولة الوصول إلى ما قبل الموج، ما قبل الوعي بالذات ككيان منفصل، حيث كنا واحدًا قبل أن نلتقي هنا في الأرض و نتشارك أحزاننا بما يليق.

و كما هو الحال مع الموسيقى نحتاج أحيانًا إلى كتب تماثل حالتنا الشعورية في لحظة ما. و بالنسبة لفتاة مثلي تلجأ دومًا للأدب في أمور حياتها ابتداءً من الذاكرة و حتى اختيار الكتاب المرافق لها في مشوارها لليوم، يتعذر علي تفسير كيف لكتاب أن يختارنا و يحتوينا داخل دفتيه دون رغبة منا في مقاومته. لهذا لكم أن تعذروني إن لم يبدو هذا السبب كافيا للحديث عن رواية (خزي) للمؤلف النوبلي جون كويتزي من جنوب افريقيا.

كان لتعرض المؤلف و لرؤيته لحقوق الأفريكانيين المنتهكة منذ سنوات طفولته المبكرة، ثم عدم اتخاذه لموقف سياسي واضح كمواطن، ثم لجوئه سياسيًا لبلد بعيد لاحقًا في حياته، ما يكفي لجعله بالضرورة شخصًا ذا موقف سياسي واضح بعيدًا عن حديث النقاد. كما هو الأمر مع طبيعة أن تولد كاتبة هذا المقال في غير أرض الوطن و تصبح منفية عن أحاديث السياسة في المنزل و المدرسة و لاحقًا بين صداقات جديدة مع أبناء الوطن. و بالتالي طبيعة أصله الأبيض و تاريخ الأرض التي ينتمي لها تربطه بالسياسة دون حاجة لإثبات موقفه منها، لكنه يفعل على الرغم من ذلك في روايته هذه التي تعد من الأدب ما بعد الكولنيالي، و الذي يتيح لنا بدوره إدراك جزء من ما نحن عليه الآن في حاضرنا المنسوج بالثقافتين العربفونية و الانجلوفونية نائين عن ثقافتنا الإفريقية دون كبير إحساس بالذنب تجاه تراثنا و التاريخ.

من الدوافع الأخرى لقراءة الرواية هو وجود شخصية مرت بشيء مماثل لما عشته، و رغم أنني لم أخرج منها بإجابة واضحة لما يمكن أن أفعله لتخطي الأمر؛ فليست الإجابات الجاهزة هي ما نرجوه من قراءة الأدب. لكن اتضح لي سبب ردة فعلي التي اتخذتها في حياتي و مدى تأثير ذلك علي و على الآخرين من حولي رغم عدم معرفتهم بالأمر. ففي النهاية، يحمل كثير منا موقفا مر به دون رغبة في أن يطلع الآخرين عليها، كرصاصة منسية في الجسد لا يلحظها الآخرون و لا يذكرها غيرك.أتاحت لي تلك الشخصية زاوية نظر ليست بالسهلة دون أن يعني ذلك أني أكثر قدرة من غيري على رؤيتها، لكني امتلكت حتمًا مدى أوسع للإحساس بها من موقعي هنا. هذا بالإضافة لحوجتنا من حين لآخر إلى “تلك الكتب التي تنزل علينا كالصاعقة التي تؤلمنا، التي تجعلنا نشعر و كأننا قد طردنا إلى الغابات بعيدا عن الناس.” كما يقول كافكا.

تتناول الرواية كما هو عنوانها شعور الخزي الذي ينتاب البطل (ديفيد لوري) و ابنته (لوسي) على عدة مستويات كما هو حال هذا الشعور المركَّب. و هو عنوان سياسي بامتياز يكشف لنا من خلال حبكته خزي الفصل العنصري، و التمييز الجنسي، و السكوت عن الجرائم، و وصول الإنسان المتأخر للعدالة من بين قضايا أخرى عالجتها الرواية. كان إلقاء الضوء على هذه التيمات خاصة  في زمن ما بعد الفصل العنصري بجنوب إفريقيا فاضحًا لمدى ضعف القوانين لإحقاق الحق أمام دفق الحقد المدفون في النفس البشرية المظلومة، و صعوبة أن تقف في صف أحدهم دون الآخر مع انتفاء أن يعفي ذلك ما يبدو عليه الموقف المحايد من برودة جافة. مما يذكرني بنظرية الميمي (meme) للعالم ريتشارد دوكنز و التي تعني الوحدة الأساسية للمعلومات في العقل حيث يتم نسخها خلال عملية التطور الثقافي بما يشبه دور الجينات في نسخها للشفرة الوراثية، و التي انتقلت إلى شبكات التواصل الاجتماعي في شكل صورة كاريكاتورية، فيديو أو هاشتاج.كما يذكرني بدراسة علمية تناولت مدى احتمالية انتقال الصدمات عبر الأجيال من أجداد مروا بويلات الحرب العالمية الثانية. بالتالي من المسئول عن كل هذا الحقد و العنف و ما هي درجة تدخّلنا في ردود أفعالنا و ما مدى اتساع حرية الإرادة عند الإنسان حقًا.

 

جاء صوت السرد بضمير الغائب المقتصر على منظور الشخصية الرئيسية (ديفيد لوري) و علاقاته بالشخصيات النسائية في محيطه الأكاديمي و الاجتماعي بما يكفي لتهيئتنا لاستيعاب أفعاله وفق الأحداث. و على الرغم من حيازته لوجهة النظر الرئيسية إلا أننا كقراء لا نجد أنفسنا متعاطفين مع قضيته، و هذا دليل على إجادة كوتزي في خلق الشخصيات.

شخصية (ديفيد لوري) كمحاضر جامعي في الأدب أتاحت شرح معنى كلمة الانتهاك ( usurp upon) الواردة في جزئية من قصيدة (المقدمة) للرومانسي البريطاني وليام ووردسوورث قبل أن نرى لاحقًا في الأحداث مدى تأثيرها على الفاعل و الضحية في شعورهم اللاحق بالخزي من كلا الزاويتين. يقول: “إن النماذج الأصلية العظمى للعقل، الأفكار النقية، تجد أنها منتهكة من قِبَل الصور الحسّية المحض.”ثم يتابع شرحه مستندًا إلى القصيدة: “انظروا إلى البيت رقم 599. إن ووردسوورث يكتب عن حدود الإدراك الحسّي. و هي فكرة سبق أن ألمحنا إليها. فحين تصل أعضاء الحس إلى أقصى حدود طاقاتها، فإن ضياءها يبدأ بالخبو. و لكن في لحظة الانطفاء التام يتوهج الضوء للمرة الأخيرة بقوةٍ كلهب شمعة، ليمنحنا نظرة خاطفة إلى اللامرئي. الفقرة صعبة؛ بل لعلها تناقض لحظة تجربة مون بلان. و مع ذلك يبدو أن ووردسوورث يتلمس طريقه نحو تحقيق توازن: ليس الصورة النقية، المكللة بالغيوم، و لا الصورة البصرية المحترقة على شبكية العين، التي تغمرنا و تخيب أملنا بوضوحها الواقعي، و إنما الصورة الحسّية، التي نبقيها سريعة الزوال قدر الإمكان، كوسيلة لتحريك أو تنشيط الفكرة الكامنة في الطبقة الأعمق من تربة ذاكرتنا.”1

كما تمثل شخصيته في مقام آخر بالرواية معنى الخزي في عدم إتاحة فرصة للكائن في التعبير عن رغبته الغريزية أثناء محاولة تبرير فعلته أمام ابنته، فجاء في الحوار: ” حين كنتِ صغيرة، و كنا ما نزال نقطن في كينلوورث، كان لدى الجيران كلب، كلب صيد ممتاز………. كان ذكرًا. و كاما قابل كلبة في الجوار تثور شهوته و يصعب التعامل معه، و كان أصحابه يضربونه بانتظام بافلوفي. و استمر الأمر هكذا إلى أن احتار الكلب المسكين في أمره و لم يعد يعرف كيف يتصرف. و أصبح كلما  شم رائحة كلبة تراقصَ حول الحديقة و أذناه متراخيتان بين قوائمه، يئنُّ، محاولاً أن يختبئ.”2

و لا يبدو التفسير كافيًا لابنته فيشرح لها أنه من المحزن أن ينتهي حال الكلب لكره غريزته بأن يشعر بالذنب حيالها و يقترح أنّ رميه بالرصاص هو أنسب خيار. يأخذنا هذا الحوار المشحون بالغضب للتفكر في المضمون الأخلاقي هنا.

 

على الطرف الآخر من المرآة تظهر شخصية (لوسي) لتبرز لنا ملامح الشخصية الرئيسة من خلال تفاعلها مع والدها، و رغبتها في الاستقلال عن السلطة الذكورية المتمثلة في والدها و جارها في المزرعة حيث تعيش بعيدا عن المدينة، في الريف. مثّل موقعها في الرواية دور القربان المقدم في سبيل الإنسانية،الرمادية المحايدة تجاه ذاتها.

كان اختيار المكان متناسبا مع الحالة النفسية للابنة حيث يبدو الوقت بطيئا هنا كأنما ينقل إحساس الضحية بتجمد الزمن لحظة الصدمة الممتدة لأيام. ثم كان إصرارها في المكوث و مواجهة الانهيار الذي يشبهها بدل الذهاب لبلد الأم الأوروبي و الآمن ببرودته. صوّرت الرواية القارة السمراء التي تتلبسها المشاعر الإنسانية الحارة، إفريقيا حيث الصراعات التي لا تنتهي كتلك التي في النفس البشرية. تبدو قارتنا هي الكفيلة للبدء من نقطة الصفر كحال ابتداء البشرية.

تقول (لوسي) لوالدها بعد أن تخلى عن معاندة قراراتها: ” نعم، أوافقك، هو مذل. و لكن لعلها تكون نقطة بداية جديدة. لعل هذا ما ينبغي علي أن أتعلم قبوله: أن ابدأ من الصفر. بدون أي شيء. و ليس بدون أي شيء إلا. بدون أي شيء. بلا خيارات، و لا أسلحة، و لا ملكية، و لا حقوق، و لا كرامة.”3

مع الوجود الثقيل لكلمتي الانتهاك و الخزي على طول الرواية، بالإضافة لموقف (لوسي) ككبش فداء، خطرت لي مقولة القاص القوطي الأمريكي إدجار ألان بو و هو يشرح خطوات تأليفه لقصيدته (الغراب) ذاكرا:” عندما يقرن الموت، بقوة، نفسه بالجمال: موت امرأة جميلة هو إذن، دون نقاش الموضوع الأكثر شاعرية في العالم.”4

يولد هذا التشبيه زاوية مبتكرة في النظر لمعنى القربان مرتبطا في غرابة بقيمة الجمال و ربما الحب، كما يولد سؤالا عن سبب رؤية الرجل في أن المرأة أجمل ما تكون عند حالة الاستسلام السلبي، و إذن، هل يكون الافتنان ليس إلا نوعا من الافتراس الحالم.

مع اقتراب نهاية أحداث الرواية و رغم ما بها من ثقل إلا أنها تمنحنا نظرة بها من السلوان ما هو أكثر من مجرد أمل كاذب، فغروب الشمس في أحد الأيام و ما تبعثه هذا الصورة من شعور باللهفة بكلا المعنيين: الحسرة، و شدة الشوق متمثلا في وجه الحبيبة أو غير ذلك، بدا بال (ديفيد) مشغولا في الشخصية الرئيسية (الشاعر بايرون) لمسرحيته التي يعكف على كتابتها و يقارن متأملا بين ما آلت إليه حاله و حال الشاعر بعد أن صار منفيا في اليونان هربا من الخزي: ” في سن الخامسة و الثلاثين كان قد بدأ يفهم أن الحياة عزيزة.

Suntlacrimaererum, etmentemmortalia tangent*: سوف تكون هذه آخر كلمات بايرون، كان واثقا من ذلك. أما الموسيقى، فتلوح عند الأفق، و لم تأت بعد.”5

في رواية أخرى للكاتب السعودي الشاب عزيز محمد تحت عنوان كافكاوي؛ (الحالة الحرجة للمدعو “ك.”) و المرشحة ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر لهذا العام، هناك فقرة يشرح فيها البطل “ك.” الحزن الذي ينتابه دون اقترانه بأي ندم فيقول متذكرا شقاوة طفولته مع النمل: ” فجأة يصبح سلب أتفه الحيوانات، حتى لو لم تكن سوى حياة حشرة، عملا مضنيا باعثا على الحزن الشديد. لكن ليس ثمة ندم في هذا الحزن، و لا كآبة تتلوه بعد أن بدأ مفعول عقار الاكتئاب. إنه حزن من نوع آخر هذا الذي أشعر به الآن، أقرب إلى ما يشعر به المرء بعد قصيدة هايكو. ثمة كلمة تختزله في اللغة اليابانية، لا نظير لها في أي لغة أخرى كما قرأت. تنطق مقاطعها هكذا: “مونو نو أوير”**، و تعني: الأسى العذب على زوال الأشياء، أو العطف الناتج عن إدراك حتمية مضيّها.”6

إن العمل الفني الذي يلامسك حد أن تستدعي لحظات مشحونة بالحميمية و الأسى في حياتك، و تبث فيها معنى لهي جديرة بالتوقف عندها قليلا للتأمل.

ختاما، إلى أي مدى نحن مستعدون لنواجه ذاتنا في المواقف الصادمة، أنفضل قطع الحبل حيث العقدة أم نبادر لفكها مهما تطلب ذلك من جهد. و هل يقعدنا الزمن المتطلَّب عن اتخاذ هذه الخطوة أو نفضل تجاهله قليلا مدركين أن “الأمور تصير إلى حدودها” كما ذكر الشاعر البحريني قاسم حداد. فربما يساعدنا ذلك من جانب آخر في صنع ثورة داخلية نستعيد بها هويتنا المفقودة.

ـــــــــــ

1، 2، 3، 4. خزي، تأليف ج. م. كويتزي، ترجمة أسامة منزلجي، دار الجندي للنشر و التوزيع، دار الهفاف للنشر و التوزيع، الطبعة الأولى 2002، ص29، ص112، ص247، ص197

* مقطع شعري من قصيدة (دموع الأشياء) للشاعر الروماني فيرجيل، و هي تعني لهفة الأشياء على المعاناة الانسانية، و أن الكون يشعر بآلامنا. آخرون يفسرونه بأن المعاناة هي ما تحدد جوهر التجربة الإنسانية.

5 في الحداثة الأدبية، تأليف بول فاليري و آخرون، ترجمة غيثة بلحاج، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى 2013، ص88

6 الحالة الحرجة للمدعو “ك.”، تأليف عزيز محمد، دار التنوير للطباعة و النشر، الطبعة الأولى 2017، ص269

** mono no aware

 

عن دعاء خليفة

mm
كاتبة و مترجمة من السودان